الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَتِمَّةٌ " إذَا تَفَاسَخَا عَقْدَ الْهِبَةِ صَحَّ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَتَكُونُ الْعَيْنُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُتَّهَبِ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ.
[فَصْلٌ أَبْرَأَ غَرِيمٌ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ]
(فَصْلٌ وَإِنْ أَبْرَأَ غَرِيمٌ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ صَحَّ أَوْ تَصَدَّقَ) بِهِ عَلَيْهِ صَحَّ (أَوْ وَهَبَهُ لَهُ) صَحَّ (أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ) صَحَّ (أَوْ أَسْقَطَهُ عَنْهُ) صَحَّ (أَوْ تَرَكَهُ لَهُ) صَحَّ (أَوْ مَلَّكَهُ لَهُ) صَحَّ (أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ) صَحَّ (أَوْ عَفَا عَنْهُ صَحَّ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ) وَكَذَا لَوْ قَالَ أَعْطَيْتُكَهُ وَنَحْوَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ إبْرَاءً وَإِسْقَاطًا وَلَفْظُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَطِيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى مَعْنَى الْإِبْرَاءِ لِأَنَّهُ لَا عَيْنَ مَوْجُودَةٌ يَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَهُ دَيْنَهُ هِبَةً حَقِيقِيَّةً لَمْ يَصِحَّ لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ وَانْتِفَاءِ شَرْطِ الْهِبَةِ وَمِنْ هُنَا امْتَنَعَ هِبَتُهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَامْتَنَعَ إجْزَاؤُهُ عَنْ الزَّكَاةِ لِانْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ انْتَهَى وَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ بِالْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ.
(وَلَوْ كَانَ) الدَّيْنُ (الْمُبْرَأُ مِنْهُ مَجْهُولًا لَهُمَا) أَيْ: لِرَبِّ الدَّيْنِ وَالْمَدِينِ (أَوْ) كَانَ مَجْهُولًا (لِأَحَدِهِمَا وَسَوَاءٌ جَهِلَا قَدْرَهُ أَوْ) جَهِلَا (وَصْفَهُ أَوْ) جَهِلَا (هُمَا) أَيْ: الْقَدْرَ وَالْوَصْفَ، وَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الْمَجْهُولِ (وَلَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ) لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ فَيَنْفُذُ مَعَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ.
(أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ وَلَوْ (لَمْ يَقْبَلْهُ الْمَدِينُ) لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولٍ كَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَالشُّفْعَةِ (أَوْ رَدَّهُ) أَيْ: يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ وَلَوْ رَدَّهُ الْمَدِينُ لِأَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ بِالرَّدِّ لَلَزِمَ وُجُوبُ الِاسْتِيفَاءِ أَوْ إبْقَاءُ الْحَقِّ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ (أَوْ كَانَ) الْإِبْرَاءُ (قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ) لِأَنَّ تَأْجِيلَهُ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ فِي الذِّمَّةِ.
(وَإِنْ أَبْرَأَهُ وَنَحْوَهُ) بِأَنْ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ تَرَكَهُ لَهُ (وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ) كَقَوْلِهِ أَبْرَأْتُكَ مِنْ مِائَةٍ يَعْتَقِدُ عَدَمَهَا (ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ) كَانَ لَهُ (عَلَيْهِ) صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ لِمُصَادِفَتِهَا الْحَقَّ (كَمَا تَصِحُّ) الْبَرَاءَةُ (مِنْ الْمَعْلُومِ) وَكَذَا لَوْ أَبْرَأَ مِنْ دَيْنِ أَبِيهِ مَعَ ظَنِّ أَنَّهُ حَيٌّ فَبَانَ مَيِّتًا، كَبَيْعِ مَالِ مُوَرِّثِهِ الْمَيِّتِ مَعَ ظَنِّ الْحَيَاةِ (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ (عُمُومُهُ) أَيْ: عُمُومُ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ (فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ آخِرَ الْقَذْفِ، لَكِنْ لَوْ جَهِلَهُ رَبُّهُ)
أَيْ: الدَّيْنَ.
(وَعَلِمَهُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَكَتَمَهُ) الْمَدِينُ عَنْ رَبِّ الدَّيْنِ (خَوْفًا مِنْ أَنَّهُ) أَيْ: رَبَّ الدَّيْنِ (لَوْ عَلِمَهُ) أَيْ: الدَّيْنَ (لَمْ يُبْرِئْهُ) أَيْ: رَبُّ الدَّيْنِ مِنْهُ (لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ) لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا لِلْمُبْرِئِ وَقَدْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَإِنْ أَبْرَأهُ) أَيْ: أَبْرَأَ رَبُّ الدَّيْنِ مَدِينًا (مِنْ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ صَحَّ) الْإِبْرَاءُ (فِيهِ) أَيْ: الْأَلْفِ.
(وَفِيمَا دُونَهُ) أَيْ: دُونَ الْأَلْفِ.
(وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ قَبْلَ وُجُوبِهِ) لِقَوْلِهِ: صلى الله عليه وسلم «لَا طَلَاقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا عِتْقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ» وَالْإِبْرَاءُ فِي مَعْنَاهُمَا.
(وَمِنْ صُوَرِ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ) لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ دَيْنَانِ، وَ (أَبْرَأَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا) لَا بِعَيْنِهِ (أَوْ) كَانَ لَهُ دَيْنَانِ عَلَى شَخْصَيْنِ، وَ (أَبْرَأَ أَحَدَهُمَا) لَا بِعَيْنِهِ (وَيُؤْخَذُ) أَيْ: يُرْجَعُ إلَى الْمُبْرِئِ (بِالْبَيَانِ) قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَالْحَارِثِيُّ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ (وَ) الْمَذْهَبُ (لَا يَصِحُّ) الْإِبْرَاءِ (مَعَ إبْهَامِ الْمَحَلِّ، كَأَبْرَأْتُ أَحَدَ غَرِيمَيَّ) أَوْ مِنْ أَحَدِ دَيْنَيَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ، أَوْ ضَمِنْتُ لَكَ أَحَدَ الدَّيْنَيْنِ.
(وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ تَقْتَضِي وُجُودَ مُعَيَّنٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا (وَتَقَدَّمَ آخِرَ السَّلَمِ) .
(وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ مِنْ شَرِيكِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ مَنْقُولًا كَانَ) كَجُزْءٍ مِنْ نَحْوِ فَرَسٍ (أَوْ غَيْرِهِ) كَجُزْءٍ مِنْ عَقَارٍ (يَنْقَسِمُ) كَالثَّوْبِ (أَوْ لَا) كَالْعَبْدِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمَّا جَاءُوا يَطْلُبُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا غَنِمَ مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ» .
(وَإِنْ وَهَبَ) أَرْضًا (أَوْ تَصَدَّقَ) بِأَرْضٍ (أَوْ وَقَفَ) أَرْضًا (أَوْ وَصَّى بِأَرْضٍ) يَعْنِي بِجُزْءٍ مِنْهَا (أَوْ بَاعَهَا احْتَاجَ أَنْ يَحُدَّهَا مَالِكُهَا) بِأَنْ يَقُولَ كَذَا سَهْمًا مِنْ كَذَا سَهْمًا لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة صَالِحٍ: وَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ بَيْتٌ مُشَاعٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ فَتَصَدَّقَ أَحَدُهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ بِحِصَّتِهِ مُشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ إذَا كَانَ سَهْمٌ مِنْ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا فَهُوَ جَائِزٌ فَإِنْ قَالَ ثُلُثُهَا أَوْ نَحْوُهُ صَحَّ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَسُئِلَ عَمَّنْ يَهَبُ لِرَجُلٍ رُبُعَ دَارِهِ قَالَ: هُوَ جَائِزٌ وَأَيْضًا قِيلَ لَهُ: وَهَبْتُ مِنْكَ نَصِيبِي مِنْ الدَّارِ قَالَ إنْ كَانَ يَعْلَمُ كَمْ نَصِيبَهُ فَهُوَ جَائِزٌ.
