الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[بَابُ اللَّقِيطِ]
ِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَقَتِيلٍ وَجَرِيحٍ، وَالْأُنْثَى لَقِيطَةٌ (وَهُوَ) أَيْ: اللَّقِيطُ (طِفْلٌ) لَا مُمَيِّزَ (لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ وَلَا) يُعْرَفُ (رِقُّهُ، نُبِذَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: طُرِحَ فِي شَارِعٍ أَوْ بَابِ مَسْجِدٍ، وَنَحْوِهِ (أَوْ ضَلَّ) الطَّرِيقَ مَا بَيْنَ وِلَادَتِهِ (إلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فَقَطْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَقِيلَ: وَالْمُمَيِّزُ) لَقِيطٌ أَيْضًا (إلَى الْبُلُوغِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ) قَالَهُ فِي التَّنْقِيحِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: هَذَا الْمَذْهَبُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُمَيِّزَ: يَكُونُ لَقِيطًا،؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا الْتَقَطَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مَعًا مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ أُقْرِعَ وَلَمْ يُخَيَّرْ بِخِلَافِ الْأَبَوَيْنِ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ نُبِذَ أَوْ ضَلَّ طِفْلٌ مَعْرُوفُ النَّسَبِ أَوْ مَعْلُومُ الرِّقِّ فَرَفَعَهُ مَنْ يُعَرِّفُهُ أَوْ غَيْرُهُ فَهُوَ لَقِيطٌ لُغَةً لَا شَرْعًا (وَالْتِقَاطُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءُ نَفْسِهِ فَكَانَ وَاجِبًا كَإِطْعَامِهِ إذَا اضْطَرَّ، وَإِنْجَائِهِ مِنْ نَحْوِ غَرَقٍ فَلَوْ تَرَكَهُ جَمِيعُ مَنْ رَآهُ أَثِمُوا، وَيَحْرُمُ النَّبْذُ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ بِالْمَنْبُوذِ لِلتَّلَفِ.
(وَيُسْتَحَبَّ لِلْمُلْتَقِطِ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ) كَاللُّقَطَةِ، وَدَفْعًا لِنَفْسِهِ لِئَلَّا تُرَاوِدَهُ بِاسْتِرْقَاقِهِ (وَ) يُسْتَحَبُّ أَيْضًا لِلْمُلْتَقِطِ الْإِشْهَادُ (عَلَى مَا مَعَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ مِنْ مَالٍ صَوْنًا لِنَفْسِهِ عَنْ جَحْدِهِ.
(وَهُوَ) أَيْ: اللَّقِيطُ (حُرٌّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ) حَتَّى فِي قَذْفِ، وَقَوَدٍ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا، وَإِنَّمَا الرِّقُّ لِعَارِضٍ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ الْعَارِضُ فَلَهُ حُكْمُ الْأَصْلِ، وَهُوَ أَيْضًا (مُسْلِمٌ) لِظَاهِرِ الدَّارِ، وَتَغْلِيبِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَعْلُو، وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ.
(إلَّا أَنْ يُوجَدَ) اللَّقِيطُ (فِي بَلَدِ كُفَّارِ حَرْبٍ وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ) أَيْ: فِي بَلَدِ الْحَرْبِ (أَوْ فِيهِ مُسْلِم كَتَاجِرٍ، وَأَسِيرٍ فَكَافِرٌ رَقِيقٌ) ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ كَانَ أَهْلُهَا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا قَلِيلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ الدَّارِ لَهُمْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ سَاكِنٌ فَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْحَارِثِيُّ فَقَالَ: مَثَّلَ الْأَصْحَابَ فِي الْمُسْلِمِ هُنَا بِالتَّاجِرِ، وَالْأَسِيرِ، وَاعْتَبَرُوا
إقَامَتَهُ زَمَنًا، حَتَّى صَرَّحَ فِي التَّلْخِيصِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُرُورُهُ مُسَافِرًا (فَإِنْ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ) فِي دَارِ الْحَرْبِ (فَ) اللَّقِيطُ مُسْلِمٌ قُلْتُ حُرٌّ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ وُجِدَ) اللَّقِيطُ (فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي بَلَدٍ كُلُّ أَهْلِهَا) أَهْلُ (ذِمَّةٍ فَكَافِرٌ) ؛ لِأَنَّ تَغْلِيبَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَهَذِهِ لَا مُسْلِمَ فِيهَا يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مِنْهُ وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ مُسْلِمٍ يَكْتُمُ إيمَانَهُ.
(وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: بَلَدِ الْإِسْلَامِ الَّذِي كَانَ كُلُّ أَهْلِهِ أَهْلَ ذِمَّةٍ (مُسْلِمٌ) وَلَوْ وَاحِدًا (فَ) اللَّقِيطُ (مُسْلِمٌ إنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمُسْلِمِ بِهَا تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ وَلِظَاهِرِ الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَنْ قُلْنَا بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ حَتَّى صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ، فَمُسْلِمٌ.
(وَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ عَلَى مُلْتَقِطِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ (وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ " وَجَدْتُ مَلْقُوطًا فَأَتَيْتُ بِهِ عُمَرَ رضي الله عنه فَقَالَ عَرِيفِي: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ هُوَ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَاذْهَبْ هُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ أَوْ رَضَاعُهُ ".
(فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِكَوْنِهِ لَا مَالَ فِيهِ أَوْ لِكَوْنِ الْبَلَدِ لَيْسَ بِهَا بَيْتُ مَالٍ، وَنَحْوِهِ (اقْتَرَضَ حَاكِمٌ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِهِ مُتَبَرِّعٌ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بِدُونِ مِنَّةٍ تَلْحَقُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَشْبَهَ الْأَخْذَ لَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى الْحَاكِمِ الِاقْتِرَاضُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ كَانَ لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ مِنْهُ (فَعَلَى مَنْ عَلِمَ الْإِنْفَاقُ) عَلَيْهِ (مَجَّانًا) لِلْأَمْرِ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ، وَالتَّقْوَى، وَبِالْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ؛ وَلِأَنَّهُ إحْيَاءُ مَعْصُومٍ، وَإِنْقَاذٌ لَهُ مِنْ التَّلَفِ، فَوَجَبَ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ (وَلَا يَرْجِعُ) الْمُنْفِقُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ (لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ) إذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ سَقَطَتْ عَنْ الْبَاقِينَ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَإِنْ تَرَكَ الْكُلُّ أَثِمُوا؛ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِلْمُوَاسَاةِ فَهِيَ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَقِرَى الضَّيْفِ.
(وَإِنْ اقْتَرَضَ الْحَاكِمُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ) أَيْ: اللَّقِيطِ (ثُمَّ بَانَ رَقِيقًا أَوْ لَهُ أَبٌ مُوسِرٌ رَجَعَ) الْحَاكِمُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى سَيِّدِ الرَّقِيقِ، وَأَبِي الْحُرِّ الْمُوسِرِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ حِينَئِذٍ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمَا قُلْتُ: وَقِيَاسُ الْأَبِ وَارِثُ مُوسِرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ.
