الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محمد وعروة وغيرهم، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وابن أبي مليكة ومالك والليث والسفيانان والأعمش وآخرون.
قال حرب بن إسماعيل عن أحمد بن حنبل: كان سفيان يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث. وقال أبو حاتم: ثقة فقيه، صالح الحديث، صاحب سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، فصيحا، بصيرا بالعربية، عالما، عاقلا. قال البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. توفي رحمه الله سنة ثلاثين ومائة وهو ابن ست وستين سنة.
موقفه من المبتدعة:
- جاء في الفقيه والمتفقه: عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: إن السنن لا تخاصم، ولا ينبغي لها أن تتبع بالرأي والتفكير، ولو فعل الناس ذلك لم يمض يوم إلا انتقلوا من دين إلى دين، ولكنه ينبغي للسنن أن تلزم ويتمسك بها على ما وافق الرأي أو خالفه. (1)
ولعمري إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرا على خلاف الرأي، ومجانبته خلافا بعيدا، فما يجد المسلمون بدا من اتباعها والانقياد لها، ولمثل ذلك ورع أهل العلم والدين فكفهم عن الرأي، ودلهم على غوره وغورته، إنه يأتي الحق على خلافه في وجوه غير واحدة، من ذلك: أن قطع أصابع اليد، مثل قطع اليد من المنكب، أي ذلك أصيب ففيه ستة ألف.
(1) الفقيه والمتفقه (1/ 392 - 393).
ومن ذلك: أن قطع الرجل في قلة ضررها مثل قطع الرجل من الورك، أي ذلك أصيب ففيه ستة ألف.
ومن ذلك: أن في العينين إذا فقئتا، مثل ما في قطع أشراف الأذنين في قلة ضررهما، أي ذلك أصيب ففيه اثنا عشر ألفا.
ومن ذلك: أن في شجتين موضحتين صغيرتين مائة دينار، وما بينهما صحيح فإن جرح ما بينهما حتى تقام إحداهما إلى الأخرى، كان أعظم للجرح بكثير، ولم يكن فيها حينئذ إلا خمسون دينارا.
ومن ذلك أن المرأة الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة.
ومن ذلك رجلان قطعت أذنا أحدهما جميعا، يكون له اثنا عشر ألفا، وقتل الآخر فذهبت أذناه وعيناه ويداه ورجلاه، وذهبت نفسه ليس له إلا اثنا عشر ألفا، مثل الذي لم يصب إلا أشراف أذنيه، في أشباه هذا غير واحدة. فهل وجد المسلمون بدا من لزوم هذا؟!
وأي هذه الوجوه يستقيم على الرأي أو يخرج في التفكير؟ ولكن السنن من الإسلام، بحيث جعلها الله، هي ملاك الدين وقيامه الذي بني عليه الإسلام، وأي قول أجسم وأعظم خطرا مما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حين خطب الناس فقال:"وقد تركت فيكم أيها الناس، ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا: كتاب الله، وسنة نبيه"(1)، فقرن
(1) أخرجه الحاكم (1/ 93) والبيهقي (10/ 114) من طريق ثور بن زيد الديلي عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فذكره. وقال الحاكم: "قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وسائر رواته متفق عليهم وهذا الحديث لخطبة النبي صلى الله عليه وسلم متفق على إخراجه في الصحيح يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم مسئولون عني فما أنتم قائلون". وذكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطبة غريب ويحتاج إليها. ووافقه الذهبي وقال: "وله أصل في الصحيح". وللحديث شواهد كثيرة، انظر الصحيحة للشيخ الألباني رحمه الله (1761).
رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما. (1)
وايم الله إن كنا لنلتقط السنن من أهل الفقه والثقة، ونتعلمها شبيها بتعليمنا آي القرآن، وما برح من أدركنا من أهل الفضل والفقه من خيار الناس يعيبون أهل الجدل والتنقيب ومن أخذ بالرأي أشد العيب، وينهوننا عن لقائهم ومجالستهم، ويحذروننا مقاربتهم أشد التحذير، ويخبروننا أنهم أهل ضلال وتحريف، بتأويل كتاب الله وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كره المسائل وناحية التنقيب والبحث عن الأمور، وزجر عن ذلك وحذره المسلمين في غير موطن حتى كان من قوله صلى الله عليه وسلم كراهية ذلك أن قال:"ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك الذين من قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"(2). (3)
فأي أمر أكف لمن يعقل عن التنقيب من هذا؟ ولم يبلغ الناس يوم قيل لهم هذا القول من الكشف عن الأمور جزءا من مائة جزء مما بلغوا اليوم، وهل هلك أهل الأهواء وخالفوا الحق إلا بأخذهم بالجدل، والتفكير في دينهم، فهم كل يوم على دين ضلال وشبهة جديدة لا يقيمون على دين، وإن أعجبهم إلا نقلهم الجدل والتفكير إلى دين سواه، ولو لزموا السنن وأمر
(1) الفقيه والمتفقه (1/ 393 - 394).
(2)
أخرجه أحمد (2/ 247) والبخاري (13/ 312/7288) ومسلم (2/ 975/1337) والترمذي (5/ 45 - 46/ 2679) وقال: "هذا حديث حسن صحيح". والنسائي (5/ 116 - 117/ 2618) وابن ماجه (1/ 3/2) كلهم من طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ متقاربة.
(3)
هذا الجزء من كلام أبي الزناد قد أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 949 - 950)، وانظر الاعتصام (2/ 847).
المسلمين وتركوا الجدل لقطعوا عنهم الشك، وأخذوا بالأمر الذي حضهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضيه لهم، ولكنهم تكلفوا ما قد كفوا مؤنته وحملوا على عقولهم من النظر في أمر الله ما قصرت عنه عقولهم، وحق لها أن تقصر عنه وتحسر دونه، فهنالك تورطوا وأين ما أعطى الله العباد من العلم في قلته وزهادته مما تناولوا، قال الله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (1)، وقد قص الله تعالى ما عير -أو غير هذه الكلمة- به موسى عليه السلام، من أمر الرجل الذي لقيه فقال:{فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} (2)،
فكان منه في خرقه السفينة، وقتله الغلام، وبنائه الجدار، ما قد قال الله تعالى في كتابه، فأنكر موسى ذلك عليه، وجاءه ذلك في ظاهر الأمر منكرا لا تعرفه القلوب، ولا يهتدي له التفكير، حتى كشف الله ذلك لموسى فعرفه، وكذلك ما جاء من سنن الإسلام وشرائع الدين التي لا توافق الرأي، ولا تهتدي لها العقول، ولو كشف للناس عن أصولها لجاءت للناس واضحة بينة غير مشكلة على مثل ما جاء عليه أمر السفينة وأمر الغلام وأمر الجدار، فإن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كالذي جاء به موسى يعتبر بعضه ببعض، ويشبه بعضه بعضا، ومن أجهل وأضل وأقل معرفة بحق الله وحق رسوله وبنور الإسلام وبرهانه ممن قال لا أقبل سنة ولا أمرا مضى من أمر المسلمين
(1) الإسراء الآية (85).
(2)
الكهف الآية (65) ..
حتى يكشف لي غيبه وأعرف أصوله؟ أو لم يقل ذلك بلسانه، فكان عليه رأيه وفعله، ويقول الله تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (1). (2)
- وقال مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا الأصمعي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله. (3)
" التعليق:
هكذا كان منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم لا يكتفون بمظاهر العبادة والزهد ولكن يضيفون إلى ذلك دقة العلم والمعلومات، فإن كان من أهل العلم وعرف بالرواية والحديث وكان مأمونا في الحديث أخذوا عنه، وإلا لم يلتفتوا إلى ما عنده. وأما أهل هذا الزمان الذين فقدوا الموازين، فيأخذون عن كل أحد تظاهر لهم بالإسلام والصلاح وادعى لهم أنه وصل إلى كذا وكذا، أو رأى في منامه كذا وكذا، أو كشفت له الحجب، أو ظهرت له كرامات، كل ذلك من أدلته التي أقامها وتبعه الناس عليها ولو كان على ضلالة حتى ادعى المهدويَة كثيرٌ من الدجاجلة، وادعى عيسى كثير
(1) النساء الآية (65).
(2)
الفقيه والمتفقه (1/ 395 - 396).
(3)
أخرجه مسلم في المقدمة (1/ 15) والرامهرمزي في المحدث الفاصل (ص.407) والخطيب في الكفاية (ص.159) وكذا في (ص.162).