(وَيُعْتَبَرُ لِقَبْضِهِ) أَيْ: الْمُشَاعِ إنْ كَانَ مَنْقُولًا (إذْنُ الشَّرِيكِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ إلَّا بِقَبْضِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِجَوَازِ الْقَبْضِ لَا لِلُزُومِ الْهِبَةِ فَتَلْزَمُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ شَرِيكُهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ (وَتَقَدَّمَ آخِرَ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ) مُفَصَّلًا.
(وَيَكُونُ نِصْفُهُ) أَيْ: الْقَابِضِ (مَقْبُوضًا تَمَلُّكًا وَنِصْفُ الشَّرِيكِ) مَقْبُوضًا (أَمَانَةً) هَذَا إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ فِي نِصْفِهِ وَلَوْ عَبَّرَ بِنَصِيبِهِ لَكَانَ أَوْضَحَ فَإِنْ أَبَى
الشَّرِيكُ أَنْ يُسَلِّمَ نَصِيبَهُ قِيلَ لِلْمُتَّهَبِ: وَكِّلْ الشَّرِيكَ فِي قَبْضِهِ لَكَ وَنَقْلِهِ فَإِنْ أَبَى نَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا فَيَنْقُلُهُ فَيَحْصُلُ الْقَبْضُ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الشَّرِيكِ فِي ذَلِكَ.
(وَإِنْ أَذِنَ) شَرِيكُهُ (لَهُ فِي التَّصَرُّفِ) أَيْ: الِانْتِفَاعِ (مَجَّانًا فَكَعَارِيَّةٍ) فِي ضَمَانِهِ إذَا تَلِفَ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ (وَإِنْ كَانَ) أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ (بِأُجْرَةٍ فَ) إنَّ شِقْصَهُ يَكُونُ فِي يَدِ الْقَابِضِ أَمَانَةً (كَمَأْجُورٍ) فَلَا ضَمَانَ فِيهِ إنْ تَلِفَ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ وَلَوْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مَجْهُولَةً كَأَنْ اسْتَعْمَلَهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مَثَلًا بِقَصْدِ الْمُعَاوَضَةِ لِأَنَّ فَاسِدَ الْعُقُودِ كَصَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ تَصَرَّفَ) الشَّرِيكُ (بِلَا إذْنِ) شَرِيكِهِ (وَالْإِجَارَةُ) فَكَغَاصِبٍ (أَوْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ فَكَغَاصِبٍ) لِأَنَّ يَدَهُ عَادِيَةٌ.
(وَتَصِحُّ هِبَةُ مُصْحَفٍ) وَإِنْ قِيلَ بِمَنْعِ بَيْعِهِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
(وَ) هِبَةُ (كُلِّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فَقَطْ) لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ فَصَحَّتْ فِيمَا صَحَّ فِيهِ الْبَيْعُ وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَاخْتَارَ جَمْعٌ وَكَلْبٌ) أَيْ: تَصِحُّ هِبَتُهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي (وَنَجَاسَةٌ مُبَاحٌ نَفْعُهُمَا) أَيْ: الْكَلْبِ وَالنَّجَاسَةِ جَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ وَالشَّارِحُ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ أَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ بِهِ قَالَ فِي الْقَاعِدَة السَّابِعَةِ وَالثَّمَانِينَ وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَاضِي وَصَاحِبِ الْمُغْنِي خِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ نَقْلَ الْيَدِ فِي هَذِهِ الْأَعْيَانِ جَائِزٌ كَالْوَصِيَّةِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
(وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ مَجْهُولٍ لَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ كَالْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ) لِلْجَهَالَةِ وَتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ (وَمَتَى أَذِنَ) رَبُّ شَاةٍ (لَهُ) أَيْ: لِإِنْسَانٍ (فِي جَزِّ الصُّوفِ وَحَلْبِ الشَّاةِ كَانَ إبَاحَةً) لِصُوفِهَا وَلَبَنِهَا لَا هِبَةً.
