الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِالْمُسْتَأْجِرِ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ سِمْسَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ) أَيْ لِلْمُسْتَأْجِرِ (ثِيَابًا) لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ، مُبَاحَةٌ كَالْبِنَاءِ (فَإِنْ عَيَّنَ الْعَمَلَ دُونَ الزَّمَانِ فَجَعَلَ لَهُ مِنْ كُلِّ أَلْفِ دِرْهَمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا صَحَّ) الْعَقْدُ.
(وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا اشْتَرَيْت ثَوْبًا فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَكَانَتْ الثِّيَابُ مَعْلُومَةً أَوْ مُقَدَّرَةً بِثَمَنٍ جَازَ) وَإِلَّا فَلَا لِلْجَهَالَةِ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِيَبِيعَ لَهُ ثِيَابًا بِعَيْنِهَا) لِأَنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ وَهُوَ مَعْلُومٌ فَجَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ كَشِرَاءِ الثِّيَابِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ الْمَقْصُودَةِ الْمَعْلُومَةِ.
[فَصْلٌ الْإِجَارَة عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ]
الضَّرْبُ الثَّانِي (عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مَوْصُوفٍ مَضْبُوطٍ بِصِفَاتٍ، كَالسَّلَمِ فَيُشْتَرَطُ تَقْدِيرُهَا بِعَمَلٍ أَوْ مُدَّةٍ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبِنَاءِ دَارٍ وَحَمْلٍ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ) لِيَحْصُلَ الْعِلْمُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
(وَيَلْزَمُ) الْأَجِيرَ (الشُّرُوعُ فِيهِ) أَيْ فِيمَا اُسْتُؤْجِرَ (عَقِبَ الْعَقْدِ) لِجَوَازِ مُطَالَبَتِهِ بِهِ إذَنْ.
(فَلَوْ تَرَكَ) الْأَجِيرُ (مَا يَلْزَمُهُ قَالَ الشَّيْخُ بِلَا عُذْرٍ فَتَلِفَ) قَالَ الشَّيْخُ بِسَبَبِهِ (ضَمِنَ) مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَجِيرُ فِيهَا إلَّا آدَمِيًّا) لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّمَّةِ وَلَا ذِمَّةَ لِغَيْرِ الْآدَمِيِّ (جَائِزَ التَّصَرُّفِ) لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لِعَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ فَلَمْ تَجُزْ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
(وَيُسَمَّى الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ) لِأَنَّهُ يَتَقَبَّلُ أَعْمَالًا لِجَمَاعَةٍ فَتَكُونُ مَنْفَعَتُهُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ (وَهُوَ) أَيْ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ (مَنْ قُدِّرَ نَفْعُهُ بِالْعَمَلِ) بِخِلَافِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ فَنَفْعُهُ مُقَدَّرٌ بِالزَّمَنِ وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى شَيْءٍ (كَقَوْلِهِ اسْتَأْجَرْتُك لِتَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ فِي يَوْمٍ) لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يَزِيدُ الْإِجَارَةَ غَرَرًا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْرُغُ مِنْ الْعَمَلِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْيَوْمِ فَإِنْ اسْتَعْمَلَ فِي بَقِيَّتِهِ فَقَدْ زَادَ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ كَانَ تَارِكًا لِلْعَمَلِ فِي بَعْضِهِ فَهَذَا غَرَرٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، فَلَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ مَعَهُ.
(وَيَصِحُّ) الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ (جِعَالَةً) لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْإِجَارَةِ فَإِذَا تَمَّ الْعَمَلُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَمَلُ فِي بَقِيَّتِهَا، كَقَضَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ أَجَلِهِ.
وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ الْعَمَلِ فَإِنْ اخْتَارَ إمْضَاءَ الْعَقْدِ طَالَبَهُ بِالْعَمَلِ فَقَطْ، كَالْمُسْلِمِ إذَا صَبَرَ عِنْدَ التَّعَذُّرِ وَإِنْ فُسِخَ قَبْلَ الْعَمَلِ سَقَطَ الْأَجْرُ وَالْعَمَلُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ عَمَلِ بَعْضِهِ فَإِنْ كَانَ
الْفَسْخُ مِنْ الْجَاعِلِ فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَامِلِ فَلَا شَيْءَ لَهُ هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ لَكِنْ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا.
