المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌112- باب: التيمم - شرح سنن أبي داود للعيني - جـ ٢

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌89- باب: الوضوء بعد الغسل

- ‌90- باب: المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل

- ‌91- باب: الجنب يغسل رأسه بالخِطمِيِّ

- ‌92- باب: فيما يفيض بين المرأة وبين الرجل

- ‌93- باب: في مؤاكلة الحائض ومجامعتها

- ‌94- باب: الحائض تناول شيئاً لمن كان في المسجد

- ‌95- باب: في الحائض لا تقضي الصلاة

- ‌96- باب: في إتيان الحائض

- ‌97- باب: في الرجل يصيب من امرأته دون الجماع

- ‌98- باب: المرأة تُستحاض ومن قال: تدع الصلاة فيعدة الأيام التي كانت تحيض

- ‌99- باب: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة

- ‌101- باب: من قال تجمع بين الصلاتين وتغتسلُ لهما غسلاً

- ‌102- باب: من قال: تغتسل مرة

- ‌103- باب: من قال المستحاضة تغتسل من طهر إلى طهر

- ‌104- باب: من قال: تغتسل كل يوم مرة، ولم يقل: عند الطهر

- ‌105- باب: من قال: تغتسل في الأيام

- ‌106- باب: فيمن قال: توضأ لكل صلاة

- ‌107- باب: فيمن لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث

- ‌108- باب: المرأة ترى الكدرة والصفرة

- ‌109- باب: المستحاضة يغشاها زوجها

- ‌110- باب: وقت النفساء

- ‌111- باب: الاغتسال من المحيض

- ‌112- باب: التيمم

- ‌113- باب: الجنب يتيمم

- ‌114- باب: إذا خاف الجنب البرد تيمم

- ‌115- باب: المجدورُ يَتيمّمُ

- ‌117- باب: الغُسل يَوم الجُمعة

- ‌118- باب: الرخصة في ترك الغسل

- ‌120- بَابُ: المرأةِ تَغسلُ ثوبَها الذِي تَلبَسَهُ في حَيضها

- ‌121- بَابُ: الصلاة في الثوبِ الذِي يُصِيبُ أهله فيه

- ‌122- بَابُ: الصَلاةِ في شُعُر النّسَاء

- ‌123- باب: الرّخصَة

- ‌124- بَاب: المني يصيبُ الثوبَ

- ‌125- بَاب: بَول الصَبِيّ يُصِيبُ الثَّوبَ

- ‌126- باب: الأرض يُصيبها البول

- ‌127- بَاب: طَهُور الأرض إذا يبسَت

- ‌128- باب: الأذى يُصيب الذيل

- ‌129- بَاب: الأذَى يُصِيبُ النَّعل

- ‌130- بَاب: الإِعَادَة منَ النجاسَة تكونُ فِي الثوب

- ‌131- بَاب: البُزاق يُصِيبُ الثَّوبَ

- ‌2- كِتابُ الصَلَاةِ

- ‌1- بَابُ: المَواقيت

- ‌2- بَابُ: وقت صلاة النبي- عليه السلام

- ‌3- بَاب: في وَقت الظُّهرِ

- ‌4- بَابُ: مَا جَاء فِي وَقت العَصرِ

- ‌5- بَاب: فِي وَقتِ المَغرب

- ‌6- بَابُ: وَقتِ عشاءِ الآخرة

- ‌7- بَاب: في وَقتِ الصُّبح

- ‌8- بَاب في المحافَظة على الوَقت

- ‌9- بَاب: إذا أَخّر الإمامُ الصلاة عَن الوَقت

- ‌10- باب: مَن نامَ عَن صَلَاة أو نَسيَها

- ‌11- بَاب: في بناء المَسجد

- ‌12- باب: فِي المسَاجدِ تبنى في الدُّور

- ‌13- بَاب: في السُرُج في المسَاجد

- ‌14- بَاب: في حَصَى المَسجد

- ‌15- بَاب: في كنسِ المسجدِ

- ‌16- بَاب: اعتزالُ النَسَاءِ في المَسَاجد عَن الرجالِ

- ‌17- بَابٌ: فيمَا. يَقُولُ الرَّجُلُ عَندَ دُخُولِه المسجدَ

- ‌18 - بَاب: الصَّلاة عندَ دُخُول المَسجد

- ‌19- بَابُ: فَضلِ القُعُودِ في المَسجدِ

- ‌20- بَابٌ: فِي كرَاهِية إنشَادِ الضَّالَّة في المَسجِد

- ‌21- بَاب: في كرَاهِية البُزَاقِ في المَسجِد

- ‌22- بَاب: في المُشرك يَدخُل المَسجدَ

- ‌23- بَابُ: المَواضِع الّتي لا تَجُوز فيها الصلاة

- ‌24- باب: في الصَّلاة في مَبارِك الإبل

- ‌25- باب: مَتَى يُؤمرُ الغلامُ بالصلاةِ

- ‌26- بَابُ: بَدء الأذَانِ

- ‌27- بَابُ: كيفَ الأذانُ

- ‌28- باب في الإقامةِ

- ‌29- بَابُ: الرَّجلِ يؤذن ويُقيمُ آخرُ

- ‌30- بَابُ رَفع الصَوتِ بالأذَان

- ‌31- بَابُ: مَا يجبُ عَلى المؤذنِ من تعاهُدِ الوَقت

- ‌32- باب: أذان فَوق المنارة

- ‌33- بَابُ: المُؤذّن يَستديرُ في أذانِه

- ‌34- باب: في الدُّعاءِ بَينَ الأذَانِ والإقامَةِ

- ‌35- باب: مَا يَقُولُ إذَا سَمِعَ المُؤذنَ

- ‌36- بَابُ: الدُّعَاءِ عندَ الأذانِ

- ‌37- بَابُ: أخذِ الأجرِ عَلَى التَأذِين

- ‌38- بَابٌ: فِي الأذَانِ قَبل دُخُول الوَقتِ

- ‌39- بَابُ: الخُرُوج منَ المَسجد بَعد الأذان

الفصل: ‌112- باب: التيمم

‌112- باب: التيمم

أي: هذا باب في بيان أمور التيمم، ولما فرغ عن الوضوء الذي هو

طهارة صغرى، وعن الغسل الذي هو طهارة كبرى، وما يتعلق بهما،

شرع في بيان التيمم الذي هو خلف/عن الوضوء، قدم الوضوء أولاً

لأنه الأعم الأغلب، ثم بالغسل لأنه الأندر، ثم بالخلف لأنه أبداَ يلي

الأصل، وهو في اللغة: مطلق القصد. قال الشاعر:

ولا أدري إذا يممت أرضاً

أريد الخير أيهما يليني

أألخير الذي أنا أبتغيه

أم الشر الذي هو يبتغيني

وفي الشرع: قصد الصعيد الطاهر واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة

القربة. وسبب وجوبها ما هو سبب وجوب الوضوء، وشرط جوازها

العجز عن استعمال الماء؛ لأنه خلف لا يشرع معه، وإنما لم يقل كتاب

التيمم لما ذكرنا أن كتاب الطهارة يشمله، فلا يحتاج إلى ذكر الكتاب، بل

يحتاج إلى الذكر بالنوع وهو الباب.

