الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
13 - [أين التوراة الحقيقة
؟]
قال الله عز وجل واصفاً رسوله والمؤمنين مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ فدلّ هذا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته موصوفون في التوراة بهذه الصفات، ولكن أين التوراة الحقيقية؟
إن التوراة الحالية محرّفة متناقضة، تدل على نفسها بنفسها أنها ليست التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام، كما برهنا على ذلك في كتابنا (من أجل خطوة إلى الإمام) ومع أن التوراة الحالية كذلك فلا زال فيها بقايا من البشارات برسولنا عليه الصلاة والسلام ذكرناها في كتابنا (الرّسول صلى الله عليه وسلم، ولأن التوراة الحالية تمزج ما هو من سيرة موسى عليه السلام، بما هو وحي، بما هو حكاية. وبما أن هذه الأسفار كتبت بعد مئات السنين من وفاة موسى عليه السلام، وبما أنها حصيلة دمج لمجموعة روايات- كما نقلنا ذلك في هذا التفسير- فإننا لا نطمع أن نجد شيئا على أصله فيها. ولقد تتبّعنا عبارات هذه الأسفار فوجدنا في بعضها ما يشير إلى بعض ما ذكره القرآن هنا، ولكن بشكل مفرق من مثل (أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه .. ) تثنية 18 (يجلب الربّ عليك أمّة من بعيد من أقصاء الأرض كما يطير النّسر، أمة لا تفهم لسانها، أمة جافية الوجه لا تهاب الشيخ ولا تحن إلى الولد) تثنية 28 (تهلّلوا أيها الأمم شعبه؛ لأنه ينتقم بدم عبيده، ويرد نقمة على أضراره، ويصفح عن أرضه عن شعبه) تثنية 32 وهذا الأخير يشبه أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ.
14 - [أين الإنجيل الحقيقي
؟]
قال تعالى وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وقد فتّشت في ما يسمى بالأناجيل الحالية والتي هي مجموعة روايات متناقضة، والتي تقيم الحجة بمضمونها على نفسها، أنها ليست ذات ما بشر به المسيح، فرأيت النص التالي يمكن أن يكون أصل ما أشار إليه القرآن: في الإصحاح الثالث عشر من إنجيل متى على لسان المسيح عليه السلام: (قدّم لهم مثلا آخر قائلا: يشبه ملكوت السموات حبّة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله، وهي أصغر جميع البذور؛ ولكن متى نمت فهي أكبر البقول، وتصير شجرة حتى إن طيور السماء تأتي وتأوي في أغصانها).
كلمة أخيرة في سورة الفتح:
بدأت السورة بمقدمة سمّت صلح الحديبية فتحا مبينا، وذكرت حكمة الله في هذا
الفتح، وأنها إرادة الله برسوله: المغفرة وإتمام النعمة والهداية والنصر، ثم ذكرت إنزال السكينة على المؤمنين قبل الصلح وبعده، وأن حكمة ذلك زيادة الإيمان في قلوبهم من أجل أن تكون النتيجة إدخال المؤمنين الجنة، وتعذيب الكافرين في النار. وهكذا قدّمت السورة هذه المعاني الإجمالية ليعرف منذ البداية أن ما حدث يوم الحديبية كان فتحا، وأن عاقبته بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبالنسبة للمؤمنين هي الخير كله. وبعد هذه المقدمة يعرض الله عز وجل المسألة من بدايتها: فالبداية أن الله أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وجعل مهمته الشهادة على الخلق، والتبشير والإنذار، وأن على الخلق أن يؤمنوا بالله ورسوله، وأن ينصروا رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يعظموه، وأن ينزهوا الله عز وجل، وأن بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هي بيعة لله عز وجل، فماذا كان موقف الناس من هذه المعاني قبيل صلح الحديبية وأثناءه: أما المنافقون فقد تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ البداية، وأمّا المؤمنون الصادقون فساروا معه، ولما اقتضى الأمر بيعة على الموت أو عدم الفرار بايعوا مطمئنين، فكافأهم الله بإنزال السكينة، وفتح خيبر، وغير ذلك. ومن جملة ذلك تحقيق رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطواف حول البيت في عام لاحق، وأما الكافرون والمنافقون فكانت مواقفهم خلال ذلك في غاية الجهل والتناقض، ثم بشر الله عز وجل بإظهار دينه على الأديان كلها، ثم ذكر خصائص رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين يستأهلون هذا النصر، ويستأهلون معه المغفرة والجنة.