(فَإِنْ) اقْتَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَى اللَّقِيطَ وَ (لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَحَدٌ) تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ (وَفَّى) الْحَاكِمُ مَا اقْتَرَضَهُ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ حِينَئِذٍ وَاجِبَةٌ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ لِلَّقِيطِ مَالٌ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ لِمَانِعٍ أَوْ يَنْتَظِرُ حُصُولَهُ مِنْ وَقْفٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلِمَنْ
أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَنِيٌّ عَنْ مَالِ الْغَيْرِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْحَارِثِيِّ وَقَالَ، وَإِذَا أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ نَفَقَةَ الْمِثْلِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ لِيَرْجِعَ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَقَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: وَإِنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ أَحَدٌ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ إذَا أَيْسَرَ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ لَزِمَ اللَّقِيطَ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ قَصْدًا بِالْمَعْرُوفِ، وَبِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ فَقَالَ أَحْمَدُ: يُؤَدِّي النَّفَقَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
(الْمَالِ وَمَا وُجِدَ مَعَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِنْ فِرَاشٍ تَحْتَهُ) كَوِطَاءٍ، وَبِسَاطٍ، وَوِسَادَةٍ، وَسَرِيرٍ (أَوْ ثِيَابٍ) أَوْ حُلِيٍّ أَوْ غِطَاءٍ عَلَيْهِ (أَوْ مَالٍ فِي جَيْبِهِ أَوْ تَحْتَ فِرَاشِهِ) أَوْ وِسَادَتِهِ (أَوْ مَدْفُونًا تَحْتَهُ طَرِيًّا أَوْ) وُجِدَ (مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ كَثَوْبٍ مَوْضُوعٍ إلَى جَانِبِهِ أَوْ حَيَوَانٍ مَشْدُودٍ بِثِيَابِهِ فَهُوَ لَهُ) ، وَكَذَا مَا طُرِحَ فَوْقَهُ أَوْ رُبِطَ بِهِ أَوْ بِثِيَابِهِ أَوْ سَرِيرِهِ، وَمَا بِيَدِهِ مِنْ عَنَانِ دَابَّةٍ أَوْ مَرْبُوطٍ عَلَيْهَا أَوْ مَرْبُوطَةٍ بِهِ أَوْ بِثِيَابِهِ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَهُ كَالْمُكَلَّفِ، وَيُمْنَعُ الْتِقَاطُهُ بِدُونِ الْتِقَاطِ الْمَالِ الْمَوْجُودِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمَالِ، وَمَالِكِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) اللَّقِيطُ (فِي خَيْمَةٍ) أَوْ نَحْوِهَا (أَوْ دَارٍ فَهِيَ لَهُ) إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ بَالِغٌ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَهُوَ بِهِ أَخَصُّ إضَافَةً لِلْحُكْمِ إلَى أَقْوَى السَّبَبَيْنِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّقِيطِ ضَعِيفَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى يَدِ الْبَالِغِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَقِيطًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَاءِ يَدِهِمَا إلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، فَيَعْمَلَ بِهَا، وَمَا وُجِدَ بَعِيدًا عَنْهُ أَوْ مَدْفُونًا تَحْتَهُ غَيْرَ طَرِيٍّ فَلُقَطَةٌ.
(وَأَوْلَى النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ) وَاجِدُهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ إلَيْهِ، فَكَانَ أَوْلَى بِهِ، (وَ) أَوْلَى النَّاسِ بِ (حِفْظِ مَالِهِ وَاجِدُهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ (إنْ كَانَ أَمِينًا) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه (مُكَلَّفًا) ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَلِي أَمْرَ نَفْسِهِ فَلَا يَلِي أَمْرَ غَيْرِهِ (رَشِيدًا) ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى (حُرًّا) تَامَّ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْقِنِّ، وَالْمُدَبَّرِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ مَنَافِعُهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِسَيِّدِهِ فَلَا يَصْرِفُهَا فِي غَيْرِ نَفْعِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَالِهِ وَلَا مَنَافِعِهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (عَدْلًا) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه أَقَرَّ اللَّقِيطَ فِي يَدِ أَبِي جَمِيلَةَ حِينَ قَالَ لَهُ عَرِيفُهُ " إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ " (وَلَوْ) كَانَ (ظَاهِرًا) أَيْ: لَمْ تُعْلَمْ عَدَالَتُهُ بَاطِنًا كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَالشَّهَادَةِ فِيهِ، وَأَكْثَرُ الْأَحْكَامِ.
(وَلَهُ) أَيْ: لِوَاجِدِهِ الْمُتَّصِفِ بِمَا تَقَدَّمَ (الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِمَّا وُجِدَ مَعَهُ بِغَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ بِخِلَافِ مَنْ أَوْدَعَ مَالًا، وَغَابَ وَلَهُ وَلَدٌ فَلَا يُنْفِقُ الْوَدِيعُ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ بَلْ تَقُومُ امْرَأَتُهُ إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَأْمُرَهُ بِالْإِنْفَاقِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى نَظَرِ
الْحَاكِمِ.
