الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نفثة مصدور
الجهل أبو الشقاء والجهالة أمه
مونتاين الفرنساوي
ما خلوت إلى نفسي أناجيها، إلا وأدعم بالأصابع رأساً أثقله الغم، وألفه الهم،
ولو كان هم واحد لاحتملته
…
ولكنه هم وثانٍ وثالث
وما قبضت على اليراع إلا وأحنيت على القرطاس ظهر من عجمت عوده الطوائح، فغادرته بين صبية يتضورون جوعاً، وبنيات يقضين فجوعا
فذا حظي من الدنيا
…
فدعني لا تزد غما
في الغرب قوم إذا ضل أهلوه شرعوهم، وإن ظلمت حكامهم صرموهم، ينهضونه إذا قعد، ويقعدونه إذا نهض، لا خيل عندهم ولا سلاح إلا أقلام مذلقة إذا امتطوا صهواتها ومروا بها على القراطيس كان لها صرير ردد صداه المغربان، وضج لدويه المشرقان، وهي إذا غمزت الدواة، وأصابت منها المداد، حقنت دماء، وهدرت دماء، فهي جامعة الضدين، وموفقة النقيضين، هي الحرب والسلام، والخوف والأمان، واللين والقسوة، والحق والقوة، لا تخاف في الحق لومة لائم، ولا تلبس الحق بالباطل، جالت الجولة إثر الجولة، فرأيناها في كل عصر ودولة، تتمخض لتلد الحرية والاستقلال، وهما التوأمان العزيزان.
أما الآن فقد أينعت أزهارها، ونضجت أثمارها، وغدا ترابها تبراً،
وماؤها نميراً، وأرضها تدر من طيبات الرزق لبناً وعسلاً.
ما هوغو وفولتير، وغوركي وتولستوي، ودانتي وشكسبير، ونيوتن وواشنطون، والميكادو وميلتون، إلا من نوادر القرون، وعجائب البطون، رأوا بلادهم تتراوح بين الإغماء والموات، وتتضاءل تحت أغشية الوهم والتقاليد، فبرزوا إلى ميدان التحرير وأثاروا حرباً عقدت الأقلام عجاجها، وأدارت الأفهام ثقالها، وما هي إلا لحظة حتى أجرت في مرهفات الصوارم رونقاً انعكس وميضه، وأضاء ما حوله، فالتقى السيف بالقلم، والشجاعة بالشمم، وإن هي إلا حملة من حملات الإصلاح حتى نكست أعلام الجهل وعاد أعوانه يتسكعون في ديجور الظلمات، وما دروا أنهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذرا لموت فكان ما كان من ذلك الانقلاب الكبير الذي أجهز على حياة الاستبداديين، نقى الدين والسياسة من غطارفة المستبدين، وغطارسة المستأثرين، بعد أن لاقى الغرب الأمرين، إن
هؤلاء العظماء هم عقل بلادهم، وروحها، وسيفها.
أطلقوها من أسرها، وفكوا عنها قيودها، وعضدوها بعد سقوطها وأحيوها بعد مواتها، وسلكوا بها في مهيع النور والهدى.
ليس المرء بأصغريه فقط، إنما هو بأكبريه أيضاً؛ القلب واللسان، والهمة والحسام. فالأولان يتعززان بالآخرين، ولا غنى للآخرين عن الوين. وما أشد يا شرق ما يتحدث الغرب بفضل رجاله، وما أشد يا غرب ما يغمط الشرق أيادي أدبائه، هؤلاء في شرقهم يشقون، وأولئك في غربهم يسعدون.
أي رباه! قبسة من أضوائك، ونظرة من سمائك، تشمل هذا الشرق فتدرأ عنه سوء الشبهات، وتكفيه شر النكبات، وتصد عنه زلقات فوضى الأقلام، وزلات خفاف الأحلام، أيسام سوء العذاب ويحطه الخسف من أعلى عليين، وهو مهبط الوحي، ومهد الأنبياء؟. . . أيكون مسرح الترهات وملعب الخزعبلات ومنه نشأ العلماء وفيه أول ما تغنى الشعراء؟. . . أين الرشيد والمنصور ينظران ما صارت إليه بغداد وما أنتجته لها مثقلات الليالي. إن الرازي وأبا العلاء يتألمان في مراقدهما عندما يسمعان الرصافي ينوح هتوفاً على نضارة بغداد ويحرق الأرم على مجدها الطارف، وسؤددها التالد، ولاسيما حينما يقول:
أيا سائلاً عنا ببغداد إننا
…
بهائم في بغداد أعوزها النبت
علت أمة الغرب السماء وأشرفت
…
علينا فظلنا ننظر القوم من تحت
ما عهدنا القوم والله يبيتون على الطوى، ويغمضون على الجوى، وهم أباة الضيم القائلون النار ولا العار، والحتف ولا الإقامة على الخسف، والحرة تجوع ولا تأكل بثدييها.