(وَيَحْرُمُ وَلَا تَصِحُّ إجَارَةٌ عَلَى عَمَلٍ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ وَلَا يَقَعُ) ذَلِكَ الْعَمَلُ (إلَّا قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ كَالْحَجِّ أَيْ النِّيَابَةِ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَجِّ.
(وَالْعُمْرَةِ وَالْأَذَانِ وَنَحْوِهَا كَإِقَامَةٍ وَإِمَامَةِ صَلَاةٍ، وَتَعْلِيمِ قُرْآنٍ وَفِقْهِ حَدِيثٍ وَكَذَا الْقَضَاءُ قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ) لِمَا رَوَى عُبَادَةُ قَالَ: «عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ فَأَهْدَى لِي رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنْ سَرَّكَ أَنْ يُقَلِّدَكَ اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ فَأَهْدَى لَهُ خَمِيصَةً أَوْ ثَوْبًا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنَّكَ لَوْ لَبِسْتَهَا أَلْبَسَكَ اللَّهُ مَكَانَهَا ثَوْبًا مِنْ نَارٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ كَوْنَهَا قُرْبَةً إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْأُجْرَةِ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ خَلْفَهُ.
(وَيَصِحُّ أَخْذُ جِعَالَةٍ عَلَى ذَلِكَ كَ) مَا يَجُوزُ (أَخْذُهُ) عَلَيْهِ (بِلَا شَرْطٍ وَكَذَا) حُكْمُ (رُقْيَةٍ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَمَّا حَدِيثُ الْقَوْسِ وَالْخَمِيصَةِ فَقَضِيَّتَانِ فِي عَيْنٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلِمَ أَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ خَالِصًا فَكَرِهَ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَهُمَا لَا تُقَاوِمُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ، فَفِي إسْنَادِهِمَا مَقَالٌ.
(وَلَهُ أَخْذُ رِزْقٍ عَلَى مَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ) كَالْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا وَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ، وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَنَحْوِهَا (كَ) مَا يَجُوزُ أَخْذُ (الْوَقْفِ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِهَذِهِ الْمَصَالِحِ) الْمُتَعَدِّي نَفْعُهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ، بَلْ الْقَصْدُ بِهِ الْإِعَانَةُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ قُرْبَةً وَلَا يَقْدَحُ فِي الْإِخْلَاصِ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَحَ مَا اُسْتُحِقَّتْ الْغَنَائِمُ (بِخِلَافِ الْأَجْرِ) فَيَمْتَنِعُ أَخْذُهُ عَلَى ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ رِزْقٍ، وَ) لَا (جُعْلٍ، وَ) لَا (أَجْرَ عَلَى مَا لَا يَتَعَدَّى) نَفْعُهُ (كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ خَلْفَهُ) بِأَنْ أَعْطَى لِمَنْ يُصَلِّي مَأْمُومًا مَعَهُ جُعْلًا أَوْ أُجْرَةً أَوْ رِزْقًا (وَصَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ وَحَجُّهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَدَاءُ زَكَاةِ نَفْسِهِ وَنَحْوُهُ) كَاعْتِكَافِهِ وَطَوَافِهِ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ الْأَجْرَ عِوَضُ الِانْتِفَاعِ وَلَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ هَهُنَا انْتِفَاعٌ فَأَشْبَهَ إجَارَةَ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا (وَلَا) يَصِحُّ (أَنْ يُصَلِّيَ عَنْهُ) وَفِي نُسَخٍ عَنْ (غَيْرِهِ فَرْضًا وَلَا نَافِلَةً فِي حَيَاتِهِ، وَلَا فِي مَمَاتِهِ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ فَلَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ رَكْعَتَيْ
الطَّوَافِ تَدْخُلُ تَبَعًا، وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ الصَّوْمِ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرُ صَلَاةٍ وَنَحْوُهُ وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ: كُلُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا مُسْلِمٌ وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِحَيٍّ أَوْ لِمَيِّتٍ نَفَعَهُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا لَيْسَتْ وَاقِعَةً عَنْ الْغَيْرِ، بَلْ لِلْفَاعِلِ وَثَوَابُهَا لِلْمَفْعُولِ عَنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(فَإِذَا وَصَّى بِدَرَاهِمَ لِمَنْ يُصَلِّي عَنْهُ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (لِأَهْلِ الصَّدَقَةِ) تَحْصِيلًا لِغَرَضِهِ فِي الْجُمْلَةِ.
(وَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ، كَتَفْرِقَةِ الصَّدَقَةِ وَلَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ) وَلَحْمِ الْهَدْيِ لِأَنَّ ذَلِكَ عَمَلٌ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ لَصِحَّتِهِ مِنْ الذِّمِّيِّ.
(وَتَصِحُّ) الْإِجَارَةُ (عَلَى تَعْلِيمِ الْخَطِّ وَالْحِسَابِ وَالشِّعْرِ الْمُبَاحِ وَشِبْهِهِ) لِأَنَّهُ تَارَةً يَقَعُ قُرْبَةً وَتَارَةً يَقَعُ غَيْرَ قُرْبَةٍ فَلَمْ يَمْنَعْ الِاسْتِئْجَارَ لِفِعْلِهِ، كَغَرْسِ الْأَشْجَارِ وَبِنَاءِ الْبُيُوتِ.
(فَإِنْ نَسِيَهُ) أَيْ مَا تَعَلَّمَهُ مِنْ شِعْرٍ وَحِسَابٍ وَنَحْوِهِ (فِي الْمَجْلِسِ أَعَادَ تَعْلِيمَهُ) لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْعُرْفِ (وَإِلَّا) بِأَنْ نَسِيَهُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ (فَلَا) يَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
(وَتَصِحُّ) الْإِجَارَةُ (عَلَى بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَكَنْسِهَا وَإِسْرَاجِ قَنَادِيلِهَا، وَفَتْحِ أَبْوَابِهَا وَنَحْوِهِ) كَتَجْمِيرِهَا (وَعَلَى بِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَنَحْوِهَا) كَالرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ وَالْخَوَانِكِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْجُمَهُ صَحَّ كَ) مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِ (فَصْدٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ «احْتَجَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَلَوْ عَلِمَهُ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا كَالْبِنَاءِ وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَيْهَا وَلَا يَجِدُ كُلُّ أَحَدٍ مُتَبَرِّعًا بِهَا، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا كَالرَّضَاعِ (وَيُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَكْلُ أُجْرَتِهِ كَ) مَا يُكْرَهُ لِلْحُرِّ (أَخْذُ) أَيْ أَكْلُ (مَا أَعْطَاهُ) الْمُحْتَجِمُ (بِلَا شَرْطٍ) وَيُطْعِمُهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ:«أَطْعِمْهُ نَاضِحَكَ وَرَقِيقَكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، فَدَلَّ عَلَى إبَاحَتِهِ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُطْعِمَ رَقِيقَهُ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ فَإِنَّ الرَّقِيقَ آدَمِيٌّ يُمْنَعُ مِمَّا يُمْنَعُ مِنْهُ الْحُرُّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ خَبِيثًا التَّحْرِيمُ فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَدْ سَمَّى الْبَصَلَ وَالثُّومَ خَبِيثَيْنِ مَعَ إبَاحَتِهِمَا وَخَصَّ الْحُرَّ بِذَلِكَ تَنْزِيهًا لَهُ.
(وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُ لِحَلْقِ الشَّعَرِ) الْمَطْلُوبِ أَوْ الْمُبَاحِ أَخْذُهُ (وَ) لِ (تَقْصِيرِهِ وَلِخِتَانٍ وَقَطْعِ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى قَطْعِهِ لِنَحْوِ أَكْلِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ وَلَا يُكْرَهُ أَكْلُ أُجْرَتِهِ وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» يَعْنِي بِالْحِجَامَةِ كَمَا نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ، وَكَمَا لَوْ كَسَبَ
بِصِنَاعَةٍ أُخْرَى.