(الْحَاكِمُ وَالْمُسْتَحَبُّ) لِوَاجِدِ اللَّقِيطِ الْإِنْفَاقُ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْحَاكِمِ (إنْ وُجِدَ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ، وَأَقْطَعُ مِنْ الظِّنَّةِ، وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ، وَحِفْظٌ لِمَالِهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ.
(وَيَنْبَغِي) لِوَلِيِّ اللَّقِيطِ (أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ كَ) وَلِيِّ (الْيَتِيمِ فَإِنْ بَلَغَ اللَّقِيطُ وَاخْتَلَفَا) أَيْ: اللَّقِيطُ مَثَلًا وَوَاجِدُهُ (فِي قَدْرِ مَا أَنْفَقَ) وَاجِدُهُ عَلَيْهِ فَقَوْلُ الْمُنْفِقِ بِيَمِينِهِ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي التَّفْرِيطِ فِي الْإِنْفَاقِ) بِأَنْ قَالَ اللَّقِيطُ: أَنْفَقْتَ فَوْقَ الْمَعْرُوفِ الْمَعْرُوفِ وَأَنْكَرَهُ وَاجِدُهُ (فَقَوْلُ الْمُنْفِقِ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ.
(وَلَهُ) أَيْ: وَاجِدِ اللَّقِيطِ (قَبُولُ هَدِيَّةٍ لَهُ) مَثَلًا وَهِبَةٍ (وَصَدَقَةٍ) وَوَصِيَّةٍ وَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ؛ وَلِأَنَّ الْقَبُولَ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ، فَكَانَ لَهُ كَحِفْظِهِ، وَتَرْبِيَتِهِ قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ تَجِبُ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِاللَّقِيطِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ فِيمَا إذَا وُهِبَ لِلْيَتِيمِ رَحْمَةً أَنَّهُ يَجِبُ الْقَبُولُ إنْ لَمْ تَلْزَمْ نَفَقَتُهُ، وَإِنَّمَا عَبَّرُوا بِاللَّامِ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ لِلْحَاكِمِ.
(وَلَا يُقَرُّ) اللَّقِيطُ (بِيَدِ صَبِيٍّ، وَ) لَا بِيَدِ (مَجْنُونٍ، وَ) لَا بِيَدِ (سَفِيهٍ، وَ) لَا بِيَدِ (فَاسِقٍ) ظَاهِرِ الْفِسْقِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) يُقَرُّ أَيْضًا بِيَدِ (كَافِرٍ وَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ) لِانْتِفَاءِ وِلَايَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَا يُؤْمَنُ فِتْنَتُهُ فِي الدِّينِ (وَلَا) يُقَرُّ اللَّقِيطُ أَيْضًا (بِيَدِ رَقِيقٍ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ) لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْحَضَانَةِ، وَالْوِلَايَةِ عَلَى الْأَحْرَارِ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الْقِنِّ (الْتِقَاطُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةِ لِلسَّيِّدِ (إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ) الرَّقِيقُ مَنْ يَلْتَقِطُهُ فَيَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ (الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّهُ تَخْلِيصٌ لَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِنْ الْهَلَكَةِ) ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ لِانْحِصَارِهِ فِيهِ.
(فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ) فِي الْتِقَاطِهِ (فَهُوَ نَائِبُهُ) فَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْتِقَاطَهُ إذَنْ لِلسَّيِّدِ، وَالْعَبْدُ نَائِبٌ عَنْهُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ الرُّجُوعُ فِي الْإِذْنِ (وَالْمُدَبَّرُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ) بِصِفَةٍ (وَالْمُكَاتَبُ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ كَالْقِنِّ) لِقِيَامِ الرِّقِّ.