301-

ص- حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: نا أبو معاوية ح، ونا

عثمان بن أبي شيبة قال: أنا عَبدةُ- المعنى واحد-، عن هشام بن عروة، عن

أبيه، عن عائشةَ قالت: بَعثَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أسَيدَ بنَ حُضَيرٍ وأناساً معه في

طلب قلادَة أضلَّتهَا عائشةُ، فحضَرَت الصلاةُ فصلُوا بغيرِ وُضوء، فأتَوا

النبي- عليه السلام فذكروا ذلك له، فأنزِلَت آيةُ التيمم. زاد ابن نفيل:

فقال لها أسَيدٌ: يرحَمُك اللهُ، ما نزلَ بك أمرٌ تكرهينَه إلا جَعَلَ اللهُ

للمسلمينَ ولكِ فيه فَرَجاً (1) .

ش- أبو معاوية الضرير، وعَبدة بن سليمان الكلابي، وأُسَيد بن

حضير بالضم فيهما.

(1) البخاري: كتاب التيمم، باب: إذا لم يجد ماءً ولا تراباً (336)، مسلم:

كتاب الطهارة، باب: التيمم (367)، النسائي: كتاب الطهارة، باب: بدء

(لتيمم)(1/164)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في السببَ

ص: 115

قوله: " بعث رسولُ الله أسيدَ بن حُضَير " وفى رواية للبخاري: " فبعث

رسول الله رجلَا فوجدها "، وفي رواية: " رجلين "، وفي رواية:

" ناساً "، وهي قضية واحدة.

قوله: " قلادة " القلادة- بكسر القاف- التي في العنق.

فوله: " أضلتها " أي: أضاعتها، يقال: ضل الشيء إذا ضاع، وضل

عن الطريق إذا جَارَ.

قوله: " فصلوا بغير وضوء " استدل به من قال: إن من لم يجد ماء ولا

تراباً لا يترك الصلاة إذا حضر وقتها على كل حال، وذلك لأن القوم

الذين بعثهم رسول الله- عليه السلام في طلب القلادة كانوا على غير

ماء، ولم يكن رخص لهم بعد في التيمم بالتراب، وإنما نزلت آية التيمم

بعد ذلك، فكانوا في معنى من لا يحد الماء ولا التراب، ولو كانوا

ممنوعين من الصلاة- وتلك حالهم- لأنكره النبي- عليه السلام حين

أعلموه ذلك، ولَنَهاهم عنه فيما يستقبلونه، إذ لا يجوز سكوته على باطل،

ولا تأخيره البيان في واجب عن وقته. وعن الشافعي أربعة أقوال،

أصحها: يجب عليه أن يصلي، ويجب عليه أن يعيد إذا زالت الضرورة.

الثاني: لا يجب عليه الصلاة ولكن يستحب، ويجب القضاء سواء صلى

أو لم يصل. والثالث: تجب الصلاة، ولا تجب الإعادة، وبه قال

المزني. والرابع: يحرم عليه الصلاة لكونه محدثاً، وتجب الإعادة، وهو

قول أصحابنا، واحتجوا بقوله- عليه السلام: " لا يقبل الله صلاة

بغير طهور ". والجواب عن هذا أنهم صلوا صلاتهم تلك اجتهاداً،

والمجتهد يخطى ويصيب، والبيان يحوز تأخيره إلى وقت الحاجة، ولا

يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.

قوله: " فأنزلت آية التيمم " وهي قوله تعالى: (فَلَم (1) تَجدُوا مَاءً

فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طيِّباً) (2) ، وكان ذلك في غزوة بني المصطلق، وَهي في

السنة السادسَة من الهجرة.

(1) في الأصل: " فإن لم ".

(2)

سورة النساء: (43)، والمائدة:(6) .

ص: 116

قوله: " زاد ابن نفيل " هو عبد الله بن محمد بن نفيل، شيخ أبي داود،

وقد ذكرناه.

قوله: " ما نزل بك " من قولهم: نزل به أمر إذا أصابه شيء يكرهه،

ومنه النازلة وهي الشديدة من شدائد الدهر.

قوله: " تكرهينه " في محل الرفع على أنها صفة للأمر. والحديث

أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.

302-

ص- حدَثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عبد الله بن وهب قال:

أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدَثه، عن

عمار بن ياسر، أنه كان يحدث أنهم تَمسَّحُوا وهم مع رسولِ اللهِ بالصَعِيد

لصلاةِ الفجرِ، فضربوا با " كُفهمُ الصَعيدَ، ثم مَسَحُوا بوجوههِم مَسحةً

واحدةً، ثم عَادُوا فَضَرَبوا بأكفهمُ الصَعيدَ مرةً أخرى، فمسَحوا بأيديهِم

كُلَها إلى المناكبِ والآبَاطِ من بُطُونِ أيديهِم (1) .

ش- أحمد بن صالح المعروف بابن الطبري/ويونس بن يزيد الأيلي.

وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله الفقيه

الأعمى المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. سمع: ابن عباس، وابن

عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وأبا واقد الليثي، وعائشة

الصديقة، وغيرهم. روى عنه: عراك بن مالك، والزهري، وصالح

ابن كيسان، وغيرهم. قال أبو زرعة: مأمون ثقة إمام. وقال أحمد بن

عبد الله: تابعي ثقة، رجل صالح جامع للعلم، وهو معلم عمر بن

عبد العزيز. مات سنة تسع وتسعين. روى له الجماعة.

قوله: " بالصعيد " متعلق بقوله: " تمسحوا "، وقوله: " وهم مع

رسول الله " جملة حالية معترضة، و " الصعيد " فعيل، والمراد منه:

التراب هاهنا بالإجماع، وفي غيره هو جميع ما صعد على وجه الأرض،

(1) النسائي: كتاب الظهارة، باب: الاختلاف في كيفية التيمم (1/168) ، ابن

ماجه: كتاب الطهارة، باب: التيمم في ضربتين (571) .

ص: 117

وكذلك الذي في قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طيباً)، ومعنى طيباً:

طاهراً عند الأكثرين، وقيل: حلالاً. وقالَ الشافعي: الطيب المُنبت

الخالص، ولهذا لم يُجوز التيمم بغير التراب، وبه قال أحمد، وداود.

وقال مالك: يجوز بكل متصل بالأرض حتى الثلج والنبات. وعن بعض

الشافعية: لا يجوز إلا بتراب عذب صالح للحرث، وبه قال إسحاق.

وقال الأوزاعي والثوري: لا يجوز بالثلج وكل ما على الأرض. والأصح

ما قاله أصحابنا أنه يجوز بالتراب وبكل ما كان من جنس الأرض؛ لأن

الصعيد: وجه الأرض لغة بالإجماع، والطيب: الطاهر لغة.

فوله: " إلى المناكب والآباط " المناكب: جمع منكب، وهو مجمع

عظم العضد والكتف، والآباط- بمد الهمزة المفتوحة- جمع إِبط- بكسر

الهمزة- وفُهِم من هذا الحديث مسألتان:

الأولى: أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للذراعين.

والثانية: أن ضربة الذراعين إلى المناكب والآباط. أما الأولى فهي

مذهبنا ومذهب الأكثرين، وهو قول الشافعي، ومالك، والثوري، وإليه

ذهب عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، والحسن البصري،

والشعبي، وسالم بن عبد الله بن عمر. وذهبت طائفة إلى أن الواجب

ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو مذهب عطاء، ومكحول،

والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وعامة أصحاب الحديث.

وعن ابن سيرين لا يجزئه أقل من ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة

ثانية لكفيه، وثالثة لذراعيه.

وأما الثانية: فقد أخذ الزهري بظاهر هذا الحديث، أنه يجب مسح

اليدين إلى الإبطين. والجواب عن هذا أنهم أجروا اسم اليد على ظاهر

الاسم؛ لأن اليد لغة من رؤوس الأنامل إلى الإبط، ولم يكن عندهم

دليل الخصوص، فاجرَوا الحكم على ظاهره، ولكن قام دليل الإجماع

في إسقاط ما وراء المرفقين فسقط، وما دونهما بقي على الأصل لاقتضاء

الاسم إياه، ويؤيده أن التيمم بدل من الوضوء، والبدل لا يخالف المبدل.

ص: 118

وفي هذا الحديث حجة لمَن ذهب إلى إدخال الذراعين والمرفقين في

التيمم، وهو قول ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، والشعبي، وإليه

ذهب أبو حنيفة، والثوري، وهو قول مالك، والشافعي. وعن مالك:

التيمم إلى الكوعين، وهو قول الشافعي في القديم، وأحمد في رواية.

ورُوي عن مالك: أنه من الجنابة إلى الكوعين، ومن الحدث الأصغر إلى

المنكبين.

وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً وهو منقطع، فإن عبيد الله بن

عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر، كذا قال الشيخ زكي الدين.

قلت: وقد أخرجه النسائي، وابن ماجه من حديث عبيد الله بن عبد الله

ابن عتبة، عن أبيه، عن عمار موصولاً، ورواه أيضاً أبو داود من حديث

الزهري: حدَّثني عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار أتم

منه كما يجيء الآن.

303-

ص- حدَّثنا سليمان بن داود المهري، وعبد الملك بن شُعيب،

عن ابن وهب نحو هذا الحديث. قال: قامَ المسلِمونَ فضَرَبُوا بأكُفهمُ

الترابَ، ولم يَقبضُوا من الترابِ شيئاً، فذكر نحوه، ولم يذكر المناكبَ

والآبَاطَ. فال ابنَ الليث: إلى ما فوقَ المِرفَقين (1) .

ش- سليمان بن داود بن حماد بن سعد المهري أبو الربيع المصري.

روى عن: ابن وهب، وإدريس بن يحيى الخولاني. روى عنه:

أبو داود، والنسائي، وزكريا بن يحيى الساجي، وغيرهم. قال

/النسائي: ثقة. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين.

وعبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، وقد ذكرناه.

قوله: " فذكر نحوه " أي: نحو الحديث المذكور.

قوله: " فال ابن الليث " هو عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد،

(1) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في السبب (565) .

ص: 119

وروايته تدل على أن المرفقين يدخلان في التيمم كما في الوضوء، وفيه

خلاف زفر (1) .

304-

ص- ثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، ومحمد بن يحيى

النيسابوري في آخرين قالوا: نا يعقوب قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن

شهاب قال: حدَّثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن

ياسر: أنَّ رسولَ اللهِ- عليه السلام عَرَسَ بألات (2) الجيش ومعه عائشةُ،

فانقطعَ عقدٌ لها من جَزع ظَفارِ، فحبسَ الناسَ ابتغاءَ عقدهَا ذلك حتى أضاءَ

الفجر ولَيس مع الناسِ ماء، فَتَغَيَّظَ عليها أبو بكر وَقالَ: حَبَست الناسَ

وليس معهم ماء، فأنزلَ اللهُ على رسوله رُخصَةَ التًطَهرِ بالصعيد الَطَّيب،

فقامَ المُسلمونَ مع رسول الله فضَربُوا بأَيَديهِم إلى الأرض، ثم رَفَعُوا (3)

ولم يَقبضُوا من التراب شَيئاً، فمسحوا بها وجوهَهُم وأيديَهُم إلى المناكب،

ومن بُطونِ أيديهِم إلى الآباط (4) .

ش- محمد بن أحمد بن أبي خلف السلمي، ومحمد بن يحيى بن

عبد الله أبو عبد الله الذهلي النيسابوري الإمام.

ويعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف

أبو يوسف القرشي الزهري المدني، سكن بغداد. سمع: عاصم بن

محمد، ومحمد بن عبد الله بن أخي الزهري، وشعبة، والليث بن

سعد، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، وابن

المديني، وأبو خيثمة، وجماعة آخرون. قال ابن سعد: كان ثقة مأموناً.

توفي بفم الصح في شوال سنة ثمان ومائتين (5) .

وأبوه إبراهيم بن سعد قد ذكرناه

(1) كذا، والجادة " ذكر ".

(2)

في سنن أبي داود ومعجم البلدان (1/372) : " بأولات ".

(3)

في سنن أبي داود: " رفعوا أيديهم ".

(4)

النسائي: كتاب الطهارة، باب: التيمم في السفر (1/167) -

(5)

انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7082) .

ص: 120

وصالح بن كيسان أبو محمد الغفاري، مولاهم المدني، رأى عبد الله

ابن عمر، وابن الزبير. وقال ابن معين: سمع منهما. وسمع:

عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن

عمر، والزهري، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن دينار، ومالك بن

أنس، وابن عجلان، وابن عيينة، وجماعة آخرون 0 قال ابن معين

هو ثقة. قال الحاكم: مات صالح وهو ابن مائة سنة ونيف وستين سنة،

وكان قد لقي جماعة من أصحاب رسول الله، ثم بعد ذلك تَلمذ على

الزهري، وتلقن عنه العلم وهو ابن تسعين سنة، ابتدأ بالتعليم وهو ابن

تسعين. روى له الجماعة (1) .

قوله: " عَرَّسَ بألات الجيش " عرس- بتشديد الراء- من التعريس وهو

النزول في آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة، يقال فيه: عرس، يعرس،

تعريساً 0 ويقال فيه: أعرس. والمعرس: موضع التعريس، وبه سمي

معرس ذي الحليفة عرس به النبي- عليه السلام وصلى فيه الصبح، ثم

رحل، وألات الجيش، ويقال: ذات الجيش- بفتح الجيم، وسكون

الياء آخر الحروف، وبشين معجمة- واد قرب المدينة بين ذي الحليفة

وبرثان، وهو أحد مراحل النبي- عليه السلام إلى بدر، وأحدُ مراحل

منصرفه- عليه السلام من غزوة بني المصطلق، وقال في " المطالع ":

ذات الجيش على بريد من المدينة.

قوله: " عقد لها " العِقد- بكسر العين، وسكون القاف-: القلادة.

قوله: " من جزع ظفار ": بإضافة الجزع إلى الظفار إضافة النسبة،

الجزع- بفتح الجيم، وسكون الزاي، وبعدها عين مهملة- خرز يماني

ملون، وظفار- بفتح الظاء المعجمة والفاء-: مدينة باليمن لحمير،

وهي مبنية على الكسر كحذامِ، وقطامِ. وقال بعضهم: سبيلها سبيل

المؤنث لا ينصرف ويرفع وينصب، وَرواه بعضهم:" من جزع أظفَار "،

(1) المصدر السابق (13/2834) .

ص: 121

وأراد العطر المعروف، كأنه يؤخذ ويثقب ويجعل في العقد والقلادة،

والصحيح في الرواية: " من جزع ظفار " بالإضافة.

قوله: " فحبس الناس ابتغاء " أي: طلب عقدها، وهو مرفوع بالفاعلية،

و" الناس " منصوب مفعوله.

قوله: " وليس مع الناس ماء " الواو فيه للحال.

/قوله: " فتغيظ عليها " أي: على عائشة أبوها أبو بكر.

قوله: " ولم يقبضوا من التراب شيئاً " إشارة إلى أن التراب لا يستعمل

مثل الماء، بل مجرد إلصاقه باليد كاف؛ لأنه مَسح، بخلاف الوضوء

لأنه غسل ومسح.

وأخرج البخاري، ومسلم، والنسائي حديث عائشة في انقطاع العقد،

وليس فيه كيفية التيمم.

ص- زاد ابن يحيى في حديثه: قال ابنُ شهاب في حديثه: ولا يعتبر

بهذا الناس.

ش- أي: زاد محمد بن يحيى المذكور في حديثه: قال ابن شهاب

الزهري في حديثه.

قوله: " ولا يعتبر بهذا الناس " مقول قول ابن شهاب، و " الناس "

مرفوع على أنه فاعل " لا يعتبر "، وهذا إشارة إلى تيممهم بضربة

واحدة، وقد قيل: هذا إشارة إلى مسحهم أيديهم إلى المناكب.

وقال الخطابي: لم يختلف أحد من أهل العلم في أنه لا يلزم المتيمم أن

يمسح بالتراب ما وراء المرفقين.

قلت: فيه نظر، فقد ذكر ابن المنذر، والطحاوي، وغيرهما، عن

الزهري أنه كان يرى التيمم إلى الآباط كما ذكرنا.

ص- قال أبو داود: كذلك رواه ابن إسحاق، قال فيه: عن ابن عباس.

ص: 122

وذكر ضربتين كما ذكره يونسُ، ورواه معمر (1) ضربتين، قال مالك، عن

الزهري، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار، وكذلك قال أبو أويس، عن

الزهري، وشك فيه ابنُ عيينةَ قال مرة: عن عبيد الله، عن أبيه، أو (2)

عبيد الله، عن ابن عباس، اضطرب فيه. قال مرة عن أبيه، وقال مرة عن ابن

عباس. واضطرب فيه ابن عيينة وفي سماعه من الزهري، ولم يذكر أحد

منهم في هذا الحديثِ: " ضربتين " غير سفيان (3) .

ش- أي: محمد بن إسحاق.

قوله: " قال فيه " أي: في الحديث عن ابن عباس وذكر ضربتين، كما

ذكره يونس بن يزيد، عن ابن شهاب في الحديث المتقدم، وحديث ابن

إسحاق عن ابن عباس أخرجه البزار في " مسنده " من طريق: ابن

إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن

عباس، عن عمار قال: كنت في القوم حين نزلت الرخصة في المسح

بالتراب إذا لم نجد الماء، فأمرنا فضرينا واحدة للوجه، ثم ضربة أخرى

لليدين إلى المرفقين.

قوله: " ورواه معمر ضربتين " أي: روى هذا الحديث معمر بن راشد

عن الزهري " ضربتين ".

قوله: " وكذلك قال أبو أويس " أي: كذلك روى أبو أويس " ضربتين "

عن الزهري. وقال: عبيد الله، عن أبيه، عن عمار. واسم أبي أويس

عبد الله، وهو ابن عم مالك بن أنس.

قوله: " وشك فيه ابن عيينة " أي: سفيان بن عيينة. والحاصل أنه قال

مرة: عن عبيد الله، عن أبيه. ومرة قال: عن أبيه. ومرة قال: عن

ابن عباس. وهذا اضطراب كما ترى، واضطرب أيضاً في سماعه عن

(1) في سنن أبي داود: " ورواه معمر عن الزهري ".

(2)

في سنن أبي داود: " أو عن ".

(3)

في سنن أبي داود: " إلا من سميت "، وسيذكر المصنف أنها نسخة.

ص: 123

الزهري، ولم يذكر أحد منهم في هذا الحديث ضربتين غير سفيان بن

عيينة، وفي بعض النسخ:" إلا من سميت " وهم: ابن إسحاق،

ويونس، ومعمر، وأبو أويس. وأصله إلا من سميتهم، فحذف المفعول

اتساعاً. وقد يقال: إن حديث عمار لا يخ (1) إما أن يكون عن أمر النبي

عليه السلام، أو لا. فإن لم يكن عن أمره فقد صح عن النبي

عليه السلام خلاف هذا، ولا حجة لأحد مع كلام النبي- عليه

السلام- والحق أحق أن يتبع، وإن كان عن أمر النبي- عليه السلام فهو

منسوخ وناسخه حديث عمار أيضاً. وقد يقال: إن عماراً قد حكى فيه

فعلهم دون النبي- عليه السلام كما حكى في الآخر أنه أجنب فعلمه

عليه السلام.

305-

ص- حدَّثنا محمد بن سليمان الأنباري قال: نا أبو معاوية

الضرير، عن الأعمش، عن شقيق قال: كنتُ جالساً بين يدي (2) عبد الله

وأبي موسى فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، أرأيتَ لو أن رجلاً أجَنبَ

فلم يجد الماءَ شهراً، أما كان يَتَيممُ؟ فقال: لا، دان لم يجد الماءَ شَهراً،

فقال أبوَ موسى: فكيف تَصنَعُونَ بهذه الآية التي في سُورة الماَئدةِ: (فَلَم

تَجدُوا مَاءً فَتَيَمَمُوا صَعيداً طيِّباً) (3) ؟ فقاَل عبدُ الله: لوَ رُخَصَ لهم في

هذَا لأوشكُوا إذا بَرَدَ علَيهم الماءُ أن يتيمَّمُوا بالصعيدِ، فقال له أبو موسى:

فإنما كَرِهتُم هذا لذا (4) ؟ قال: نعم. فقال له أبو موسى: ألم تسمَعُوا (5)

قولَ عمار لعُمرَ: بعثني رسولُ الله في حاجة، فأجنبتُ فلم أجد الماءَ،

فَتمرغتُ فًي الصعيد كما تَتَمرغُ الدابَّةُ، ثم أتيتُ رسولَ اللهِ فذكرتُ ذَلك له

فقال: " إنما كان يكَفِيكَ / أن تصنعَ هكَذا " فضربَ بيديه على الأرضِ

فنفضها (6) ، ثم ضربَ بشِمَالِهِ على يمِينِه، وبيمِينِه على شِمَالِهِ على

(1) كذا، ولعلها بمعنى:" لا يخرج ".

(2)

غير موجود في سنن أبي داود.

(3)

الآية (6) .

(4)

في سنن أبي داود: " وإنما

لهذا ".

(5)

في سنن أبي داود: " تسمع ".

(6)

في سنن أبي داود: " فنفضها "

ص: 124

الكَفَّين، ثم مَسَحَ وجهَهُ. فقال له عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقولِ

عمار (1) ؟

ش- عبد الله هو ابن مسعود، وأبو موسى الأشعري.

قو له: " أرأيت " بمعنى: أخبرني.

قوله: " أما كان ": بفتح الهمزة وتخفيف الميم، وقد ذكرنا أنه يستعمل

في الكلام على وجهين: أحدهما: أن يكون حرف استفتاح بمنزلة " ألا "

ويكثر قبل القسم. والثاني: أن يكون بمعنى حقا.

قوله: " لأوشكوا " معنى أوشك: قرب وأسرع، وقد زعم بعض أهل

اللغة أنه لا يقال: " أوشك "، وإنما تستعمل مضارعاً، فيقال:" يوشك "

وليس كذلك؛ بل يقال: " أوشك "، وهذا من أفعال المقاربة، وهو ما

وضع لدنو الخبر رجاء أو حصولاً، وفي الحقيقة من النواقص لأنها لتقرير

الفاعل على صفة على سبيل المقاربة، ولا تستعمل أفعال المقاربة إلا بلفظ

الماضي إلا كاد وأوشك، فإنه قد جاء مضارعهما بهذا المعنى، ويجيء من

أوشك اسم الفاعل ولكنه شاذ.

قوله: " إذا بَرَد عليهم الماء " بفتح الباء والراء، وقال الجوهري: بضم

الراء. والمشهور الفتح.

قوله: " فأجنبت " أي: صرت جنباً.

قوله: " فتمرغت في الصعيد " أي: في التراب. قال الجوهري:

مرغته في التراب تمريغاً فتمرغ، أي: معكته فتمعك، والموضع: متمرغّ.

قوله: " فنفضهما " أي: نفض اليدين. وفيه دليل لأبي حنيفة، حيث

جوز التيمم من الصخرة التي لا غبار عليها: لأنه لو كان معتبراَ لم ينفض

(1) البخاري: كتاب التيمم، باب: التيمم للوجه والكفين (339)، مسلم:

كتاب الحيض، باب: التيمم (368)، النسائي: كتاب الطهارة، باب:

نوع آخر من التيمم (1/168) .

ص: 125

اليد، وفي الحديث دليل أيضا لمن يقول: تكفي ضربة واحدة للوجه

والكفين جميعاً، والجواب عن هذا أن المراد هنا صورة الضرب للتعليم،

وليس المراد بيان جميع ما يحصل به التيمم، وقد أوجب الله غسل اليدين

إلى المرفقين في الوضوء، ثم قال تعالى في التيمم: (فَامسَحُوا

بوُجُوهِكُم وَأيديكُم) (1) ، والظاهر أن اليد المطلقة هنا هي المقيدة في

الوضوء في أولَ الآية، فلا يترك هذا الظاهر إلا بصريح، والله أعلم.

والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.

306-

ص- حدَّثنا محمد بن كثير العَبدي قال: نا سفيان، عن سلمة

ابن كهيل، عن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزي قال: كُنتُ عندَ عُمرَ

فجاءَه رجل فقال: إنا نكونُ بالمكان الشهرَ أو الشهرينِ، فقال عمرُ: أمّا أنا

فلم كن أصلي حتى أجدَ الماءَ، قالَ: فقال عمارٌ: يا أميرَ المؤمنين، أمَا تذكرُ

إذ كُنتُ أنا وأنتَ في الإبلِ فَأصَابتنا جَنَابَةٌ، فأمَا أنا فَتَمَعكتُ، فأتينا النبي

عليه السلام فذكرت ذلك له فقال: إنما كان يكفيكَ أن تقولَ هكذا "،

وضرب بيديه إلى الأرض، ثم نَفخَهما، ثم مَسحَ بهما وجهَه ويديه إلى

نصفِ الذِّراع؟ فقال عمر: يا عمارُ، اتقِ اللهَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن

شئتَ والله لم أذكره أبداً، فقال عمرُ: كلا والله، لَنُوَلّينكَ من ذلك ما

تَولَيتَ (2) .

ش- سفيان الثوري.

وسلمة بن كهيل بن حصين بن نمازح بن أسد الكوفي، أبو يحيى

(1) سورة النساء: (43)، وسورة المائدة:(6) .

(2)

البخاري: كتاب التيمم، باب: هل ينفخ فيهما؟ (338)، مسلم: كتاب

الحيض، باب: التيمم (112/368)، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما

جاء في التيمم (144)، النسائي: كتاب الطهارة، باب: التيمم في الحضر

(1/165)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التيمم ضربة

واحدة (569) .

ص: 126

الحضرمي التَنعِيُ (1) ، والتنعيون (1) منسوبون إلى تنعة بطن من حضرموت،

دخل على ابن عمر، وزيد بن أرقم. وسمع: جندب بن عبد الله،

وأبا جحيفة، وأبا الطفيل عامر بن واثلة، وعبد الرحمن بن يزيد

النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وجماعة آخرين. روى عنه: الأعمش،

والثوري، ومسعر، وشعبة، وغيرهم 0 قال أحمد بن حنبل: متقن.

وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون. توفي

سنة إحدى وعشرين ومائة. روى له الجماعة.

وأبو مالك اسمه: حبيب بن صهبان، روى عن: عمار بن ياسر.

روى عنه: حصين، والأعمش، وغيرهما. وهو المراد هاهنا لأن ثمة

أبو مالك آخر اسمه غزوان الغفاري الكوفي. روى عن: عمار بن ياسر،

وابن عباس، والبراء بن عازب، وعبد الرحمن بن أبزى. روى عنه:

السُّدي، وسلمة بن كهيل، وحصن بن عبد الرحمن. قال ابن معين:

كوفي ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي.

وعبد الرحمن بن أبزى- بفتح الهمزة، وسكون الباء الموحدة،

وبعدها زاي، ثم ياء ساكنة- الخزاعي، مولى نافع بن الحارث، سكن

الكوفة، واستعمل على خراسان/. رُوي له عن رسول الله- عليه

السلام- اثنا عشر حديثاً، رويا له عن عمار بن ياسر، روى عنه: ابناه

سعيد وعبد الله، وغيرهما. روى له الجماعة إلا الترمذي.

قوله: " الشهر " نصب على الظرف. والفرق بين قولك: سرت الشهر

وسرت شهراَ، أن المعرف يدل على التعميم بخلاف المنكر فافهم.

قوله: " فتمعكت " أي: تمرغت.

قوله: " أن تقول هكذا " أي: تفعل هكذا، وقد ذكرنا أن معنى القول

يستعمل في معاني مختلفة من الأفعال.

قوله: " إلى نصف الذراع " فيه حجة لمالك، حيث يقول: إن التيمم

(1) في الأصل: " البيعي، والبيعيون " خطأ، وانظر الأنساب واللباب لابن الأثير.

ص: 127

إلى الكوعين، والجواب عنه: أن هذا صورة الضرب للتعليم، وليس فيه

جميع ما يحصل به التيمم كما ذكرنا في الحديث الماضي.

قوله: " اتق الله " يعني: خف الله، ومعنى هذا الكلام: اتق الله فيما

ترويه، وتثبت، فلعلك نسيت أو اشتبه عليك الأمر.

قوله: " إن شئت والله لم أذكره أبدا " معناه: إن رأيت المصلحة في

إمساكي عن التحدث به راجحة على مصلحة تحدثي أمسكت، فإن طاعتك

واجبة عليَّ في غير مَعصية. ويحتمل أنه أراد: إن شئت لم أحدث به

تحديثاً شائعاً بحيث يشتهر في الناس، بل لا أحدث به إلا نادراً.

قوله: " كلا والله "" كلا " ردع وزجر وتنبيه على الخطإ، ومنه قوله

تعالى: (كلا) بعد قوله: (إِذَا مَا ابتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيه رزقَهُ فَيَقُولُ رَبّ (1)

أهانني (2)) ، ويجيء بمعنى حقا، ومنه قوله تعالىَ. (كَلا إِنَ الإِنسَانَ

لَيَطغَى) (3) ، وفي قصة عمار- رضي الله عنه جواز الاجتهاد في زمن

النبي- عليه السلام فإن عماراَ- رضي الله عنه اجتهد في صفة

التيمم، وقد اختلف الأصوليون فيه، قيل: يجوز الاجتهاد في زمنه

بحضرته وغير حضرته، وقيل: لا يجوز أصلَا، وقيل: يجوز في غير

حضرته ولا يجوز في حضرته. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم،

والترمذي، والنسائي، وابن ماجه مختصراَ ومطولاً.

307-

ص- حدَثنا محمد بن العلاء قال: نا حفص قال: نا الأعمش،

عن سلمة بن كهيل، عن ابن أبزى، عن عمار بنِ يسار في هذا الحديث

فقال: " يا عَمارُ، إنما كانَ يكفيكَ هكذا "، ثم ضربَ بيديه الأرضَ، ثم

(1) كذا بحذف الياء، ولم اعثر لها على قراءة، فالله أعلم.

(2)

كذا قرأها نافع في رواية قالون، والمسيبي وأبي بكر بن أبي أويس وأخيه،

وإسماعيل بن جعفر، وأبي قرة، وأبي خليد، ويعقوب بن جعفر،

وخارجة وورش عن نافع في الوصل. وانظر السبعة (684 - 685) .

(3)

سورة العلق: (6) .

ص: 128

ضربَ إحداهُمَا على الأخرى، ثم مَسَحَ وجهَه والذِّرَاعينِ إلى نِصفِ

الساعدِ (1) ، ولم يبلغ المِرفَقينِ ضربةً واحدةً (2) .

ش- حفص بن غياث الكوفي. ويمكن أن يكون هذا الحديث حجة

للحسن بن زياد في روايته عن أبي حنيفة عدم اشتراط الاستيعاب في

التيمم، وحجة لمن رأى أن التيمم ضربة واحدة.

ص- قال أبو داود: رواه وكيع، عن الأعمش، عن سلمةَ بن كهيل، عن

عبد الرحمن بن أبزى.

ش- أي: روى هذا الحديث وكيع بن الجراح.

ص- ورواه جرير، عن الأعمش، عن سلمة، عن سعيد بن عبد الرحمن

ابن أبزى، عن أبيه.

ش- أي: رواه جرير بن عبد الحميد، عن سليمان الأعمش، عن

سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن الخزاعي مولاهم الكوفي.

روى عن أبيه، روى عنه: الحكم بن عُتَيبة، وذر بن عبد الله الهمداني،

وجعفر بن المغيرة، وغيرهم. روى له الجماعة.

308 -

ص- حدثَّنا محمد بن بشار قال: نا محمد بن جعفر قال: نا

شعبة، عن سلمة، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن

عمار بهذه القصةِ فقال: " إنما كان يكفيكَ "، وضَربَ النبي- عليه السلام

(1) في سنن أبي داود: " الساعدين ".

(2)

البخاري: كتاب التيمم، باب: هل ينفخ فيهما (338)، مسلم: كتاب

الحيض، باب: التيمم (113/368)، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما

جاء في التيمم (114)، النسائي: كتاب الطهارة، باب: التيمم في الحضر

(1/165)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التيمم ضربة

واحدة (569) .

9* شرح سنن أبي داوود 2

ص: 129

- بيده إلى الأرضِ، ثم نَفَخَ فيها (1) ، ومَسَحَ بها وجهَهُ وكَفيه، شك سلمةُ

قال: َ لا أدرِي فيه " إلى المِرفقينِ " أو " إلى الكَفينِ "(2) .

ش- ذر- بالذال المعجمة- ابن عبد الله بن زرارة المُرهبِي الهمداني

أبو عمر. روى عن: سعيد بن جبير، وعبد الله بن شداد، ويُسَيع،

ووائل بن مُهانة، وسعيد بن عبد الرحمن. روى عنه: سلمة بن كهيل،

والأعمش، وابنه عمر بن ذر، والحكم. قال ابن حنبل: ما بحديثه

بأس. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. روى له

الجماعة (3) .

قوله: " بيده إلى الأرض "، وفي رواية:" يده " بدون الباء.

309-

ص- نا علي بن سهل الرملي قال: نا حجاج قال: نا شعبة

بإسناده بهذا الحديث./قال: ثم نَفَخَ فيها ومَسَحَ بها وجهَهُ وكفيهِ إلى

المِر فَقَينِ أو (4) الذِّراعًينِ " (5) .

ش- علي بن سَهل بن قادم الرملي. روى عن: الوليد، ومروان بن

معاوية، وحجاج، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وابن أبي حاتم.

قال النسائي: ثقة، نَسائي، سكنَ الرملة (6) .

وحجاج هو ابن محمد الأعور، وقد ذكرناه.

قوله: " ثم نفخ فيها " أي: في يده.

ص- قال شعبةُ: كان سَلَمَةُ يقولُ: الكفين والوَجهَ والذراعَين، فقال له

منصور ذاتَ يومٍ: انظرُ ما تقولُ! فإنه لا يذكر الذراعينِ غيرُكَ (7) .

ش- سلمة بن كهيل المذكور، ومنصور هو ابن المعتمر شيخ شعبة.

(1) في سنن أبي داود: " فيهما ".

(2)

انظر الحديث السابق.

(3)

انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/1813)

(4)

في سنن أبي داود: " أو إلى ".

(5)

انظر الحديث السابق.

(6)

انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/ 4077) .

(7)

انظر الحديث السابق.

ص: 130

310-

ص- نا مسدد قال: نا يحيى، عن شعبة قال: حدَّثني الحكم، عن

ذرٍّ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار في هذا الحديث

قال: فقال- يعني: النبيَ- عليه السلام: " إنما كان يكفيكَ أن تَضربَ

بيدَيكَ إلى الأرضِ، فَتَمسحَ بهما وجهَكَ وكفَيكَ "، وساق الحديثَ (1) .

ش- يحيى القطان، والحكم بن عُتَيبة.

قوله: " قال: فقال " الضمير الذي في " قال " الثاني يرجع إلى الرسول

عليه السلام ولذلك فسره بقوله: " يعني النبي- عليه السلام "،

وفيه حجة لمن يرى أن التيمم ضربة واحدة، ولمن يرى أنه إلى الكوعين،

وقد أجبنا عن ذلك.

ص- قال أبو داود: ورواه شعبةُ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالك قال:

سمعتُ عماراً يخطُبُ بمثلِهِ إلا أنه [قال:](2) لم يَنفُخ ".

ش- حُصَين بن عبد الرحمن الكوفي، وأبو مالك غزوان الكوفي،

وقد ذُكرا.

قوله: " يخطب " من الخُطبة- بضم الخاء- بمعنى: يقول أو يخاطب،

وأما الذي في الخِطبة- بكسر الخاء- فهو من باب النكاح.

ص- وذكر حُسَينُ بنُ محمد، عن شعبةَ، عن الحكم في هذا الحديث

قال: " (3) ضَرَبَ بكفيهِ إلى الأرضً ونَفَخَ ".

ش- الحسين بن محمد

(4) ، والحكم بن عتيبة.

قو له: " ونفخ " أي: فيهما.

311-

ص- نا محمد بن المنهال، نا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن

قتادة، عن عَزرةَ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار

(1) انظر الحديث السابق.

(2)

زيادة من سنن أبي داود.

(3)

في النسخة الهندية: " فضرب بكفيه الأرض ".

(4)

بياض في الأصل قدر سطر ونصف.

ص: 131

ابن ياسر قال: سألت النبيَّ- عليه السلام عن التيمُم؟ فأمَرَني ضَربةً

واحدةً بالوجهِ والكفينِ (1) .

ش- محمد بن المنهال أبو جعفر، ويقال: أبو عبد الله الضرير

البصري. سمع: يزيد بن زريع. روى عنه: البخاري، ومسلم،

وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله

العجلي: هو بصري ثقة، ولم يكن له كتاب، قلت له: لك كتاب؟

قال: كتابي صدري. توفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين (2) .

ويزيد بن زريع البصري، وسعيد بن إياس أبو مسعود الجُريري، وقتادة

ابن دعامة.

وعَزرة- بفتح العين وسكون الزاي، وفتح الراء- ابن عبد الرحمن

الخزاعي الكوفي. روى عن: الشعبي، وابن أبزى، وسعيد بن جبير،

وغيرهم. روى عنه: سليمان التيمي، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند،

وقتادة. قال أحمد وابن المديني: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (3) .

312-

ص- ثنا موسى بن إسماعيل قال: نا أبان قال: سُئِلَ قتادةُ عن

التيمُّم في السَّفَرِ فقال: حدثني محدّثٌ عن الشعبي، عن عبد الرحمنِ بن

أبزى، عن عمارِ بنِ ياسرٍ، أن رسولَ اللهِ قال:" إلى المِرفَقينِ "(4) .

ش- أبان بن يزيد العطار. وفي هذه الرواية رجل مجهول.

313-

ص- نا (5) عبد الملك بن شُعيب بن الليث قال: حدَثني أبي،

(1) انظر الحديث السابق.

(2)

انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5633) .

(3)

انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/3920) .

(4)

تفرد به أبو داود.

(5)

ذكر هذا الحديث والأحاديث بعده في سنن أبي داود تحت: " باب التيمم في

الحضر ".

ص: 132

عن جدّي، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هُرمز، عن عُمير

مولى ابن عباس، أنه سمعَهُ يقولُ: أقبلتُ أنا وعبدُ الله بن يسارِ مولى ميمونةَ

زوجِ النبيَ- عليه السلام حتى دخلنَا على أبي اَلجُهيم بنِ الحارث بنِ

الصِّمَّةِ الأنصاري، فقال أبو الجُهيم بنُ الحارث بن الصِّمَّة: أقبلَ رسولُ اللهِ

مِن نَحوِ بئرِ جملِ فلَقِيَهُ رجلٌ فسلَّمَ عليه، فلمَ يرد رسولُ الله (1) حتى أتى

على جَدارِ، فمسحَ بوجهِهِ ويدَيهِ، ثم رَدَ عليه السلام (2) .

ش- عبد الملك بن شعيب قد ذكرناه.

وأبوه شعيب بن الليث أبو عبد الملك الفَهمي مولاهم. روى عن:

أبيه، روى عنه! ابنه عبد الملك، ويحيى بن عبد الله بن بكير، ويونس

ابن عبد الأعلى/، وغيرهم. قال الخطيب: كان ثقة. مات في صفر

سنة تسع وتسعين ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (3) .

وجدّه الليث بن سعد الإمام قد ذُكر، وجعفر بن ربيعة المصري ذُكر

أيضا، وكذلك عبد الرحمن بن هُرمز الأعرج.

وعُمَير مولى أم الفضل بنت الحارث امرأة العباس بن عبد المطلب

أبو عبد الله، ويقال: مولى ابنها عبد الله. روى عن: الفضل، وعبد الله

ابني العباس، ومولاته أم الفضل، وأبي جهيم بن الحارث بن الصِّمَّة

الأنصاري. روى عنه: سالم أبو النضر، وعبد الرحمن الأعرج،

وإسماعيل بن رجاء الزبيدي. توفي بالمدينة سنة أربع ومائة، وكان ثقة.

روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (4) .

وعبد الله بن يسار هذا هو الصحيح في حديث الليث، وقد وقع في

(1) في سنن أبي داود: " فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه السلام ".

(2)

البخاري: كتاب التيمم، باب: التيمم في الحضر إذا لم يحد الماء وخاف

فوات الصلاة (337)، مسلم تعليقاً: كتاب الحيض، باب: التيمم

(114/369)، النسائي: كتاب الطهارة، باب (194) .

(3)

انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2755) .

(4)

المصدر السابق (22/4517) .

ص: 133

أصول صحيح مسلم: " عبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة، (1) ،

وقال أبو علي الغساني وجميع المتكلمين على أسانيد مسلم: " قوله

عبد الرحمن " خطأ صريح، وصوابه: " عبد الله بن يسار "، وهكذا

رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي. قال القاضي عياض: ووقع في

روايتنا " صحيح مسلم " من طريق السمرقندي، عن الفارسي، عن

الجُلودي: " عبد الله بن يسار " على الصواب، وهم أربعة إخوة:

عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الملك، وعطاء مولى ميمونة.

وأبو الجُهَيم- بضم الجيم، وفتح الهاء، وزيادة ياء- هذا هو المشهور

وفي " صحيح مسلم " بفتح الجيم وبعدها هاء ساكنة، وهو غلط،

والصواب ما ذكرناه. ومثله وقع في البخاري وغيره " (2) . واسمه:

عَبد الله بن الحارث بن الصَمَّة- بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم-

ابن حارثة بن الحارث بن زيد مناة بن حبيب بن حارثة الأنصاري الخزرجي

اتفقا له على حديثين. روى عنه: بُسر (3) بن سعيد، وعمير مولى ابن

عباس. روى له الجماعة (4) .

قوله: " من نحو بئر جمل " بفتح الجيم والميم، وفي رواية النَّسائي:

" بئر الجمل " بالألف واللام، وهو موضع بقرب المدينة فيه مال من أموالها.

قال الشيخ محيي الدين (5) : " وهذا الحديث محمول على أنه- عليه

السلام- كان عادماً للماء حال التيمم، فإن التيمم مع وجود الماء لا يحوز

للقادر على استعماله، ولا فرق بين أن يَضيقَ الوقتُ وبن أن يتسعَ؛ ولا

فرق بين صلاة الجنازة والعيدين وغيرهما ".

(1) انظر: شرح صحيح مسلم (4/63- 64) .

(2)

إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ".

(3)

في الأصل: " بشر " خطأ، وهو بسر بن سعيد مولى ابن الحضرمي، وهو

مترجم في تهذيب الكمال.

(4)

انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/36) ، وأسد الغابة

(6/59) ، والإصابة (4/36) .

(5)

شرح صحيح مسلم (4/64) .

ص: 134

قلت: الحديث مطلق، يُستفادُ منه جواز التيمم لأجل رد السلام ونحوه

وفي معناه صلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما، سواء وجد الماء أو لا،

ولا ضرورة إلى حمله على أنه كان عادماً للماء؛ لأنه تخصيص بلا

مخصص.

ويُستفاد من الحديث فوائد، الأولى: أن الرجل لا ينبغي أن يُسلم على

البائل، وكذا على قاضي الحاجة، فإن سَلَم عليه كُرِهَ رَدُه عليه.

الثانية: إذا فرغ من قضاء حاجته يرد عليه السلام، وأما تيممه- عليه

السلام- لرد السلام فإنه يمكن أن يكون قصد بذلك أن لا يذكر الله إلا

على طهر؛ لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى، ومعنى سلام عليك

رحمة سلام عليك، كذا قاله البعض. ويؤيد ما ذكرناه ما روي في

الحديث الذي يأني وقال: " إنه لم يمنعني أن أرد عليه السلام إلا أني لم

أكن على طهر "، فإذا جاز إقامة عبادة ما بالتيمم مع وجود الماء، جاز به

صلاة الجنازة أيضاً عند خوف الفوات؛ لأنها عبادة أيضاً، وكذا صلاة

العيد عند الخوف.

الثالثة: جواز التيمم بالجدار سواء كان عليه غبار أو لم يكن، لإطلاق

الحديث، وهو حجة لأبي حنيفة على مخالفيه.