(وَإِنْ وَهَبَ دُهْنَ سِمْسِمِهِ) وَهُوَ الشَّيْرَجَ قَبْلَ عَصْرِهِ (أَوْ زَيْتَ زَيْتُونِهِ أَوْ جِفْتِهِ قَبْلَ عَصْرِهِمَا) أَيْ: الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ (لَمْ يَصِحَّ) كَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَأَوْلَى لِكُلْفَةِ الِاعْتِصَارِ وَلَوْ قَالَ خُذْ مِنْ هَذَا الْكِيسِ مَا شِئْتَ كَانَ لَهُ أَخْذُ مَا بِهِ جَمِيعًا.
(وَلَوْ قَالَ خُذْ مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ مَا شِئْتَ لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَهَا كُلَّهَا) إذْ الْكِيسُ ظَرْفٌ فَإِذَا أَخَذَ الظَّرْفَ حَسُنَ أَنْ يُقَالَ أَخَذَ مِنْ الْكِيسِ مَا فِيهِ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ كُلِّهَا قَالَهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ فِي النَّوَادِرِ (وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَعْدُومِ كَاَلَّذِي تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ) لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا يُقْبَلُ الْعَقْدُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ عِلْمُ الْمَجْهُولِ) كَزَيْتٍ اخْتَلَطَ بِزَيْتٍ أَوْ شَيْرَجٍ (صَحَّتْ هِبَةٌ كَصُلْحٍ) عَنْهُ لِلْحَاجَةِ.
(وَلَا) تَصِحُّ (هِبَةُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ) كَآبِقٍ، وَشَارِدٍ، وَطَيْرٍ فِي الْهَوَاءِ، وَسَمَكٍ بِمَاءٍ، وَمَرْهُونٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَأَهَّلُ لِلْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ مِنْ مَاهِيَّةِ الْعَقْدِ فَلَا يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ وَالْمَرْهُونُ
يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُهُ شَرْعًا.
(وَ) لَا يَصِحُّ (تَعْلِيقُهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ) كَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ قَدِمَ فُلَانٌ فَقَدْ وَهَبْتُكَ كَذَا قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِأُمِّ سَلَمَةَ فِي الْحُلَّةِ الْمُهْدَاةِ إلَى النَّجَاشِيِّ: «إنْ رَجَعَتْ إلَيْنَا فَهِيَ لَكِ» قَالَ الْمُوَفَّقُ عَلَى مَعْنَى الْعِدَةِ وَخَرَجَ بِالْمُسْتَقْبَلِ الْمَاضِي وَالْحَالِ فَلَا يَمْنَعُ التَّعْلِيقُ عَلَيْهِ الصِّحَّةَ كَأَنْ كَانَتْ مِلْكِي وَنَحْوَهُ فَقَدْ وَهَبْتُكَهَا فَتَصِحُّ (غَيْرِ الْمَوْتِ) فَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعَطِيَّةِ بِهِ وَتَكُونُ وَصِيَّةً، وَكَالْهِبَةِ الْإِبْرَاءُ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ غَيْرِ الْمَوْتِ (نَحْوِ إنْ مِتَّ بِفَتْحِ التَّاءِ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ) فَلَا يَبْرَأُ (فَإِنْ ضَمَّ التَّاءَ صَحَّ) الْإِبْرَاءُ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ.
(وَكَانَ) الْإِبْرَاءُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (وَصِيَّةً) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ حَقِيقَةُ الْوَصِيَّةِ.