أيخف أبناء الشرق اليوم إلى شرب الكأس التي شرب بها عظماء أجدادهم، فيعيدون إليه سابق اخضلاله في عهد الحضارة الأندلسية ويحيون رسماً لم يعف دارسه من قنطرة الوادي، ومكتبة الإسكندرية!. . .
نحن يا قوم أحوج إلى النهضات منا إلى التفنن في أساليب التفرق والشتات، فانهضوا نهوض الغرب، وقفوا في الربوع وقفة خبير بمواقع الخلل، وتعاونوا ولا تفرقوا فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة. . .
في البلاد العربية نهضة شريفة ستكون مقدمة من مقدمات الإصلاح في الشرق، وخطوة
واسعة في ميدان الارتقاء، بل هي إحدى طوالع الحركة الفكرية. وسوف تلعب دوراً يخلد لها حسن الذكر على صفحات الإنسانية البيضاء. ولكن لم يشترك في هذه النهضة إلا أفراد قليلون وهناك الكثيرون ذهب الجهل الذميم بعقولهم، وختم على قلوبهم، وأضلهم عن النهج السوي، وما هم إلا ليعيثوا فساداً والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون.
. . . كأني برحالة الفرنجة إذا أم بلادنا، ورأى الخمول نافضاً غباره على أحيائنا، يقول متمثلاً بحليم مصر وهو ذاهب إلى السودان ليشغل إحدى وظائف الجيش فيه:
تيممت أرضا تدب الجهالة
…
فيها دبيب الصبا في الروابي
إذا حدّث القوم فيها أديب
…
يخالونه أعجمي الخطاب
أي عاقل لا يسمع هذه المجازفة - وهي الحقيقة - ولا يرثي لحالة قطر يضيق بأهليه، وينفّر زائريه؟
* * *
قيل للفيلسوف: ممن تعلمت الأدب؟ قال من قليل الأدب، وهو قول مأثور سبقنا إلى إدراكه الغرب يوم كبا فرسنا في ميدان السعي والعهد ليس ببعيد، فما أحرانا باليقظة اليوم، بعد عميق رقودنا، فنمحو إهانة لحقت بنا، ووصمة وسمنا بها، ولا غضاضة علينا إذا اعترفنا بقول
الفيلسوف، فإن من لم تعظه نفسه كلت فيه المواعظ.
والنفس لا ترجع عن غيها
…
ما لم يكن منها لها زاجر
. . . نساء القرن العشرين في الغرب يتمتعن بحقوق لم يخولها القرن العشرون لرجال الشرق. قال نابليون: إذا أردت أن تعرف رقي كل أمة فانظر إلى نسائها. فماذا عسى أن يبلغ هذا القلم من وصف حالة النساء في الشرق وقد:
حجبناهن عن طلب المعالي
…
فعشن بجهلهن مهتّكات
فيا شرقيون كفانا ما فات، وحسبنا ما تمضنا هذه النكبات، فكأين من أوانس كاتبات، وغيد شاعرات، وخود ممرضات، وأديبات مبرزات، نشأن منكن يا شرقيات!. . .
* * *
هذا يم خاضت فيه من قبل أقلام وسبحت عقول، وما أنا بالجاني علي نفسي بالخوض في
خضمه، والإحاطة بأطرافه، والأمر ظاهر للعيان غني عن البيان، فانحطاط الشرق لانحطاط بناته، وجمود فتاته، وعلى تهذيبها يتوقف ارتقاؤه، فهي داؤه ودواؤه.
وتلك نفثة مصدور لو لم يضق الخناق، وتبلغ الروح التراق لكسرت القلم قبل أن أبوح بها، والسلام.
- بيت جالا، إسكندر الخوري