الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في اللبس
قال: لا يحل للرجال لبس الحرير ويحل للنساء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن لبس الحرير والديباج، وقال:«إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة» .
ــ
[البناية]
[فصل في اللبس]
[لبس الحرير للرجال]
م: (فصل في اللبس)
ش: هذا فصل في بيان أحكام اللبس.
م: (قال: لا يحل للرجال لبس الحرير ويحل للنساء) ش: قال القدوري رحمه الله في " مختصره ": الحرير هو الإبريسم المصنوع يسمى الثوب المتخذ منه حريرا. وفي " جمع التفاريق ": الحرير ما كان مضمنا.
م: (لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير والديباج، وقال:«إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة» ش: هنا حديثان: فالأول: أخرجه الجماعة عن حذيفة وعن البراء بن عازب. فحديث حذيفة رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب ولا الفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» . وقد تقدم قريبا.
وحديث البراء بن عازب رضي الله عنه: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع " وفيه: " وعن الديباج والحرير» .
والثاني: أخرجه البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن نافع عن عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رأى حلة سيراء على باب المسجد فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة ".
ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حلل فأعطى منها حلة لعمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فقال عمر: يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت ما قلت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أكسكها لتلبسها " فكساها عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخا له مشركا» انتهى.
وهذا الأخ كان أخا لعمر رضي الله عنه من أمه، صرح بذلك في الحديث عند " النسائي " قال: فكساها عمر رضي الله عنه أخا له من أمه مشركا قيل: إن اسمه عثمان بن حكيم، فأما أخوه زيد بن الخطاب فإنه أسلم قبل عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -.
وإنما حل للنساء بحديث آخر، وهو ما رواه عدة من الصحابة رضي الله عنهم، منهم علي رضي الله عنه:" أن النبي صلى الله عليه وسلم «خرج وبإحدى يديه حرير، وبالأخرى ذهب، وقال: هذان محرمان على ذكور أمتي، حلال لإناثهم ". ويروى " حل لإناثهم» .
ــ
[البناية]
ورواه في الجمعة واللباس قوله: " ولا الديباج " أي ولا تلبسوا الديباج وهو اسم الثوب سداه ولحمته إبريسم، وقيل حرير غليظ.
قوله: " من لا خلاق له " أي من لا نصيب له.
قوله: " في صحفها " جمع صحفة وهي القصعة.
قوله: " حلة سيراء " بكسر السين المهملة وفتح الياء آخر الحروف والراء المخففة وبالمد، وهي التي تكون فيها خطوط. فهذه الأحاديث بعمومها تدل على حرمة لبس الحرير للرجال والنساء جميعا ولكن رخص للنساء بأحاديث أخر على ما يأتي.
وقال بعض الناس: يحل للرجال القباء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وعليه قباء من حرير، وفي حديث مخرمة:«أنه صلى الله عليه وسلم خرج ليلة وعليه قباء ديباج مزود بذهب فقال: " يا مخرمة هذا خبأته لك " فأعطاه إياه» . وأخرجه الطحاوي في " شرح معاني الآثار ".
قلنا: هذا منسوخ بما ذكرنا.
م: (وإنما حل للنساء بحديث آخر) ش: أي وإنما حل لبس الحرير للنساء م: (وهو ما رواه عدة من الصحابة رضي الله عنهم) ش: أي الحديث الآخر ما رواه جماعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، يدل على أن لبسه حلال للنساء فتكون الأحاديث المذكورة مخصوصة على ما يأتي.
وقال بعضهم: حرام للنساء أيضا لعموم النهي. وللعامة أحاديث عدة من الصحابة رضي الله عنهم.
م: (منهم علي رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وبإحدى يديه حرير وبالأخرى ذهب وقال: هذان محرمان على ذكور أمتي، حلال لإناثهم» ويروى «حل لإناثهم» .)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ش: الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه في اللباس، والنسائي في الزينة، وأحمد في " مسنده ".
