الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أمروا بها فشربوا منها فأذهبت ما كان في بطونهم من أذى أو قذى وتلقتهم الملائكة على أبواب الجنة سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ وتلقى كل غلمان صاحبهم يطوفون به فعل الولدان بالحميم جاء من الغيبة، أبشر قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قال: وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين فيقول: هذا فلان باسمه في الدنيا فيقلن: أنت رأيته؟ فيقول:
نعم فيستخفهن الفرح، ثم يخرج إلى أسكفة الباب، قال: فيجئ فإذا هو بنمارق مصفوفة، وأكواب موضوعة، وزرابي مبثوثة، قال: ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه، فإذا هو قد أسس على جندل اللؤلؤ بين أحمر وأخضر وأصفر وأبيض، ومن كل لون، ثم يرفع طرفه إلى سقفه، فلولا أن الله تعالى قدر له أن لا يذهب ببصره إنه لمثل البرق، ثم ينظر إلى أزواجه من الحور العين، ثم يتكئ على أريكة من أرائكه ثم يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ.
9 -
لاحظ أنه لما كان الحديث عن أهل النار قال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها بدون واو قبل (فتحت) بينما قال في أهل الجنة: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها بواو قبل (فتحت) فما السر في ذلك؟ علل النسفي لذلك بقوله:
(إن أبواب النار لا تفتح إلّا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فتقدم فتحها كقوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ فلذلك جيئت بالواو، كأنه قال حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها) وقد رأينا ردّ ابن كثير على من زعم أن هذه الواو تسمّى واو الثمانية.
وبهذا ينتهي ما أردنا نقله من فوائد المقطع الأخير، وقد آن أن نتكلم كلمة أخيرة عن السورة.
كلمة أخيرة في سورة الزمر:
بدأت السورة بقوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وقد كانت السورة مجلى لعزة الله وحكمته، فرأينا آثار عزّة الله في الكلام عن خلقه وعظمته، وفعله بالكافرين والمكذّبين والمستكبرين في الدنيا والآخرة، ورأينا آثار عزته بأمره بالعبادة والتقوى والإحسان والتوبة والإنابة، ورأينا آثار حكمته، في العرض والأمر
والنهي، وإحاطة الأمر بكل ما يلزمه من معان، وتكرار المعنى اللازم تكراره بأكثر من طريقة عرض.
وفي الوقت نفسه فقد كانت السورة تدليلا على أنّ هذا القرآن منزل من عند الله، إذ هي نموذج لمجموعة خصائص من خصائص هذا القرآن ذكرت في السورة، وكل خصيصة من هذه الخصائص برهان كامل على أن هذا القرآن من عند الله.
رأينا أنّ السورة تتألف من مقدّمة ومقطعين يبدأ المقطع الأول بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وقد سار المقطع بعد ذلك مبينا الحق في أمور كثيرة، وراسما طريق العبادة الخالصة لله.
وبدأ المقطع الثاني بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ.
وقد سار المقطع الثاني مبينا الحق في أمور، وسار في طريق تفصيل أن الله عز وجل هو الوكيل، وذكر مظاهر من كونه هو الوكيل، وبين كيف أن من اهتدى فإنما نفع هدايته عائد عليه، ومن ضلّ فإنما وبال ضلاله عليه.
وتحدّث المقطعان عن واجبات المنزل عليه القرآن، من عبادة وتبليغ، فحدّدا للرسول صلى الله عليه وسلم كثيرا من القضايا التي عليه أن يبلغها أو يقولها، ومن ذلك
قوله تعالى أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ فهناك قراءة هي «أمن» على أنّ الهمزة للنّداء، والمنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلى هذه القراءة تكون الآية أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي:
يا محمد المتصف بالقيام والرجاء والخوف قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ومن ثم نجد في السورة الأمر (قل) يتكرّر كثيرا.
ورأينا أنّ السورة ذكرت خصائص ستا للقرآن: أنه أحسن الحديث، وأنه متشابه.
وأنّه مثان، وأنّه في أعلى درجات التبشير والإنذار، وأنه ضرب للناس من كل مثل، وأنه غير ذي عوج.
وكانت السورة نموذجا واضحا على كون هذا القرآن كذلك.
ورأينا بأكثر من دليل أن السورة محورها قوله تعالى من سورة البقرة الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ولذلك ذكر في أكثر من مكان في السورة أن هذا القرآن من عند الله، وكان هذا الموضوع من الوضوح والتأكيد بحيث ذكر في المقدمة، وذكر في مقدمتي المقطعين، ورأينا من خلال ذكر خصائص القرآن كيف أن هذا القرآن من عند الله، لا شك في ذلك ولا ريب، ورأينا في السورة عاقبة اهتداء المتقين بهذا القرآن، وعاقبة نكوص الكافرين عن الاهتداء به بأشكال متعددة، ورأينا علامات الاهتداء به، وعلامات الضلال عنه في مثل قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ....
ورأينا في السورة أن نقطة البداية في الاهتداء بهذا القرآن هي العبادة، والعبادة فهم وسلوك وعلم وعمل، وقد وضّحت السورة هذه المعاني كلها، كما ذكرت كل الأشياء اللازمة للتحقق بالهداية، وكل الأشياء التي تحول دون الهداية كالكذب والكفر والكبر، كما فتحت الطريق للهداية ولو أن الإنسان كان غارقا في الذنوب.
وهكذا نجد أنّ السورة فصّلت في محورها من سورة البقرة تفصيلا جديدا فأتمّت البناء، فهذا المحور فصّلت فيه سورة آل عمران، وفصّلت فيه سورة يونس، وفصّلت فيه سورة طه، وفصّلت فيه سورة الزمر، وكلّ سورة فصّلت في المحور تفصيلا يكمّل تفصيل السور الأخرى، هذا مع احتفاظ السورة بسياقها الخاص، واحتفاظ كل مقطع منها وكل مجموعة بوحدتهما، وكل ذلك يظهر على كماله وتمامه، وذلك شأن عجيب في هذا القرآن، يدلّك على أن هذا القرآن من عند الله عز وجل.