الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ قال النسفي: أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليا لكلامكم، وجهره باهرا لجهركم، حتى تكون مزيته عليكم لائحة، وسابقته لديكم واضحة) وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أي: لا تجهروا له جهرا مثل جهر بعضكم لبعض. قال النسفي: (أي إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللين المقرب من الهمس الذي يضاد الجهر، أو لا تقولوا له: يا محمد، يا أحمد، وخاطبوه بالنبوة والسكينة والتعظيم) وقال النسفي: (لم ينهوا عن الجهر مطلقا حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص، أعني: الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منه فيما بينهم وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها) وقال ابن كثير: (نهى من الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطبه بسكينة ووقار وتعظيم) قال ابن كثير: (يكره رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم كما كان يكره في حياته عليه الصلاة والسلام؛ لأنه محترم حيا وفي قبره صلى الله عليه وسلم دائما) ثم قال تعالى معللا للنهي عن رفع الصوت أو الجهر له بالقول كجهر البعض للبعض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أي: انتهوا عمّا نهيتم عنه، خشية حبوط أعمالكم وأنتم لا تشعرون بذلك، قال ابن كثير:(أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك؛ فيغضب الله تعالى لغضبه؛ فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري) وقال الألوسي (وقال أبو حيان: إن كانت الآية بمن يفعل ذلك استخفافا فذلك كفر يحيط معه العمل حقيقة، وإن كانت للمؤمن الذي يفعله غلبة وجريا على عادته فإنما يحبط عمله البر في توقير النبي صلى الله عليه وسلم، وغض الصوت عنده أن لو فعل ذلك كأنه قيل: مخافة أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها فتؤجروا عليها، ولا يخفى ما في الشق الثاني من التكلف البارد، ثم إن من الجهر ما لم يتناوله النهي بالاتفاق وهو ما كان منهم في حرب، أو مجادلة معاند، أو إرهاب عدو، أو ما أشبه ذلك مما لا يتخيل منه تأذ أو استهانة، ففي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال للعباس بن عبد المطلب لما ولّى المسلمون يوم حنين: «ناد أصحاب السمرة» فنادى بأعلى صوته أين أصحاب السمرة، وكان رجلا صيتا).
ثمّ ندب الله تعالى إلى خفض الصوت وحث على ذلك وأرشد إليه، ورغّب فيه، فقال إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ أي: يخفضون أصواتهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أي: في مجلسه
تعظيما له عليه الصلاة والسلام أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى قال ابن كثير: أي: أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا وقال النسفي:
والمعنى: أخلصها للتقوى من قولهم: امتحن الذهب وفتنه إذا أذابه فخلّص إبريزه من خبثه ونقّاه، وحقيقته عاملها معاملة المختبر فوجدها مخلصة لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ مكافأة لهم على أدبهم والصيغة تدلّ- كما قال النسفي- على غاية الاعتداد والارتضاء بفعل الخافضين أصواتهم، وفيها تعريض لعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ يا محمد مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ وهي بيوت نسائه عليه الصلاة والسلام فعل أجلاف الناس أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ إذ لو كان فيهم عقل ما تصرّفوا هذا التصرف، وسنرى في الفوائد أسباب نزول الآيات قال النسفي:(وورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى من إجلال محل رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها التسجيل على الصائحين به بالسفه والجهل، ومنها إيقاع لفظ الحجرات كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه، ومنها التعريف باللام دون الإضافة، ولو تأمل متأمل من أول السورة إلى آخر هذه الآية لوجدها كذلك، فتأمل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله متقدمة على الأمور كلها من غير تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر، كأن الأول بساط للثاني، ثم أثنى على الغاضين أصواتهم ليدل على عظيم موقعه عند الله، ثم عقبه بما هو أطم وهجنته أتم من الصياح برسول الله صلى الله عليه وسلم في حال خلوته من وراء الجدر، كما يصاح بأهون الناس قدرا لينبه على فظاعة ما جسروا عليه، لأن من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ في التفاحش مبلغا)
ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك فقال وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا قال النسفي: الصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ قال النسفي: (أفاد أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم) لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي:
لكان الصبر خيرا لهم في دينهم قال ابن كثير: أي: (لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة) ثم قال جل ثناؤه داعيا لهم إلى التوبة والإنابة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: بليغ الغفران والرحمة واسعهما فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا.