الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله: وهو غير عجل " جملة وقعت حالا عن الضمير الذي في " أذّن ".
429-
ص- نا ابن المثنى: نا محمد بن جعفر: نا شعبة، عن جامع بن
شداد قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة قال: سمعت. عبد الله بن
مَسعود قال: أقبلنَا معَ رسول اللهَ- عليه السلام من (1) الحديبية، فقال
النبيُّ- عليه السلام: " مَن يَكلَؤُنَا؟ " فقال بلالٌ: أنا، فَنَامُوا حتى طلعت
الشمسُ، فاستيقَظَ النبيُ- عليه السلام فقال:" افعَلُوا كما كُنتم تَفعلونَ ".
قال: ففعَلنَا، قال:" فكذلكَ فافعَلُوا لِمن نَامَ أو نَسِيَ "(2) .
ش- محمد: ابن المثنى، ومحمد بن جعفر المعروف بغندر، َ وجامع
ابن شداد: المحاربي الكوفي، وعبد الرحمن بن أبي علقمة، ويقال:
ابن علقمة الثقفي، قيل: له صُحبة، ذعر في الصحابة، وقال
أبو حاتم: ليست له صحبة.
قوله: " من الحُدَيبية " وفي بعض النسخ الصحيحة: " زمن الحُديبية "
والحُديبيَة: قرية قريبةٌ من مكة؛ سُمّيت ببئر هناك؛ وهي مخففة، وكثير
من الحدثين يشدِّدونها.
قوله: " مَن يكلؤنا " أي: من يَحرسنا، من كلأ يكلأ كِلاءةً؛ وقد مر
مرةً.
قوله: " أنا " أي: أنَا كلؤكم.
قوله: " كما كنتم تفعلون " من الطهارة والأذان والإقامة والصلاة.
قوله: " فكذلك " أي: مثل ما فعلتم افعلوا " لمن نام عن صلاة أو نسيها "
من غيركم؛ بمعنى: مُرُوهُم بذلك أو عَلِّموهُم. وروى البَيهقي بنحوه (3) .
***
11- بَاب: في بناء المَسجد
أي: هذا باب في بيان بناء المسجد. وَفي بعض النُّسخ: " باب ما
(1) في سنن أبي داود: " زمن "، وهي نسخة كما سيذكر المصنف.
(2)
النسائي في الكبرى: كتاب السير.
(3)
أخرجه البيهقي في كتاب " الأسماء والصفات "(ص/109) .
جاء في بناء المَسجد "؛ المَسجد في اللغة: موضع السجود؛ وفي
العُرف: البقعة المشهورة.
430-
ص-[حدثنا] محمد بن الصباح بن سفيان: أنا سفيان بن عُيينة،
عن سفيان الثوري، عن أبي فِزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أمرت بتَشييد المَسَاجد ". قال ابن عباس: لَتُزخرفُنَّها
كما زَخرَفَتِ اليهودُ والنصارى (1) .
ش- أبو فزارة: راشد بن كيسان الكوفي.
ويزيد بن الأصم؛ واسم الأصم: عَمرو، ويقال: عبد عمرو- بن
عُدَس بن مُعاوية بن عبادة، أبو عوف الكوفي، سكن الرقة، وهو ابن
أخت ميمونة زوج النبي- عليه السلام، وابن خالة ابن عباس، وقيل:
إن له رواية عن (2) النبي- عليه السلام. روى عن: سعد بن
أبي وقاص. وسمع: ابن عباس، وأبا هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان،
وعوف بن مالك، وخالته: ميمونة، وعائشة، وأم الدرداء، روى عنه:
ابنا أخيه: عبد الله وعبيد الله ابنا عبد الله، وميمون بن مهران، وجعفر
ابن برقان، وأبو فزارة، وغيرهم. قال أبو زرعة، وأحمد بن عبد الله:
هو ثقة. مات سنة ثلاث ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (3) .
قوله: " بتشييد المساجد " التشييد من شيد يُشيد، رفع البناء وتطويله،
ومنه (بُرُوجٍ مشَيََّدة)(4) وهي التي طوّل بناؤها.
قوله: " لتزخرفنها " - بضم الفاء وتشديد النون- أي: لَتُزيننّها؛
وأصل الزخرف: الذهب، يُريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه، ومنه
قولهم: زخرف الرجل كلامَه إذا موّهه وزيّنه بالباطل؛ والمعنى: أن
اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرّفوا وبذلوا، وتركوا العمل
(1) تفرد به أبو داود.
(2)
في الأصل: " من ".
(3)
انظر ترجمته في: أسد الغابة (5/477) ، الإصابة (3/672) .
(4)
سورة النساء: (78) .
بما في كتبهم، يقول: فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا
بالدين، وتركتم الإخلاص في العمل، وصار أمركم إلى المراءاة
بالمساجد، والمباهاة بتشييدها وتزيينها. وبهذا استدل/أصحابنا على أن
نقش المسجد وتزيينه مكروه. وقول بعض أصحابنا: ولا بأس بنقش
المسجد معناه: تركه أولى، ولا يحوز من مال الوقف، ويغرم الذي
يُخرجه سواء [كان] ناظرا أو غيره.
فإن قيل: ما وجه الكراهة إذا كان من نفس ماله؟ قلت: إما إشغال
المصلي به، أو إخراج المال في غير وجهه.
431-
ص- نا محمد بن عبد الله الخزاعي: نا حماد بن سلمة، عن
أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، وقتادة، عن أنس، أن النبي- عليه
السلام- قال: " لا تَقُومُ الساعةُ حتى يَتبَاهَى الناسُ في المَسَاجدِ "(1) .
ش- أيوب: السختياني. وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي
البصري.
قوله: " حتى يتباهى " أي: حتى يتفاخر الناس؛ من المباهاة، وهي
المفاخرة؛ والمعنى: أنهم يزخرفون المساجد ويزينونها ثم يقعدون فيها
ويتمارون ويتباهون، ولا يشتغلون بالذكر، وقراءة القرآن والصلاة.
والحديث: أخرجه النسائي وابن ماجه.
432-
ص- نا رجاء بن المرجَّى: نا أبو همام: نا سعيد بن السائب، عن
محمد بن عبد الله بن عياض، عن عثمان بن أبي العاص، أن النبيَّ- عليه
السلام- أمَرَهُ أن يَجعلَ مَسجدَ الطَائِفِ حيثُ كان طواغيتهم (2)(3) .
(1) النسائي: كتاب المساجد، باب: المباهاة في المساجد (2/31)، ابن ماجه:
كتاب المساجد والجماعات، باب: تشييد المساجد (739) .
(2)
في سنن أبي داود: " طواغيتهم ".
(3)
ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: أين يجوز بناء المساجد (743) .
ش- رجاء بن المرجى- بضم الميم وسكون الراء (1) - بن رافع،
أبو محمد أو أبو أحمد الحافظ المروزي. ويقال: السمرقندي، وهو ابن
أبي رجاء، سكن بغداد. سمع: شاذان بن عثمان، والنضر بن شميل،
والفضل بن دكين وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم الرازي، وأبو بكر بن
أبي الدنيا، وأبو داود، وابن ماجه. قال أبو حاتم: صدوق، وقال
الخطيب: كان ثقةً ثبتًا إماما في علم الحديث وحفظه والمعرفة به. مات
ببغداد غرة جمادى الأولى سنة تسع وأربعين ومائتين (2) .
وأبو همام: محمد بن محبب- بالحاء المهملة- الدلال البصري،
صاحب الرقيق. سمع: الثوري، وإبراهيم بن طهمان، وهشام بن
سَعد، وسعيد بن السائب وغيرهم. روى عنه: ابن بشائر، وابن المثنى،
والبخاريّ، وأبو داود، وابن ماجه. قال أبو حاتم: صالح صدوق
ثقة (3) .
وسعيد بن السائب الطائفي. روى عن: أبيه، ونوح بن صعصعة.
روى عنه: مَعن بن عيسى، ووكيع، وشعيب بن حَرب وغيرهم. قال
ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (4) .
ومحمد بن عبد الله بن عياض. روى عن: عثمان بن أبي العاص.
روى عنه: سعيد بن السائب الطائفي. روى له: أبو داود (5) .
وعثمان بن أبي العاص: ابن بشر بن عبد دهمان بن عبد همام بن
أبان، أبو عَبد الله، قدم على النبي- عليه السلام في وفد ثقيف،
واستعمله الني- عليه السلام على الطائف، ثم أقره أبو بكر وعمر
رضي الله عنهما. رُوِيَ له عن رسول الله- عليه السلام تسعة
(1) كذا، والمعروف: بفتح الراء وتشديد الجيم.
(2)
انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1897) .
(3)
المصدر السابق (26/5580)
(4)
المصدر السابق (10/2280) .
(5)
المصدر السابق (25/5367) .
أحاديث. روى له: مسلم ثلاثة أحاديث. روى عنه: سعيد بن
المسيّب، ونافع بن جبير، وأبو العلاء: يزيد بن عبد الله، والحسن بن
أبي الحسن- وقيل: لم يسمع منه. روى له: الترمذي، وأبو داود،
والنسائي، وابن ماجه (1) .
قوله: " طواغيهم " الطواغي: جمع طاغية، وهي الأصنام، وقيل:
بيوت الأصنام، وعليه يحملُ هذا الحديث. والطاغوت: الكاهن،
والشيطان، وكل رأس في الضلال، ويكون جمعا وواحداً ومذكرا
ومؤنثاً. ومن هذا الحديث أخذت الأمة أنهم أي بلدٍ يفتحونها يحولون
كنائسهم مَساجد ومَدارس. والحديث: أخرجه ابن ماجه.
433-
ص- نا محمد بن يحيى بن فارس، ومجاهد بن موسى- وهو
أتم- قالا: نا يعقوب بن إبراهيم. نا أبي، عن صالح: نا نافع أن عبد الله بن
عمر أخبره، أن المسجدَ كان على عهد رسول الله مَبنيا باللَّبِنِ والجَرِيدِ،
وعمدة (2) - قال مجاهد:- عُمُدُهُ- خَشَب (3) النخَل، فلم يزد فيه
أبو بكرٍ شيئًا، وزاد فيه عُمَرُ، وبِناه على بُنيانه (4) في عهد رسولِ اللهِ باللَّبِنِ
والجرِيد، وأعاد عُمُمَه- قال مجاهد: عُمُمَهُ خشبا-، وغيًّرَه عثمانُ فزادَ فيه
زيادةً كَثَيرةً، وبَنى جدَارَه بالحجارةِ / المنقُوشَةِ والقصَّة، وجَعل عُمُدَهُ. قال
مجاهد: عُمُدُهُ (5) من حجارة منقوشَة، وسقفُهُ بالَسَّاجِ- قال مجاهد:
وَسَقفُه: السَاجُ (6) .
ش- مجاهد بن موسى: أبو علي الخوارزمي. ويَعقوب بن إبراهيم:
ابن سَعد الزهري المدني. وأبوه: إبراهيم بن سَعد بن إبراهيم بن
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/91) ، أسد الغابة
(3/579) ، الإصابة (2/460) .
(2)
كلمة " وعمده " غير موجودة في سنن أبي داود.
(3)
في سنن أبي داود: " عمده من خشب ".
(4)
في سنن أبي داود: " بنائه ".
(5)
غير موجود في سنن أبي داود
(6)
البخاري: كتاب الصلاة، باب: بنيان المسجد (446) .
عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، وقد ذكرناهما. وصالح:
ابن كيسان المدني. ونافع: مولى عبد الله بن عمر.
قوله: " على عهد رسول الله " أي: في زمانه وأيامه.
قوله: " باللبن " اللبن- بفتح اللام وكسر الباء- جمع لبنة؛ وهي التي
يُبتنى بها الجدارُ، ويقال: اللبنة بكسر اللام وسكون الباء.
قلتُ: اللبنة: الآجر النَّيء؛ والجريد: الذي يُجردُ عنه الخُوص.
قوله: " وعُمُده " العُمُد- بضم العن والميم، وبفتحهما- جمع الكثرة
لعَمُود البيت؛ وجمع القلة: أعمدة.
قوله: " قال مجاهد " أي: قال مجاهد بن موسى المذكور في روايته:
" وعمُده خشبُ النخل "؛ وهي جملة من المُبتدإ والخبر.
قوله: " فلم يزد فيه " أي: في مسجد النبي- عليه السلام يعني:
أبو بكر- رضي الله عنه لم يُغيّر شيئا بالزيادة والنقصان من مسجد
رسول الله.
قوله: " وأعاد عمده " أي: عُمده التي كان عليها المسجد في عهد النبي
عليه السلام.
قوله: " قال مجاهد: عمدَه خشبًا " أي: قال مجاهد في روايته: أعادَ
عمده خشبًا، وانتصابُ كل واحد منهما بـ " أعادَ " المقدّر.
قوله: " وقال مجاهد: عُمدَه " أي: قال مجاهد في روايته: أعاد
عثمان- رضى الله عنه- عمده من حجارة منقوشة؛ وهي جملة من
المبتدإ والخبر، وأزال العُمدَ التي كانت من خشبٍ.
قوله: " وسَقفَهُ " جملة من الفعل والفاعل والضمير فيه الذي يرجع إلى
عثمان والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى المسجد، ومعناه:
جَعل سقفه بالساج؛ وهو معطوف على قوله: " وجعَل عمده "،
ويجوز أن يكون معطوفا على قوله " وبنى جدَاره " - هكذا هو في رواية
محمد بن يحيى بن فارس أي: بَنى عثمان سقف المَسجد بالسَّاج، السَاجُ
- بالسين المُهملة وبالجيم- ضَربٌ من الشجر.
قوله: " قال مجاهد: وسقفه الساج " أي: قال مجاهد بن موسى في
روايته: وسقف المسجد: الساج؛ وهي جملة من المبتدأ والخبر.
ص- قال أبو داود: والقَصَّةُ: الجصُّ.
ش- القَصّة- بفتح القاف وتشديد الصاد- الجَص والجصّ فارسي
مُعرّب؛ وفيه لغتان: فتح الجيم وكسرها- وقيل: القصة شيء يشبه
الجص وليس به، وقيل: القصة: الجير، فإذا خلط بالنورة، فهو
الجيار، وقيل: الجيار: النورة وَحدها.
434-
ص- نا محمد بن حاتم: نا عُبيدُ الله بن موسى، عن شيبان، عن
فِراس، عن عَطية، عن ابن عمر، أن مَسجد النبيِّ- عليه السلام كانت
سَوَارِيه على عهدِ النبيِّ- عليه السلام من جُذُوع النخلِ، أعلاهُ مُظلَّلٌ
بجريدَ النخلِ، ثم إنها نَخِرت في خلافة أَبي بكرٍ فبناها بجُذُوع النخلٍ،
وبجريَد النخل، ثم إنها نَخرَت في خلافَة عثمانَ، فبناها بالآجر فلم تَزل
ثابتةً حتىَ الآن (1) .
ش- محمد بن حاتم: ابن بزيع البصري. وعُبيد الله بن موسى: ابن
باذام الكوفي.
وشيبان: ابن عبد الرحمن النحوي أبو معاوية التميمي المؤدب البصري.
روى عن: الحسن البصري، وقتادة، والأعمش، ومنصور وغيرهم.
روى عنه: عبد الرحمن بن مَهدي، ومعاذ بن معاذ، وعبيد الله بن
موسى وغيرهم. قال أبو حاتم: حسن الحديث، صالح الحديث، يكتب
حديثه، وعن ابن معين: ثقة. مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة. روى
له الجماعة (2) .
(1) تفرد به أبو داود.
(2)
انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2784) .
وفراس: ابن يحيى الهمداني المكتب الكوفي.
وعَطيّة: ابن سَعد بن جنادة العَوفي، أبو الحسن الكوفي. روى عن:
أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وزيد بن
أرقم. روى عنه: فِراس بن يحيى، والأعمش، وفُضيل بن مرزوق
وغيرهم. وقال أحمد: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: لين. وقال
أبو حاتم: ضعيف، يكتب حديثه. توفي سنة إحدى عشرة ومائة.
روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) .
قوله: " سواريه " جمع سَارية؛ وهي الأسطوانة؛ والجذوع: جمع
جِذع- بكسر الجيم.
قوله/: " نخرت " من نخر الشيء- بالكسر- إذا بَلي وتفتّت؛ يُقال:
عظام نَخرةٌ أي: بَالية.
قوله: " بالآجر " بضم الجيم وتشديد الراء؛ وهو فارسي معرّب،
وُيقال: أَجُور.
قوله. " حتى الآن " معناه: إلى الآن؛ وهو اسم للوقت الذي أنت
فيه؛ وهو ظرف غيرُ متمكن، وقع معرفة، ولم يدخل عليه الألف واللام
للتعريف؛ لأنه ليس له ما يشركه؛ وربما فتحوا اللام وحذفوا الهمزة.
435-
ص- نا مسدد: نا عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس بن
مالك قال: قَدِمَ رسولُ الله المدينةَ، فنزَلَ في عُلُوِّ المدينة في حي يقال لهم بنو
عمرو بن عوفٍ، فأقامَ فيهَم أربعةَ (2) عَشَرَ لَيلةً، ثمَ أرسلَ إلى بني النجارِ
فَجَاءُوا متقلدين سُيوفهم، فقال أنسٌ: فكأني أنظُرُ إلى رسولِ الله على
راحلَتِهِ وأبو بكَرِ رِدفَهُ، ومَلأُ بني النجارِ حَولَهُ حتى ألقى بفناء أبي أيَوبَ،
وكاَن رسولُ الله يُصَلِّي حيثُ أدركتهُ الصلاةُ، ويُصلِّي في مَرَاَبضِ الغَنَم،
وأنه أمَرَ ببناءِ المَسجدِ، فأرسلَ إلى بني النجارِ وقال (3) : " يا بَني النجارِ!
(1) المصدر السابق (20/3956) .
(3)
في سنن أبي داود: " فقال ".
(2)
في سنن أبي داود: " أربع ".
ثَامنُوني بحائِطِكُم هذا " فقالوا: واللهِ لا نَطلُبُ ثمنَه إلا إلى اللهِ تعالى. قال
أنسٌ: وكَان فيه ما أقُولُ لكم، كانت فيه قُبورُ المُشرِكينِ، وكانت فيه خَرِبٌ،
وكان فيه نَخلٌ، فأمرَ رسولُ الله بقُبُورِ المشركين فنُبِشَت، وبالخَرب فسُوَيت،
وبالنخلِ فقُطِع، فصفوا النخلِ قِبلةً للمسجد، وجَعَلُوا عَضادَتَيهِ حِجارةً،
وَجَعلُوا يَنقُلُونَ الصخرَ وهم يرتَجِزُون والنبيّ- عليه السلام معهم وهو
يقولُ:
اللهم إن الخيرَ خيرُ الآخرة
…
فانصرِ الأنصارَ والمُهاجرَه (1)
ش- عبد الوارث: ابن سعيد العنبري البصري، وأبو التياح: يزيد بن
حُمَيد الضُّبَعي.
قوله: " قدم رسول الله المدينة " قال الحاكم: تواترت الأخبار بورود
النبي- عليه السلام قباء يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول. وقال
محمد بن موسى الخوارزمي: وكان ذلك اليوم: الخميس، الرابع من
تيرماه، ومن شهور الروم: العاشر من أيلول سنة سبع مائة وثلاثة
وَثلاثين لذي القرنين. قال الخوارزمي: من حين مولده إلى أن أُسري به:
أحد وخمسون سنة، وسبعة أشهر، وثمانية وعشرون يومًا، ومنه إلى
اليوم الذي هاجر: سنة وشهران ويوم؛ فذلك ثلاثة وخمسون سنة،
وكان ذلك يوم الخميس. وفي " طبقات ابنا سَعد ": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
خرج من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، فقالَ:
يوم الثلاثاء بقُديد، وقدم على ابن عَمرو بن عَوف للَيلتين (2) خلتا من
ربيع الأول، ويُقال: لاثَنتي عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الأول، فنزل
(1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ
مكانها مساجد (428)، مسلم: كتاب الساجد ومواضع الصلاة، باب:
ابتناء باب مسجد النبي (9/524)، النسائي: كتاب المساجد، باب: نبش
القبور واتخاذ أرضها مسجداً (701)، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات،
باب: أين يجوز بناء المسجد (742) .
(2)
في الأصل: " لليتين ".
على كلثوم بن الهِدَم- وهو الثبت عندنا-، ولكنه كان يتحدث مع
أصحابه في منزل سَعد بن خيثمة؛ وكان يسمى مَنزل الغُراب؛ فلذلك
قيل: نزل على سَعد بن خيثمة. وذكر البرقي أن النبي- عليه السلام
قدم المدينة ليلاً. وفي " شرف المصطفى " للنيسابوري: رُوي عن أبي بكر
أنه قال: أتينا المدينة ليلا، النبي- عليه السلام وأنا معه. وعن جابر:
لما قدم النبي- عليه السلام المدينة نحر جزورًا.
قوله: " فنؤل في عُلو المدينة " بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان،
وقيل: لا يقال إلا بالكسر؛ وعلو المدينة هي العالية، وكل ما كانت من
جهة نجد من المدينة من قُراها وعمائرها [من جهة نجد](1) فهي العالية،
وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهي السافلة..
قوله: " في حب " الحيّ- بتشديد الياء- القبيلة؛ وجمعها: أحياء.
قوله: " فأقام فيهم " أي: في بني عمرو بن عوف " أربعة عشر ليلةً ".
وعن الزهري: أقام فيهم بضع عشرة ليلةَ، وعن عويمر بن ساعدة: لبث
فيهم ثمان عشرة ليلة ثم خرج.
قوله: " ثم أرسل إلى بني النجار " وبنو النجار هم تيم اللات بن ثعلبة
ابن عمر بن الخزرج، والنجار: قبيل كبير من الأنصار، منه بطون
وعَمائر (2) وأفخاذ وفصائلُ، واسمه: تيم اللات المذكور سمي بذلك
لأنه اختتن بقدوم (3)، وقيل: بل ضرب رجلا بقدوم فجرحه. ذكره
الكلبي، وأبو عُبيدة.
قوله: " متقلدين " /نصب على الحال من الضمير الذي في " فجاءوا ".
قوله: " وأبو بكر ردفه " جملة اسمية وقعت حالاً؛ والردف- بكسر
الراء، وسكون الدالَ- المُرتدف؛ وهو الذي يركبُ خلف الراكب،
وأردفته أنا إذا أركبته معك، وذلك الوضع الذي يَركبُه: رداف، وكل
شيء تبعَ شيئًا فهو رِدفُه.
(1) زيادة من معجم البلدان (4/71) .
(2)
شعبة من القبيلة.
(3)
كتب فوقها " خف " أي: بالدال المخففة.
قوله: " وملأُ بني النجار حوله " جملة اسمية وقعت حالا- أيضا-؛
المَلأُ: أشراف القوم ورؤساؤهم؛ سموا بذلك لأنهم مَلأ بالرأي والغنى؛
والمَلأ: الجماعة، والجمع: أملاء. قال ابن سيده: وليس الملأ من باب
رَهط وإن كانا اسمَين؛ لأن رهطا لا واحد له من لفظه، والملأ: رجل
مالئ جليلٌ يملأ العَين بجَهَرته، فهو كالعَزب والزوج، وحكى مَلأته على
الأمر أملؤه ومالأته، وكذلك الملأ إنما هم الشارَة، والتجمع: الإمارة،
ففارق باب رهط لذلك فالملا على هذا صفة غالبة وما كان هذا الأمر عن
ملإ منا أي: عن تشاورِ واجتماع؛ وفي الجامع: الملأ: الجماعة الكثيرة،
وقيل: هم الأشراف- كما ذكرنا.
قوله: " حتى ألقى بفناء أبي أيوب " يقال: ألقيت الشيء إذا طرحتَه،
ومفعول " ألقى " هاهنا محذوف تقديره: ألقى راحلته في فناء أبي أيوب.
والفناء- بكسر الفاء- سَعَة أمام الدار، والجمع: أفنية، وفي " المجمل ":
فناء الدار: ما امتد من جوانبها.
وأبو أيوب: اسمُه: خالد بن زيد الأنصاري، وقد ذكرناه مرة. وذكر
محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب " المبتدأ وقصص الأنبياء- عليهم
السلام- " أن تبعا- وهو ابن حَسّان- لما قدم مكة- شرفها الله تعالى-
قبل مولد النبي- عليه السلام بألف عامِ، وخرج منها إلى يثرب،
وكان معه أربع مائة رجل من الحكماء، فاجتمعوا وتعاقدوا على أن لا
يخرجوا منها، فسألهم تُبَّعٌ عن سر ذلك، فقالوا: إنا نجد في كتبنا أن
نبيا اسمه محمدٌ هذه دار مُهاجره، فنحن نُقيم لعلّ أن نلقاه، فأراد تُبَعٌ
الإقامة معهم، ثم بنى لكل واحد من أولئك دارا، واشترى له جاريةَ
وزوجها منه، وأعطاهم مالا جزيلا، وكتب كتابا فيه إسلامه وقوله:
شهدت على أحمد أنه
…
رسول من الله بارئ النسم
في أبيات وختمه بالذهب، ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفع إلى
محمد- عليه السلام إن أدركه، وإلا من أدركه من ولده، وبنى للنبي
عليه السلام دارَا يَنزلها إذا قدم المدينة، فتداول الدارَ الملاكُ إلى أن
صارت لأبي أيوب؛ وهو من ولد ذلك العالم الذي دُفع إليه الكتابُ.
قال: وأهل المدينة الذين نصروه- عليه السلام من ولد أولئك العلماء
الأربعمائة؛ ويزعم بعضهم أنهم كانوا الأوس والخزرجَ، ولما خرج النبي
عليه السلام أرسلوا إليه كتاب " تُبَع " مع رجل يسمى أبا ليلى، فلما
راَه النبي- عليه السلام قال: " أنت أبو ليلى، ومعك كتاب تُبَّع
الأول " فبقي أبو ليلى متفكراً، ولم يَعرف النبيَ- عليه السلام، فقال:
مَن أنت؟ فإنى لم أر في وجهك أثر السحر- وتوهم أنه ساحر- فقال:
" أنا محمد، هات الكتاب " فلما قرأه قال: " مرحبا بتبَّع الأخ الصالح "
- ثلاث مرات. وفي " سير " ابن إسحاق: اسمه: تبان أسعد أبو كرب؛
وهو الذي كسى البيت الحرام. وفي " مُغايص الجوهر في أنساب حمير ":
كان يَدين بالزَبور. وفي " معجم الطبراني ": قال- عليه السلام:
" لا تَسبّوا تُبعًا ". وزعم السهيلي أن دار أبي أيوب هذه تصيرت بعده إلى
أفلح مولى أبي أيوب، فاشتراه منه بعد ما خرب المغيرة بن عبد الرحمن
ابن الحارث بن هشام بألف دينار بعد حيلة احتالها عليه المغيرة، فأصلحه
المغيرة وتصدق به على أهل بيت فقراء من المدينة.
قلت: لعل الحكمة في بروك ناقة النبي- عليه السلام بفناء أبي أيوب
ما ذكر من المعنى.
قوله: " ويصلي في مرابض الغنم " المرابض: جمع مَربضٍ؛ وهي
مأوى الغنم؛ وقد ذكرناه في كتاب الطهارة.
قوله: " وإنه أمَر " بكسر الهمزة؛ لأنه كلام مستقل بذاته.
قوله: " ببناء المسجد " المسجد- بكسر الجيم وفتحها- الموضع الذي
يُسجد فيه، وفي " الصحاح ": المسجد- بفتح الجيم-/موضع
السجود، وبكسرها: البيت الذي يُصلَى فيه. ومن العرب مَن يفتح في
كلا الوَجهين. وعن الفراء: سمعنا المسجِد والمسجَد، والفتح جائز،
وإن لم تسمعه. وفي " المعاني " للزجاج: كل موضع يتعبد فيه:
مَسجد.
قوله: " ثامنوني بحائطكم " أي: قدروا ثمنه لأشتريه منكم وبايعوني
فيه؛ يُقال: ثامنتُ الرجل في البَيع أثامنه إذا قاولته في ثمنه، وساومتَه على
بَيعه وشرائه. والحائط: البُستان؛ يؤيده: ما ذكر فيه من قوله: وكان فيه
نخل.
قوله: " إلا إلى الله " أي: لا نطلب ثمنه إلا من الله. وفي " صحيح
الإسماعيلي " هكذا: " إلا من الله ".
قلت: يحوز أن تكون " إلى " هاهنا على معناها لانتهاء الغاية؛ ويكون
التقدير: نُنهِي طلب الثمن إلى الله تعالى، كما في قولهم: أحمد إليك
الله؛ والمعنى: أُنهِي حمدَه إليك؛ والمعنى: لا نَطلبُ منك الثمن؛ بل
نتبرعُ به، ونطلب الثمن- أي: الأجر- من الله تعالى؛ وهذا هو
المشهور في " الصحيحين " - أيضا- وذكر محمد بن سَعد في " الطبقات "
عن الواقدي أن النبي- عليه السلام اشتراه منهم بعشرة دنانير؛ دفعها
عنه: أبو بكر الصديق- رضي الله عنه.
قوله: " وكانت فيه خَرِبٌ " قال أبو الفرجِ: الرواية المعروفة: " خَرِبٌ "
- بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء- جمع خرِبَة؛ كما يقال: كلمة وكلم.
وقال أبو سليمان: وحدثناه الخيام بكسر الخًاء وفتح الراء؛ وهو جمع
الخراب؛ وهو ما يخرب من البناء في لغة بني تميم؛ وهما لغتان
صحيحتان رُوينا. وقال الخطابي: لعل صوابه: " خُرَب " - بضم الخاء-
جمع خُربة؛ وهي الخروق في الأرض؛ إلا أنهم يقولونها في كل ثُقبة
مستديرة في أرض أو جدار، قال: ولعل الرواية " جِرَف " جمع الجِرَفة؛
وهي جمع الجُرُف؛ كما يقال: خُرج وخُرَجة، وتُرس وتِرَسَة. وأبين
من ذلك- إن ساعدته الروايةُ- أن يكون: " حُدبا " جمع " حَدَبَةِ "؛
وهو الذي يَليقُ بقوله فسُويت؛ وإنما يُسوى المكان المُحدودب أو موضع من
الأرض فيه خروق وهدُوم؛ فأما الخِرَبُ فإنها تُعَمَر ولا تُسوى. قال
عياض: هذا التكلف لا حاجة إليه؛ فإن الذي ثبت في الرواية صحيح
المعنى؛ كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخِرب فرفعت رسومها،
23 * شرح سنن أبي داوود 2
وسُوِّيت مواضعها، لتصير جميع الأرض مَبسوط مُستويةً للمصلين،
وكذلك فعل بالقبور. وفي " مصنف " ابن أبي شيبة بسند صحيح: " فأمر
بالحرث فحُرث "؛ وهو الذي زعم ابن الأثير أنه رُوِيَ بالحاء المهملة والثاء
المثلثة، يريدُ الموضع المحروث للزراعة.
قوله: " فأمَر رسول الله بقبور المشركين فنُبشَت " إنما أمر بنبشها لأنهم لا
حرمة لهم.
فإن قيل: كيف يجوز إخراجهم من قبورهم، والقبر مختصّ بمن دفن
فيه، قد حازه فلا يجوز بيعه ولا نقله عنه؟ قلت: تلك القبور لم تكن
أملاكا لمن دفن فيها؛ بل لعلها غصب، ولذلك باعها مُلاكها، وعلى
تقدير التسليم أنها حُبست فهو ليس بلازم، إنما اللازم: تحبيس المسلمين،
لا الكفار. وجواب آخرُ: أنه دعت الضرورة والحاجة إلى نبشهم فجاز.
فإن قيل: هل يَجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار ليتخذ مكانها
مساجد؟ قلت: أجاز ذلك قوم؛ محتجين بهذا الحديث، وبما رواه
أبو داود (1) أن النبي- عليه السلام قال: " هذا قبر أبي رِغال: وهو
أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بالحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته
النقمة فدفن بهذا المكان، وآية ذلك: أنه دفن ومعه غُصنٌ من ذهب "
فابتدر الناس فنبشوه واستخرجوا الغُصن ". قالوا: فإذا جاز نبشُها لطلب
المال فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى، وليس حرمتهم موتى بأعظم منها
أحياء؛ بل هو مأجورٌ في مثل ذلك. وإلى جواز نبش قبورهم للمال
ذهب الكوفيون، والشافعي، وأشهبُ بهذا الحديث. وقال الأوزاعي
لا يفعل؛ لأن رسول الله لما مر بالحجر قال: " لا تدخلوا بيوت الذين
ظلموا إلا أن تكونوا باكين " فنهى أن يدخل عليهم بيوتهم، فكيف
قبورهم؟. وقال الطحاوي: قد أباح دخولها/على وجه البكاء.
فإن قيل: هل يجوز أن تُبنى المساجد على قبور المسلمين؟ قلت:
(1) كتاب الخراج، باب: نبش القبور العادية يكون فيها المال (3088)
قال ابن القاسم: لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفَت، فبنى قوم عليها
مسجداً لم أَر بذلك بأسًا؛ وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين
لدفن موتاهم، لا يجوز لأحد أن يملكها، فإذا درست واستُغنِيَ عن
الدفن (1) فيها جاز صرفها إلى المسجد؛ لأن المسجد- أيضا- وقف من
أوقاف المسلمين لا يجوز تمليكه لأحد؛ فمعناهما على هذا واحدٌ. وذكر
أصحابنا أن المسجد إذا خرب ودثر، ولم يبق حوله جماعة، والمقبرة إذا
عفت ودثرت يَعودُ ملكًا لأربابها، فإذا عادت ملكا يجوز أن يُبنى موضع
المسجد دار، وموضع المقبرة مسجد، وغير ذلك؛ فإن لم يكن لها أرباب
يكون لبيت المال.
فإن قيل: هل يدخل من يبني المسجد على مقبرة المسلمين بعد أن عفت
ودثرت في معنى لعنة اليهود، لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد؟ قلت: لا؛
لافتراق المعنى؛ وذلك أنه- عليه السلام أخبر أن اليهود كانوا يتخذون
قبور أنبيائهم مساجد ويقصدونها بالعبادة، وقد نسخ الله جميع ذلك
بالإسلام والتوحيد، ثم في هذا الحديث دليل على أن القبور إذا لم يبق
فيها بقية من الميت أو من ترابه جازت الصلاة فيها، وأنها إذا درست يجوز
بيعها؛ لأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده.
قوله: " وبالنخل فقطع " أي: أمر بالنخل فقطع؛ وفيه دليل على
[جواز] قطع الأشجار المثمرة لأجل الحاجة؛ وأما اليابسة فقطعها جائز مطلقا.
قوله: " فصفوا النخل قبلةً للمَسجد " من صففتُ الشيء صفا، وفي
" شرح البخاري ": وجعل قبلته إلى القدس وجعل له ثلاثة أبواب: باباَ
في مؤخره، وباباً يقال له: باب الرحمة- وهو الباب الذي يُدعى: باب
عاتكة -، والثالث: الذي يدخل منه النبي- عليه السلام وهو الباب
الذي يلي آل عثمان- وجعل طول الجدار قامة، وبُسطه وعمده: الجذوع،
وسقفه جريدًا، فقيل له: ألا تسقفه؟ فقال: " عريش كعريش مُوسى؛
(1) في الأصل: " الدين ".
خُشَيبَاتٌ وثمامٌ، الأمرُ أعجل من ذلك " وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى
مؤخره مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك؛ فهو مربع- ويقال:
كان أقل من المائة-، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض
بالحجارة، ثم بنوه باللَّبِن. وفي " المغازي " لابن بكير، عن ابن
إسحاق: جعلت قبلة المسجد من اللبن- ويقال: بل من حجارة- منضودة
بعضها على بعضٍ.
قوله: " وجَعلوا عضادتيه حجارة " العضادة- بكسر العين- هي جانب
الباب. وقال صاحب " العين ": أعضاَد كل شيء: ما يشده من حواليه
من البناء وغيره؛ مثل عضاد الحوض؛ وهي صفائح من حجارة تُنصَبن
على شفيره، وعضادتا الباب: ما كان عليهما يُطبق البابُ إذا اصفِق.
وفي " الَتهذيب " للأزهِري: عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين
الداخل منه وشماله، فوقهما العارضة.
فوله: " وهم يرتجزون " جملة اسمية وقعت حالا من الضمير الذي في
" ينقلون " يقال: ارتجزوا وتراجزوا إذا تعاطوا بَينهم الرَجزَ. واختلف
العروضيون في الرجز: هل هو شعر أم لا؟ مع اتفاقهم أن الشعر لا
يكون شعرا إلا بالقَصد، فإن جرى كلام موزون بغير قصد لا يكون شعرا؛
وعليه يحمل ما جاء عن النبي- عليه السلام من ذلك؛ لأن الشعر
حرام عليه بنص القراَن. قال القرطبي: الصحيح في الرجز: أنه من
الشعر؛ وإنما أخرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاد النبي- عليه السلام
إياه فقال: لو كان شعرا لما عُلِّمه، قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن من
أنشد القليل من الشعر أو قاله أو تمثل به على وجه الندور لم يستحق
اسم شاعرٍ، ولا يقال فيه: إنه يعلم الشعر، ولا يُنسب إليه، ولو كان
ذلك كذلك للزم أن يقال للناس كلهم شعراء. وقال السفاقسي: لا
يطلق (1) على الرجز شعرا؛ إنما هو كلام مسجع؛ بدليل أنه يقال
(1) في الأصل: " ينطلق "
لصانعه: راجز، ولا يقال: شاعر، ويُقال: أنشد/رجزا، ولا يقال:
أنشد شعراً.
ثم اعلم أن في الحديث: جواز الارتجاز وقول الأشعار في حال الأعمال
والأسفار ونحوها، لتَنشيط النفوس، وتَسهيل الأعمال والمضي عليها.
قوله: " والنبي معهم " حال، وكذلك قوله:" وهو يقول " حال
أُخرى.
قوله: " اللهم إن الخير خير الآخرة " وفي رواية: " لا خير إلا خير
الأخرة " ومعنى " اللهم ": يا ألله؛ وقد ذكرنا طرفا منه، وقال
البصريون: " اللهم ": دعاء دله بجميع أسمائه؛ إذ الميم يُشعر بالجمع؛
كما في " عليهم "، وقال الكوفيون: أصله: " الله أمّنا " بخيرٍ أي:
اقصدنا؛ فخفف فصار " اللهم ". وهو ضعيف؛ إذ لو كان كذلك لجاز
" يا اللهم " فلما لم يجز دلّ على أن أصله: " يا الله " فحذف " يا "
وعوض عنها الميم؛ ولا يجوز اجتماع العِوض والمعوض. وهو يُستعمل
على ثلاثة أنحاء؛ أحدها: للنداء المحض؛ وهو ظاهرٌ، والثاني:
للإيذان بندرة المستثنى؛ كقولهم في أثناء الكلام: اللهم إلا أن يكون كذا
وكذا، والثالث: يستعمل فيه ليدل على تيقّن المجيب من الجواب المقترن
هو به؛ كقولك لمن قال: أزيد قائم: اللهم نعم، أو: اللهم لا؛ كأنه
يناديه: تعالى؛ مستشهداً على ما قال في الجواب.
قوله: " فانصر الأنصار والمهاجره " الأنصار: جمع نَصيرٍ؛ كأشراف
جمع شريفٍ؛ والنَّصِير الباهرُ: من نصَره الله على عَدُوّه ينصرُه نصرًا،
والاسم: النُّصرة؛ وسُمُّوا بذلك لأنهم أعانوه- عليه السلام على
أعدائه وشدّوا منه. والمهاجره: الجماعة المهاجرة؛ وهم الذين هاجروا من
مكة إلى المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- محبةً فيه،
وطلبا للآخرة. والهجرة في الأصل: الاسم من الهَجر- ضد الوَصل-،
وقد هجَره هجرًا، وهجرانًا، ثم غلب على الخروج من أرض إلى
أرضٍ، وترك الأولى للثانية يُقال منه: هاجر مُهاجرةً. والحديث: أخرجه
البخاريّ، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
436-
ص- ثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد، عن أبي التياح، عن
أنس بن مالك قال: كان مَوضعُ المسجدِ حَائطا لبني النجار، فيه حَرثٌ
ونَخل وقبورُ المشرِكينَ، فقال رسولُ الله:" ثَامِنُوني به " فقالوا: لا نَبغي (1) ،
فقُطِع النخلُ، وسُوِّي الحرثُ، ونُبشَ قبورُ المشركينَ. وساقَ الحديثَ،
وقال: " فاغفر " مكان " فانصُر "(2) .
ش- موسى بن إسماعيل: المنقري البصري، وحماد: ابن سلمة.
قوله: " موضع المسجد " الألف واللام فيه للعهد أي: مسجد النبي
عليه السلام.
فوله: " لا نبغي " أي: لا نطلب الثمن؛ من بغى يَبغي بغيةً وبُغًا من
باب ضرب يضرب، وبغى عليه: إذا تعدى وظلم، وبغت المرأة بِغاء
- بالكسر والمدّ- إذا فجرت؛ فهي بَغي، والجمع: بَغايَا، قال تعالى:
(وَمَا كَانت أُمُك بغيا)(3) وهذا مثل قولهم: ملحفة جديدٌ.
فوله: " وقال: فاغفر " أي: قال: فاغفر الأنصار مكان: فانصر
الأنصار
ص- قال موسى: نا عبد الوارث بنحوه. وكان عبد الوارث يقول:
خَرِب، فزعم عبد الوارث (4) أنه أفادَ حمادا هذا الحديثَ.
ش- أي: قال موسى بن إسماعيل- شيخ أبي داود- حدثنا
عبد الوارث بن سعيد البصري، بنحو المذكور من الرواية.
قوله: " وكان عبد الوارث يقول: خَرِب " - بفتح الخاء، وكسر
الراء-؛ وقد مر الكلام فيه مستوفى.
(1) في سنن أبي داود: " لا نبغي به ثمنا ".
(2)
انظر التخريج المتقدم.
(3)
سورة مريم: (28) .
(4)
في الأصل: " الحارث " خطأ.