(وَلَا) يَصِحُّ أَيْضًا (شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (نَحْوَ) اشْتِرَاطِ الْوَاهِبِ عَلَى الْمُتَّهَبِ (أَنْ لَا يَبِيعَهَا) أَيْ: الْعَيْنَ الْمَوْهُوبَةَ (وَلَا يَهَبَهَا) وَأَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهَا (أَوْ) وَهَبَهُ عَيْنًا، وَ (يَشْرِطُ أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ يَهَبَهَا) فَلَا يَصِحُّ الشَّرْطُ إذْ مُقْتَضَى الْمِلْكِ التَّصَرُّفُ الْمُطْلَقُ فَالْحَجْرُ فِيهِ مُنَافٍ لِمُقْتَضَاهُ وَقَوْلُهُ (أَوْ) يَهَبُهُ شَيْئًا بِشَرْطِ (أَنْ يَهَبَ فُلَانًا شَيْئًا) تَبِعَ فِيهِ الْمُبْدِعَ وَغَيْرَهُ قُلْتُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ بُطْلَانُ الْهِبَةِ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وَتَصِحُّ هِيَ) أَيْ: الْهِبَةُ الْمَشْرُوطُ فِيهَا مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
(وَلَا يَصِحُّ تَوْقِيتُهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُكَ هَذَا سَنَةً) أَوْ شَهْرًا فَلَا تَصِحُّ لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ عَيْنٍ فَلَا تُوَقَّتَ كَالْبَيْعِ (إلَّا الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى) فَيَصِحَّانِ.
(وَهُمَا نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِبَةِ يَفْتَقِرَانِ إلَى مَا تَفْتَقِرُ إلَيْهِ سَائِرُ الْهِبَاتِ) مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ وَيَصِحُّ تَوْقِيتُهَا سُمِّيَتْ عُمْرَى لِتَقْيِيدِهَا بِالْعُمُرِ وَسُمِّيَتْ رُقْبَى لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ: أَعَمَرْتُهُ وَعَمَّرْتُهُ مُشَدَّدًا إذَا جَعَلْتُ لَهُ الدَّارَ مُدَّةَ عُمُرِهِ أَوْ عُمُرِكَ (كَقَوْلِهِ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ) أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ (الْفَرَسَ أَوْ) أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ (الْجَارِيَةَ أَوْ أَرْقَبْتُكَهَا) قَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ:
أَرْقَبْتُكَ أَعْطَيْتُكَ وَهِيَ هِبَةٌ تَرْجِعُ إلَى الْمُرْقِبِ إنْ مَاتَ الْمَرْقَبُ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ (أَوْ جَعَلْتُهَا) أَيْ: الدَّارَ أَوْ الْفَرَسَ أَوْ الْجَارِيَةَ (لَكَ عُمُرَكَ أَوْ) جَعَلْتُهَا لَكَ (عُمُرِي أَوْ) جَعَلْتُهَا لَكَ (رُقْبَى أَوْ) جَعَلْتُهَا لَكَ (مَا بَقِيتُ أَوْ أَعْطَيْتُكَهَا عُمُرَكَ وَيَقْبَلُهَا) الْمَوْهُوبُ لَهُ (فَتَصِحُّ) الْهِبَةُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَهِيَ أَمْثِلَةُ الْعُمْرَى (وَتَكُونُ) الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ (لِلْمُعْمَرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ) وَلِلْمُرْقَبِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ (إنْ كَانُوا) كَتَصْرِيحِهِ بِأَنْ يَقُولَ هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ: الْمَوْهُوبِ لَهُ.
(وَرَثَةٌ فَلِبَيْتِ الْمَالِ) كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُتَخَلِّفَةِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم -
: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ جَابِرٍ «قَضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ» ) وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَعَقِبِهِ» إنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ لَهُمْ بِنُفُوذِهَا بِدَلِيلِ السِّيَاقِ وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَةُ النَّهْيِ لَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِيهَا عَلَى فَاعِلِهَا وَمَا كَانَ كَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْهُ لَا يَقْتَضِي فَسَادًا كَالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ.
(وَإِنْ أَضَافَهَا) أَيْ: الْهِبَةَ (إلَى عُمُرِ غَيْرِهِ) بِأَنْ قَالَ وَهَبْتُكَ الدَّارَ وَنَحْوَهَا عُمُرَ زَيْدٍ (لَمْ تَصِحَّ) الْهِبَةُ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ وَلَيْسَتْ مِنْ الْعُمْرَى وَلَا الرُّقْبَى.
(وَنَصُّهُ لَا يَطَأُ) الْمَوْهُوبَ لَهُ (الْجَارِيَةَ الْمُعْمَرَةَ) نَقَلَ يَعْقُوبُ وَابْنُ هَانِئٍ مَنْ يَعْمُرُ الْجَارِيَةَ أَنْ يَطَأَ قَالَ لَا أَرَاهُ (وَحَمَلَ) الْقَاضِي النَّصَّ الْمَذْكُورَ (عَلَى الْوَرَعِ) لِأَنَّ الْوَطْءَ اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الْعُمْرَى وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ فَلَمْ يَرَ الْإِمَامُ لَهُ وَطْأَهَا لَهَذَا وَبَعَّدَ ابْنُ رَجَبٍ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ثُمَّ قَالَ وَالصَّوَابُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ بِالْعُمْرَى، قَاصِرٌ وَلِهَذَا نَقُولُ عَلَى رِوَايَةٍ إذَا شَرَطَ عَوْدَهَا إلَيْهِ بَعْدَهُ صَحَّ فَيَكُونُ تَمْلِيكًا مُؤَقَّتًا.
(وَإِنْ شَرَطَ) وَاهِبٌ (رُجُوعَهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (بِلَفْظِ الْأَقَارِبِ أَوْ غَيْرِهِ إلَى الْمُعْمِرِ بِكَسْرِ الْمِيمِ) أَيْ: الْوَاهِبِ (عِنْدَ مَوْتِهِ) أَيْ: الْمَوْهُوبِ لَهُ (أَوْ) شَرَطَ الْوَاهِبُ رُجُوعَ الْهِبَةِ إلَيْهِ (إنْ مَاتَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ (قَبْلَهُ أَوْ) شَرَطَ الْوَاهِبُ رُجُوعَهَا (إلَى غَيْرِهِ) إنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَهُ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ وَهَبْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هِيَ لَكَ عُمُرَكَ عَلَى أَنَّكَ إنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَتْ إلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَإِنْ مِتُّ أَوْ مَاتَ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْكَ (فَهِيَ الرُّقْبَى) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ (أَوْ) شَرَطَ الْوَاهِبُ (رُجُوعَهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (مُطْلَقًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَى الْوَاهِبِ (أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ أَوْ قَالَ) الْوَاهِبُ (هِيَ) أَيْ: هَذِهِ الدَّارُ أَوْ الْأَمَةُ وَنَحْوُهَا (لِآخِرِنَا مَوْتًا صَحَّ الْعَقْدُ دُونَ الشَّرْطِ، وَ) مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْعَيْنَ (تَكُونُ لِلْمُعْمَرِ بِفَتْحِ الْمِيم وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ) .
فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَلِبَيْتِ الْمَالِ (كَالْأَوَّلِ) أَيْ: كَالْمَذْكُورِ أَوَّلًا مِنْ صُوَرِ الْعُمْرَى (وَلَا تَرْجِعُ) الْعَيْنُ (إلَى الْمُعْمِرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَ) لَا إلَى (الْمُرْقِبِ) بِكَسْرِ الْقَافِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُرْقِبُوا وَلَا تُعْمِرُوا فَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالسَّنَدُ صَحِيحٌ بِلَا