(وَلَا يُقَرُّ) اللَّقِيطُ (بِيَدِ بَدَوِيٍّ يَتَنَقَّلُ فِي الْمَوَاضِعِ) ؛ لِأَنَّهُ إتْعَابٌ لِلطِّفْلِ بِتَنَقُّلِهِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ، وَيُدْفَعُ إلَى مَنْ فِي قَرْيَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَهُ لَهُ، وَأَخَفُّ عَلَيْهِ.
(وَلَا) يُقَرُّ أَيْضًا بِيَدِ (مَنْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ وَأَرَادَ نَقْلَهُ إلَى الْبَادِيَةِ) ؛ لِأَنَّ مُقَامَهُ فِي الْحَضَرِ أَصْلَحُ لَهُ فِي دِينِهِ، وَدُنْيَاهُ، وَأَرْفَهُ لَهُ، وَأَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ، وَظُهُورِ أَهْلِهِ.
(فَإِنْ الْتَقَطَهُ فِي الْبَادِيَةِ مُقِيمٌ فِي حِلَّةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ بُيُوتٌ مُجْتَمِعَةٌ لِلِاسْتِيطَانِ أُقِرَّ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْحِلَّةَ كَالْقَرْيَةِ فِي كَوْنِ أَهْلِهَا لَا تَرْحَلُ لِطَلَبِ الْمَاءِ، وَالْكَلَإِ.
، (وَأَرَادَ) أَيْ:، وَأَرَادَ وَاجِدُ اللَّقِيطِ بِبَادِيَةٍ (النُّقْلَةَ) بِهِ (إلَى الْحَضَرِ أُقِرَّ) اللَّقِيطُ (مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ.
، (وَيَصِحُّ) أَيْ: يَجُوزُ (الْتِقَاطُ ذِمِّيٍّ لِذِمِّيٍّ، وَيُقَرُّ)
الذِّمِّيُّ (بِيَدِهِ) أَيْ: الذِّمِّيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 73] .
(وَلَوْ الْتَقَطَ) اللَّقِيطَ (الْكَافِرَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ فَهُمَا سَوَاءٌ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الِالْتِقَاطِ وَلِلْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ الْوِلَايَةُ (وَقِيلَ الْمُسْلِمُ أَحَقُّ اخْتَارَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّاظِمِ قَالَ الْحَارِثِيُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ بِلَا تَرَدُّدٍ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْمُسْلِمِ يَنْشَأُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيَتَعَلَّمُ شَرَائِعَ الدِّينِ فَيَفُوزُ بِالسَّعَادَةِ الْكُبْرَى.
(وَإِنْ الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ النُّقْلَةَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ) لَمْ يُقَرَّ بِيَدِهِ (أَوْ) الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ النُّقْلَةَ (مِنْ بَلَدٍ إلَى قَرْيَةٍ أَوْ مِنْ مَحَلَّةٍ إلَى مَحَلَّةٍ) أَيْ: مِنْ حِلَّةٍ إلَى حِلَّةٍ (لَمْ يُقَرَّ بِيَدِهِ) ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي بَلَدِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ أَوْ حِلَّتِهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ، وَكَالْمُنْتَقِلِ بِهِ إلَى الْبَادِيَةِ (مَا لَمْ يَكُنِ الْبَلَدُ الَّذِي كَانَ فِيهِ) وَاجِدُ اللَّقِيطِ (وَبِيئًا) أَيْ:، وَخِيمًا (كَغَوْرِ بَيْسَانَ) بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ يَلِيهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ سِينٌ مُهْمَلَةٌ بَلَدٌ بِأَرْضِ الشَّامِ (وَنَحْوِهِ) كَالْجُحْفَةِ فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ وَبِيئًا أُقِرَّ اللَّقِيطُ بِيَدِ الْمُنْتَقِلِ عَنْهُ إلَى بَلَدٍ لَا وَبَاءَ بِهِ أَوْ دُونَهُ فِي الْوَبَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ.
وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِهِ لِغَيْرِ نُقْلَةٍ، فَإِنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ، وَظَهَرَتْ أَمَانَتُهُ أُقِرَّ بِيَدِهِ، وَإِنْ كَانَ مَسْتُورَ الْحَالِ فَفِيهِ وَجْهَانِ (وَحَيْثُ يُقَالُ بِانْتِزَاعِهِ) أَيْ: اللَّقِيطِ مِنْ الْمُلْتَقِطِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَائِلِ (فَإِنَّمَا ذَلِكَ) الِانْتِزَاعُ (عِنْدَ وُجُودِ الْأَوْلَى بِهِ) مِنْ الْمُلْتَقِطِ (فَأَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ) أَوْلَى مِنْهُ (فَإِقْرَارُهُ فِي يَدِهِ أَوْلَى كَيْفَ كَانَ) لِرُجْحَانِهِ بِالسَّبْقِ إلَيْهِ.
(وَيُقَدَّمُ مُوسِرٌ وَمُقِيمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ إذَا الْتَقَطَاهُ) أَيْ: الْمُوسِرُ، وَضِدُّهُ أَوْ الْمُقِيمُ، وَضِدُّهُ (مَعًا عَلَى ضِدِّهِمَا) فَيُقَدَّمُ الْمُوسِرُ عَلَى الْمُعْسِرِ؛ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لِلَّقِيطِ، وَيُقَدَّمُ الْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِاللَّقِيطِ.
(فَإِنْ تَسَاوَيَا) أَيْ: الْمُلْتَقِطَانِ فِي الْيَسَارِ أَوْ الْإِقَامَةِ (الْإِقَامَةِ وَتَشَاحَّا) بِأَنْ لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ، وَتَسْلِيمِ اللَّقِيطِ إلَى صَاحِبِهِ (أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44] ؛ وَلِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا، وَالْحَضَانَةُ لَا تَتَبَعَّضُ، وَالْمُهَايَأَةُ فِيهَا إضْرَارٌ بِالطِّفْلِ؛ لِأَنَّهُ تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الْأَغْذِيَةُ، وَالْأُنْسُ، وَالْإِلْفُ (وَالْبَلَدِيُّ، وَالْكَرِيمُ، وَظَاهِرُ الْعَدَالَةِ، وَضِدُّهُمْ) أَيْ: الْبَلَدِيِّ، وَالْقَرَوِيِّ سَوَاءٌ، وَالْكَرِيمُ، وَالْبَخِيلُ سَوَاءٌ، وَظَاهِرُ الْعَدَالَةِ، وَمَسْتُورُهَا سَوَاءٌ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْأَهْلِيَّةِ (وَالرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ سَوَاءٌ) فَلَا تُقَدَّمُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّهُمَا أَجْنَبِيَّانِ عَنْ الطِّفْلِ فَيَسْتَوِيَانِ فِيهِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ فِي الْحَضَانَةِ لِقَرَابَتِهَا الْمُقْتَضِيَةِ لِلشَّفَقَةِ، وَكَوْنُ الرَّجُلِ إنَّمَا يُحْضَنُ بِأَجْنَبِيَّةٍ.
(بِأَجْنَبِيَّةٍ وَالشَّرِكَةُ فِي الِالْتِقَاطِ أَنْ يَأْخُذَاهُ جَمِيعًا) أَيْ: مَعًا (وَوَضْعُ
الْيَدِ عَلَيْهِ كَالْأَخْذِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْقِيَامِ الْمُجَرَّدِ) عَنْ الْأَخْذِ، وَوَضْعِ الْيَدِ (عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ اللَّقِيطِ؛ لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَخْذِ، وَفِي مَعْنَاهُ وَضْعُ الْيَدِ فَلَا يُوجَدُ بِدُونِهِمَا.
(إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ) الْمُلْتَقِطُ (لِلْغَيْرِ بِأَمْرِهِ فَالْمُلْتَقِطُ هُوَ الْآمِرُ فِي قَوْلِ) مَنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ التَّوْكِيلِ فِي الِالْتِقَاطِ (وَالْآخِذُ نَائِبٌ عَنْهُ) أَيْ: الْآمِرِ فَهُوَ كَاسْتِنَابَتِهِ فِي أَخْذِ الْمُبَاحِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوِكَالَةِ لَا تَصِحُّ فِي الِالْتِقَاطِ فَالْمُلْتَقِطُ هُوَ الْآخِذُ لَا الْآمِرُ.
(فَإِنْ نَوَى) الْمَأْمُورُ (أَخْذَهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) وَلَوْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْوِكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ بِنِيَّةِ أَخْذِهِ لِنَفْسِهِ عَزَلَ نَفْسَهُ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمُلْتَقِط مِنْهُمَا) بِأَنْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الَّذِي الْتَقَطَهُ وَحْدَهُ (قُدِّمَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ) بِهِ (سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ أَمْ فِي يَدِ غَيْرِهِ) إعْمَالًا لِبَيِّنَتِهِ (فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخِيًّا) ؛ لِأَنَّ الثَّانِي إنَّمَا أَخَذَ مِمَّنْ ثَبَتَ الْحَقُّ لَهُ قَالَ الْحَارِثِيُّ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّقِيطَ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ فَهُوَ كَالْمَالِ فَيَجْرِي فِيهِ مَا فِي بَيِّنَةِ الْمَالِ مِنْ رِوَايَةِ اعْتِبَارِ سَبْقِ التَّارِيخِ وَرِوَايَةِ تَسَاوِيهِمَا أَعْنِي: الْبَيِّنَتَيْنِ (فَإِنْ اتَّحَدَتَا تَارِيخًا أَوْ أُطْلِقَتَا أَوْ أُرِّخَتْ إحْدَاهُمَا، وَأُطْلِقَتْ الْأُخْرَى تَعَارَضَتَا، وَسَقَطَتَا) فَيَصِيرَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا لَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَكَدَعْوَى الْمَالِ فَتُقَدَّمَ بَيِّنَةُ خَارِجٍ.
(وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تُفِيدُ الْمِلْكَ فَأَوْلَى أَنْ تُفِيدَ الِاخْتِصَاصَ (فَإِنْ كَانَ) اللَّقِيطُ (فِي أَيْدِيهِمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) لِتَسَاوِيهِمَا فِي مُوجِبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَا سَبِيلَ إلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي كَفَالَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَمَنْ قَرَعَ) أَيْ: خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (سُلِّمَ إلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا يَدٌ فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا بِعَلَامَةٍ مَسْتُورَةٍ فِي جَسَدِهِ) بِأَنْ يَقُولَ: بِظَهْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ أَوْ كَتِفِهِ أَوْ فَخِذِهِ شَامَةٌ أَوْ أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ نَارٌ، وَنَحْوُهُ فَكُشِفَ، وَوُجِدَ كَمَا ذُكِرَ (قُدِّمَ) عَلَى مَنْ لَمْ يَصِفْهُ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ اللُّقَطَةِ فَقُدِّمَ بِوَصْفِهَا كَلُقَطَةِ الْمَالِ؛ وَلِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ يَدِهِ عَلَيْهِ (فَإِنْ وَصَفَاهُ جَمِيعًا) بِمَا تَقَدَّمَ (أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) لِانْتِفَاءِ الْمُرَجِّحِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنِ) اللَّقِيطُ (فِي أَيْدِيهِمَا وَلَا فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا وَلَا لِأَحَدِهِمَا وَلَا وَصَفَاهُ وَلَا) وَصَفَهُ أَحَدُهُمَا سَلَّمَهُ الْقَاضِي إلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُمَا وَلَا بَيِّنَةَ، فَاسْتَوَيَا، وَغَيْرُهُمَا فِيهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَنَازَعَاهُ وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: الْأَوْلَى أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا (وَلَا تَخْيِيرَ لِلصَّبِيِّ) إذْ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ بِخِلَافِ اخْتِيَارِهِ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