الرابعة: فيه دليل على جواز التيمم للنوافل والفضائل: كسجدة التلاوة

والشكر، ومس المصحف ونحوها، كما يجوز للفرائض وهذا بالإجماع،

إلا وجه شاذ منكر للشافعية، أنه لا يجوز إلا للفريضة.

الخامسة: فيه دليل أن التيمم هو مسح الوجه واليدين بالتراب ونحوه.

فإن قيل: كيف تيمم بالجدار بغير إذن مالكه؟ فالجواب: أنه محمول

على أنه كان مباحاً أو مملوكاً لإنسان يَعرفه، فأدلَ عليه النبيُ- عليه السلام

وتيمم به، لعلمه بأنه لا يكره ذلك، بل كان يفرح به، ومثل هذا يحوز

لآحاد الناس، فالنبي- عليه السلام أولى وأجدر.

/والحديث أخرجه البخاري والنسائي، وأخرجه مسلم منقطعاً، وهو

ص: 135

أحد الأحاديث المنقطعة في " صحيحه "، وفيه أربعة عشر أو اثنى عشر

حديثاً منقطعة.

314-

ص- نا أحمد بن إبراهيم الموصلي، نا محمد بن ثابت العَبدي،

نا نافعٍ قال: انطلقت مع ابنِ عمرَ في حاجة إلى ابنِ عباسِ، فقضَى ابنُ عمرَ

حاجتهُ، وكان (1) مِن حديثِهِ يومئذ أن قالَ: مَرَ رجلٌ على رسول الله في

سكَّة مِن السكَك، وقد خرجَ من غائًط أو بَولٍ فَسلَمَ عليه، فلم يردَّ علَيه،

حَتىَ إذا كادَ الرجَلُ أن يَتوارَى في السكًّةِ، ضَرَبَ بيدَيهِ على الحائط، ومَسحَ

بها (2) وجهَهُ، ثم ضَربَ ضَربةَ أخرى، فمسحَ ذراعيه، ثم رد عَلَى الرجلِ

السَّلامَ وقال: " إنه لم يمنَعني أن أرُدَّ عليه السلام (3) إلا أّبي لم أكُن عَلَى

طُهرٍ (4) " (5) .

ش- أحمد بن إبراهيم بن خالد الموصلي أبو عليّ، سكن بغداد،

سمع: حماد بن زيد، وشريك بن عبد الله النخعي، وابن المبارك،

وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وأبو يعلى، وأبو زرعة

الرازي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل:

ليس به بأس، وقد كتب عنه، وكذا ابن معين. توفي سنة خمس

وثلاثين ومائتين ببغداد (6) .

ومحمد بن ثابت العبدي المصري أبو عبد الله. روى عن: نافع،

(1) في سنن أبي داود: " فكان ".

(2)

في سنن أبي داود: " بهما ".

(3)

في سنن أبي داود: " عليك السلام ".

(4)

زيد في سنن أبي داود بعد هذا: " قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل

يقول: روى محمد بن ثابت حديثاً منكراً في التيمم. قال ابن داسة: قال

أبو داود: لم يُتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على " ضربتين " عن النبي

صلى الله عليه وسلم، ورَوَوهُ فعل ابن عمر ".

مسلم: كتاب الحيض، باب: التيمم (115/370) .

انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/1) .

ص: 136

وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وغيرهم. روى عنه: ابن

البارك، ووكيع، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم. قال ابن معين:

ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ليس هو بالمتقن، يكتب حديثه. وقال

البخاري: يخالف في بعض حديثه 0 وقال النسائي: يروي عن نافع،

لبس بالقوي. روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) .

ونافع القرشي العدوي مولى ابن عمر- رضي الله عنهم.

قوله: " يومئذ " أصله: " يوم إذ كان كذا "، فحذف " كان كذا "،

وعوض عنها التنوين، وكذا " حينئذ "، و " ساعتئذ "، و " وقتئذ ".

قوله: " أن قال " في محل الرفع على أنه اسم " كان " وخبره مقدماً عليه

" من حديثه "، والتقدير: كان قوله: مرّ رجل

إلى آخره من حديثه

يومئذ.

قوله: " في سكة من السكك " أي: الطرق والأزقة، وأصلها النخل

المصطفة، ثم سميت الطرق بذلك لاصطفاف المنازل بجانبيها.

قوله: " أن يتوارى " أي: أن يغيب.

ويُستفادُ من هذا الحديث الفوائد التي ذكرناها في الحديث الذي قبله،

مع زيادة تنصيص على الضربتين. وقد أنكر البخاري على محمد بن ثابت

رفعَ هذا الحديث. وقال الخطابي (2) : " وحديث ابن عمر لا يصح؛

لأن محمد بن ثابت العَبدي ضعيف جدا، لا يحتج بحديثه ".

وقال البيهقي (3) : " ورفعه غير منكر، وفعل ابن عمر التيمم على

الوجه والذراعين والمرفقين شاهد بصحة رواية محمد بن ثابت، غير مناف

لها ".

قلت: أما أنه غير مناف فصحيح، وأما أنه شاهد ففيه نظر؛ لأنه لم

(1) المصدر السابق (24/5104) .

(2)

معالم السنن (1/86) .

(3)

" المعرفة " للبيهقي كما في نصب الراية (1/153) .

ص: 137

يوافق رواية ابن ثابت في رفع الذراعين، بل هذا هو علة من علل الرفع،

فكيف يكون المقتضي للتعليل وهو الوقف مقتضياً للتصحيح؟

وقال البيهقي أيضاً (1) : وهو- أي: محمد بن ثابت- في هذا

الحديث غير مستحق للنكير بالدلائل التي ذكرتها. ثم قال: وأثنى عليه

مسلم بن إبراهيم ورواه عنه. وأشار البيهقي بذلك أن مسلماً لما رواه عنه

قال: حدَّثنا محمد بن ثابت العَبدي، وكان صدوقاً، وصدقه لا يمنع أن

يُنكر عليه رفعه على وجه الغلط، لمخالفة غيره له على عادة كثير من أهل

الحديث أو أكثرهم.

315-

ص- نا جعفر بن مسافر، نا عبد الله بن يحيى البُرُلسي، أنا حيوة

ابن شريح، عن ابن الهاد، أن نافعاً حدَثه عن ابنِ عمرَ قال: " اقبلَ رسولُ

الله من الغائط فلقيَهُ رجلٌ عندَ بئرِ جَمَل، فسلَمَ عليهِ، فلم يَردَّ عليه رسولُ

اللهَ- عليه السلام حتى أقبلَ على الحائط، فوضَعَ يدَهُ على الحائط، ثم

مَسحَ وجهَه ويديه، ثم رَدَّ رسولُ اللهَ- عليه السلام علىَ الَرجلِ

السلامَ " (2) .

ش- جعفر بن مسافر التَنّيسي، أبو صالح الهذلي. سمع: يحيى بن

حسان التِّنِّيسي، وأيوب بن سويد الحميري الرملي، وعبد الله بن يزيد

المقرئ، وعبد الله بن يحيى البرلسي. روى عنه: أبو داود/، وابنه

عبد الله بن أبي داود، والنسائي، وقال: صالح، وابن ماجه،

وغيرهم. مات سنة أربعين ومائتين (3) .

وعبد الله بن يحيى المعافري المصري البرلسي- بضم الباء الموحدة والراء

واللام- قرية من سواحل مصر. روى عن: نافع بن يزيد، وحيوة بن

شريح، وسعيد بن أبي أيوب، وغيرهم. روى عنه: دُحَيم، وجعفر

(1) المصدر السابق.

(2)

تفرد به أبو داود.

(3)

انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/955) .

ص: 138