(وَمَعَ عَدَمِهَا) أَيْ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى قَطْعِ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ (يَحْرُمُ) الْقَطْعُ (وَلَا يَصِحُّ) الِاسْتِئْجَارُ لَهُ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَنْعَ الشَّرْعِيَّ كَالْحِسِّيِّ قُلْت وَمِثْلُهُ حَلْقُ اللِّحْيَةِ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ لَهُ.
(وَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ) الْأَرْمَدُ (كَحَّالًا لِيُكَحِّلَ عَيْنَيْهِ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ جَائِزٌ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ (وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ) دُونَ الْبُرْءِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ (وَيَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ عَدَدِ مَا يُكَحِّلُهُ كُلَّ يَوْمٍ) فَيَقُولُ (مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ كَحَّلَهُ فِي الْمُدَّةِ فَلَمْ يَبْرَأْ اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ) لِأَنَّهُ وَفَّى بِالْعَمَلِ.
(وَإِنْ بَرِئَ) الْأَرْمَدُ (فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الْمُدَّةِ (انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ) مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (وَكَذَا لَوْ مَاتَ) الْأَرْمَدُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ لِمَا مَرَّ، وَيَسْتَحِقُّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِالْقِسْطِ.
(فَإِنْ امْتَنَعَ الْمَرِيضُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ إتْمَامِ الْكُحْلِ (مَعَ بَقَاءِ الْمَرَضِ اسْتَحَقَّ الطَّبِيبُ الْأُجْرَةَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ) لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ وَقَدْ بَذَلَ الْأَجِيرُ مَا عَلَيْهِ (فَإِنْ قَدَّرَهَا) أَيْ الْمُدَّةَ (بِالْبُرْءِ لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ (إجَارَةً وَلَا جِعَالَةً) لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يَنْضَبِطُ (وَيَأْتِي) أَيْضًا (فِي الْجِعَالَةِ) .
، (وَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ) الْمَرِيضُ (طَبِيبًا لِمُدَاوَاتِهِ وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْكَحَّالِ) .
(إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ الدَّوَاءِ عَلَى الطَّبِيبِ) بِخِلَافِ الْكُحْلِ، يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْكَحَّالِ، وَيَدْخُلُ تَبَعًا لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَجَرْيِ الْعَادَةِ بِهِ فِي الْكَحِيلِ دُونَ الدَّوَاءِ.
وَيَمْلِكُ الْأُجْرَةَ وَلَوْ أَخْطَأَ فِي تَطْبِيبِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ قَالَ: وَيَلْزَمُهُ مَا الْعَادَةُ أَنْ يُبَاشِرَهُ مِنْ وَصْفِ الْأَدْوِيَةِ وَتَرْكِيبِهَا وَعَمَلِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، عَادَتُهُ تَرْكِيبُهَا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حُقْنَةٍ وَفَصْدٍ وَنَحْوِهِمَا إنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُبَاشِرَهُ وَإِلَّا فَلَا.
(وَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَقْلَعُ لَهُ ضِرْسَهُ) عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى قَلْعِهِ (فَإِنْ أَخْطَأَ فَقَلَعَ غَيْرَ مَا أُمِرَ بِقَلْعِهِ ضَمِنَهُ) لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ وَلَا فَرْقَ فِي ضَمَانِهَا بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ إلَّا فِي الْقِصَاصِ وَعَدَمِهِ (وَإِنْ بَرِئَ الضِّرْسُ قَبْلَ قَلْعِهِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ) لِأَنَّ قَلْعَهُ لَا يَجُوزُ (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ الْمَرِيضِ (فِي بُرْئِهِ) أَيْ الضِّرْسِ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ) الضِّرْسُ (لَكِنْ امْتَنَعَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ قَلْعِهِ لَمْ يُجْبَرْ) عَلَى قَلْعِهِ لِأَنَّهُ إتْلَافُ جُزْءٍ مِنْ الْآدَمِيِّ مُحَرَّمٍ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ إذَا صَارَ بَقَاؤُهُ ضَرَرًا، وَذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَى كُلِّ إنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ إذَا كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ وَصَاحِبُ الضِّرْسِ أَعْلَمُ بِمَضَرَّتِهِ وَنَفْعِهِ وَقَدْرِ أَلَمِهِ.