وابن حبان رحمه الله في " صحيحه " عن عبد الله بن زرير الغافقي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله في يمينه وأخذ ذهبا فجعله في شماله فقال: " إن هذين حرام على ذكور أمتي» .
زاد ابن ماجه رحمه الله: «حل لإناثهم» .
واعلم أن حديث علي رضي الله عنه هذا له وجهان: أحدهما: من جهة الليث، فاختلف عليه فيه، فرواه قتيبة عنه عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي أفلح الهمداني، عن عبد الله بن زرير أنه سمع علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هكذا أخرجه أبو داود والنسائي - رحمهما الله -، ورواه ابن المبارك عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن أبي الصعبة، عن رجل من همدان يقال له: أبو أفلح عن أبي زرير، هكذا أخرجه النسائي وقال: حديث ابن المبارك أولى بالصواب إلا قوله: عن " أفلح " فإن أبا أفلح أولى بالصواب.
الوجه الثاني من جهة أبي إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد العزيز بن أبي الصعبة عن أبي أفلح الهمداني، ورواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن هارون ومن جهته أخرجه النسائي وعبد الرحيم بن سليمان، ومن جهته أخرجه ابن ماجه رحمه الله وقال عن أبي الأفلح بالتعريف.
وذكر عبد الحق رحمه الله في " أحكامه ": هذا الحديث من جهة النسائي، ونقل عن ابن المديني أنه قال فيه: حديث حسن ورجاله معروفون، وقال ابن القطان في كتابه: أبو أفلح مجهول، وعبد الله بن زرير مجهول الحال. وقال الشيخ في " الإمام ": وعبد الله بن زرير ذكره ابن سعد في " الطبقات " ووثقه وقال: توفي سنة إحدى وثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان.
ومن الصحابة الذين رووا حل الحرير للنساء: عمر بن الخطاب، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وزيد بن أرقم، وواثلة بن الأسقع وعقبة بن عامر الجهني رضي الله عنهم.
أما حديث عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فأخرجه البزار في " مسنده " وقال: حدثنا داود بن سليمان أبو سليمان المؤدب قال: حدثنا عمرو بن جرير، عن إسماعيل بن خالد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
، عن قيس بن أبي حازم، عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وفي إحدى يديه حرير وفي الأخرى ذهب فقال: " هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم» . وهذا الحديث لا نعلم رواه غير إسماعيل عن قيس عن عمر رحمه الله، إلا أن عمرو بن جرير لين الحديث وقد احتمل حديثه. وقد روي هذا الكلام عن غير عمر ولا يعلم فيما روي عن ذلك حديثا ثابتا عند أهل النقل.
وأما حديث أبو موسى الأشعري - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فأخرجه الترمذي والنسائي عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند رحمه الله عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم» .
قال الترمذي رحمه الله: حديث حسن صحيح، ورواه أحمد في " مسنده "، وابن أبي شيبة في " مصنفه "، وقال ابن حبان في " صحيحه ": خبر سعيد بن أبي هند عن أبي موسى في هذا الباب معلول لا يصح.
وقال الدارقطني في كتاب " العلل ": وقد رواه أسامة بن زيد عن سعيد بن أبي هند عن أبي مرة مولى عقيل عن أبي موسى رحمه الله. ورواه عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن رجل عن أبي موسى قال: وهذا أشبه بالصواب؛ لأن سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى المقبري عن أبي موسى رضي الله عنه، ووهم في موضعين: في قوله: سعيد المقبري وإنما هو سعيد بن أبي هند، ورواه سويد بن عبد العزيز، عن عبيد الله عن سعيد بن أبي هند رحمه الله، وفي تركه نافعا من الإسناد.
وأما حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه أخرجه إسحاق بن راهويه والبزار وأبو يعلى الموصلي في " مسانيدهم "، وابن أبي شيبة في " مصنفه "، والطبراني رحمه الله في " معجمه " من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وفي إحدى يديه ثوب من حرير وفي الأخرى ذهب فقال: «إن هذين محرم على ذكور أمتي حل لإناثهم» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وأما حديث عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فأخرجه البزار رحمه الله في " مسنده " حدثنا إبراهيم بن زياد الصائع، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنه بنحوه سواء. ورواه الطبراني رحمه الله في " معجمه " عن إسماعيل بن مسلم به.