هذه أمهات من المعاني في السورة عرض الله عز وجل لنا فيها صلح الحديبية، وما رتّبه عليه وأسماه فتحا، فأعطى بذلك المسلمين درسا خالدا من دروس القرآن، وكلها خوالد. فالقرآن الكريم يسجل لنا كل ما هو خالد تحتاجه الأمة الإسلامية أفرادا، وجماعة في سيرها خلال العصور، ومن ثم تجده سجّل كثيرا من مواقف السيرة التي من هذا النوع في الحرب أو في السلم، فسجّل لنا مواقف متعددة في قضايا الجهاد من خلال عرضه لغزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وحروبه الرئيسية، وسجل لنا هاهنا موقفا ترتب عليه معاهدة وصلح، وهو موقف قد تحتاجه الأمة الإسلامية في سيرها الطويل كثيرا، والملاحظ أن سورة القتال السابقة على سورة الفتح ذكرت شيئا عن المسالمة والمصالحة، وأنها جائزة في بعض الحالات، وقد جاءت سورة الفتح لتعرض علينا نموذجا على أن الهدنة والصلح قد يترتب عليهما من المنافع والمصالح للمسلمين أضعافا مضاعفة، بل قد
لا يكون في لحظة من اللحظات أية مصالح في الحرب. من هذه الصلة بين سورة القتال والفتح نعرف كيف أن السور في القسم الواحد يكمّل بعضها بعضا، سنحاول تفصيل هذا الموضوع في الكلام عن قسم المثاني بعد أن ننتهي من عرضه.
ومن خلال عرض ما مر فصلت السورة في قضايا تتعلّق بالإيمان والتقوى وأخلاق الجماعة المؤمنة، وفصّلت في الكفر وأخلاقه ودوافع أهله، وفصّلت في النفاق وأخلاق أهله ودوافعهم، وفصّلت في كيفية تعامل الجماعة المسلمة مع المنافقين، وفصّلت في سنن الله في عملية الصراع بين الكفر والإيمان، وفيما ينبغي أن يلاحظه المسلمون في عملية الصراع، ومن أهم ذلك حماية أرواح المؤمنين المخالطين للكافرين، كما فصّلت في خصائص الجماعة الإسلامية في تعاطفها مع بعضها وفي شدتها على الكافرين، وفي إقبالها على الله بالعبادة، وإخلاصها له في النية، كما فصّلت فيما تقتضيه عملية الإيمان من نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه.
ومما ينبغي أن نتذكره أنه لا يكفي أن يقول قائل آمنت بالله ورسوله، بل لا بد أن يرافق ذلك نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بنصرة شخصه في حياته، ونصرة شريعته ودينه، وأن يرافق ذلك توقير وتعظيم لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته، وأن يرافق ذلك تنزيه لله عز وجل، وأن يضم المسلمين فيما بينهم صف واحد يمتاز بالرحمة فيما بينه، والشدة على العدو الكافر، ويمتاز بالصلاة والعبادة، والترقّي والإيمان والعمل الصالح، والصراع المتواصل لنشر الإسلام حتى يعمّ الإسلام العالم.
وقد رأينا صلة سورة الفتح بمحور السورة من البقرة وكيف أنها تفصله وتضرب الأمثال على تحققه؛ فقد جاء في المحور فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وهاهنا ذكر ما يترتب على ذلك من إيمان ونصرة وتوقير وتعظيم وتسبيح وبيعة. وفي المحور ذكر فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهاهنا ذكر كيفية الهداية، وذكر بعض أسبابها وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ومن السياق نعلم أن هذه الهداية هي أثر الحركة الجهادية المخلصة، وأثر الطاعة الراشدة، والمحور ذكر أن النصر يكون بعد البأساء والضراء والزلزال، وكان فتح الحديبية بعد ذلك كله.
والمحور ذكر حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ والسورة فصّلت في صفات الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين إذا قالوا ذلك كان الجواب: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.
***