الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النصر الرباني، لتوفر شروط ذلك فيهم، وهذا كله ببركات هذه البيعة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إيمانا به، وقياما بحق نصرته، وتوقيرا له، أي تحقيقا لما يطالب الله به عباده من قيام بحق رسالته.
3 -
نلاحظ أنه قد مرّ معنا في المقطع الأول قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ .. وأنه قد جاء في هذه الفقرة قوله تعالى لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ لاحظ ورود كلمة (السكينة) في الآيتين، فكأن الفقرة تفصّل في تبيان الوقت الذي أنزلت فيه السكينة التي تحدث عنها المقطع الأول، وهو عقب البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم الفرار، أو على الموت في سبيل الله، وذلك موقف أحوج ما يكون فيه الإنسان للطمأنينة؛ إذ يقرر أن يموت، وهذا أول مظهر من مظاهر صلة الفقرة هذه بالمقطع الأول. كما نلاحظ أن المقطع الأول ورد فيه قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً .. كما ورد فيه وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ..
ونلاحظ أنه قد ورد في هذه الفقرة قوله تعالى وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً، وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً مما يشير إلى أن بعض ما أكرم الله به رسوله صلى الله عليه وسلم مما نصت عليه أوائل السورة- قد أشرك الله فيه المؤمنين.
تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الثانية:
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ أي: أيدي أهل مكة عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ أي: عن أهل مكة يعني قضى بينهم وبينكم المكافّة والمحاجزة بعد ما خوّلكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الحديبية بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ أي: أقدركم وسلّطكم وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً قال ابن كثير: (هذا امتنان من الله تعالى على عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إليهم منهم سوء، وكفّ أيدي المؤمنين عن المشركين، فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلا من الفريقين، وأوجد بينهم صلحا فيه خيرة للمؤمنين، وعاقبته لهم في الدنيا والآخرة).
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: هم الكفار الذين استغرقهم الكفر وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: منعوكم عن العمرة لله في المسجد الحرام وَالْهَدْيَ هو ما يهدى إلى الكعبة من الأنعام مَعْكُوفاً أي: محبوسا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أي:
مكانه الذي يحل فيه نحره. قال ابن كثير: أي وصدّوا الهدي أن يصل إلى محله وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهدي سبعين بدنة كما سيأتي بيانه وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ بمكة أي: بين أظهر أهلها ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم، خيفة على أنفسهم من قومهم، ومن ثم قال تعالى لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ أي: إثم وغرامة. قال النسفي: أي إثم وشدة .. وهو الكفارة إذا قتله خطأ.
وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والإثم إذا قصد بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني أن تطئوهم غير عالمين بهم. قال النسفي: والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة والمعنى: أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم، فقيل: ولولا كراهة أن تهلكوا ناسا مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة لما كفّ أيديكم عنهم). وباختصار: أي لولا هؤلاء لسلطناكم عليهم فقتلتموهم، وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، فكففنا أيديكم عنهم لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ قال ابن كثير: أي يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام. وقال النسفي: وقوله لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ تعليل لما دلّت عليه الآية وسيقت له من كف الأيدي عن أهل مكة والمنع عن قتلهم صونا من بين أظهرهم من المؤمنين كأنه قال: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته أي في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم). لَوْ تَزَيَّلُوا أي: لو تميّز الكافرون من المؤمنين الذين بين أظهرهم. قال النسفي: أي: لو تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ أي: من أهل مكة عَذاباً أَلِيماً قال ابن كثير: أي لسلّطناكم عليهم، فلقتلتموهم قتلا ذريعا
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ أي: الأنفة حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ أي: أنفتها التي هي أثر الجهل، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم. وحالوا بينهم وبين البيت فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ المراد بالسكينة هنا الطمأنينة والوقار والحلم، وهو ما قابلوا به حمية المشركين في المواقف التي رأيناها وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى أي: كلمة التوحيد التي هي عماد التقوى، والتي تجعل صاحبها لا يتحرك إلا أثرا عنها وَكانُوا أي: المؤمنون أَحَقَّ بِها من غيرهم وَأَهْلَها بتأهيل الله إياهم وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فيجري الأمور على مصالحها، أي هو عليم بمن