وأما حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه فأخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه "، ثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، أخبرنا بن أرقم: أخبرتني أنيسة بنت زيد عن أبيها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب والحرير حل لإناث أمتي، حرام على ذكورها» .
وأما حديث واثلة بن الأسقع فأخرجه الطبراني رحمه الله في " معجمه "، حدثنا إسماعيل بن قيراط، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، حدثتني أسماء بنت واثلة، عن أبيها: بنحو حديث زيد بن أرقم سواء.
وأما حديث عقبة بن عامر الجهني - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فأخرجه أبو سعيد بن يونس في " تاريخ مصر "، حدثنا أحمد بن حماد زغبة حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني الحسن بن ثوبان وعمرو بن الحارث، عن هشام بن أبي رقية، سمعت مسلمة بن مخلد رحمه الله سمعت عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بلفظ حديث زيد بن أرقم. انتهى.
ولما روى الترمذي رحمه الله من حديث أبي موسى الأشعري - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وقال: في الباب عن عمر وعلي رضي الله عنهما وعقبة بن عامر، وأم هانئ، وأنس وحذيفة، وعبد الله بن عمر، وعمران بن الحصين، وعبد الله بن الزبير، وجابر، وابن ريحانة، وابن عمر، والبراء رضي الله عنهم انتهى.
فالجميع يكون سبعة عشر صحابيا وقد ذكرنا أحاديث ثمانية وهم: علي بن أبي طالب،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وعمر بن الخطاب، وأبي موسى الأشعري - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وزيد بن أرقم، وواثلة بن الأسقع، وعقبة بن عامر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وبقي منهم تسعة أنفس وهم: أنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن الحصين، وعبد الله بن الزبير، وجابر بن عبد الله، وأبو ريحانة، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وأم هانئ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
وبعض الناس كره للنساء أيضا؛ لما حدث الطحاوي رحمه الله عن أبي بكرة، عن أبي داود عن شعبة رحمه الله الله - قال: أخبرني أبو ديسان قال: سمعت ابن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يخطب، يقول: يا أيها الناس لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعت عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» ، قال ابن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - من لا يلبسه في الآخرة لا يدخل الجنة، ومراده: أن الجواب منه الرجال دون النساء، وليس المراد منه العموم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:«حل لإناثهم» .
فإن قلت: المحرم مع النسخ إذا اجتمعا يجعل المحرم متأخرا كيلا يلزم النسخ مرتين، وهنا لو تأخر قوله:" هذان حرامان " الحديث يلزمه النسخ مرتين في حق الإناث، فجعل قوله " حل لإناثهم " مقدما.
قلت: في قوله " إنما يلبسه " يحتمل أن يكون بيانا؛ لقوله: " حرامان على ذكور أمتي "؛ لأن هذا وعيد لا بيان حكم فيحمل عليه تعليلا للنسخ ".
ولأن قوله: " هذان " الحديث نص لبيان التفرقة في حق الحل والحرمة للذكور والإناث.
وقوله: " إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة " لبيان الوعيد في حق من لبس الحرير، فكانا كالظاهر، والنصح راجح على المظاهر، أو نقول: الدليل على أن يقتضي الحل للإناث متأخر، وهو استعمال الإناث من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير وهذا آية قاطعة على تأخره وتكرار النسخ إذا كان بدليل غير ممتنع.
فإن قلت: وقع التعارض بين قوله صلى الله عليه وسلم: " هذان حرامان " الحديث وبين نهيه عن لبس الحرير والديباج فلم تركتم العام بالخاص.
قلت: لما تعارضا وجعل التاريخ جعل كأنهما وردا معا. وإذا جعلا تعارضان يجعله الخاص بيانا للعام ولا يثبت العام في قدر ما يتناوله العام كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] .