الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النفسية، والتابعة للحدوث في العقل، وكذلك الحس الظاهر قد يكل عن إدراك أشياء كثيرة، ويتطرق إليه غلط كثير، ولم يمنع ذلك سقوط الثقة بأصله.
قلت: يريد بـ (التابع للحدوث): لزوم الألوان، وأحد الألوان، وأحد الطعوم في الأجسام، والافتقار للمحل في الأعراض.
قال: وقول النظام، إنما يلزم أن لو قلنا: التماثل يوجب المساواة في الحكم مطلقًا، أما في الأغلب، فلا انتقاض، وهو كافٍ، لتضمنه غلبة الظن بالحكم.
قال: وأما البراءة الأصلية، فإنا نقطع بها إلى حين قيام دليل النقل، فإذا شككنا في الدليل فقد شككنا في البراءة الأصلية كما في جانب النقل.
قلت: الدليل مانع من إعمال البراءة الأصلية، والشك في المانع يجب عنده العمل بالسبب، أو بالدليل السابق، لا أنه يصير مشكوكًا فيه، كما إذا شك في الطلاق استصحب العصمة، أو الظهار، فاستصحب الحدث، فما ذكره من الشك غير لازم، إنما ذلك في الشك في الشرط أو السبب، أما في المانع، فلا.
(فائدة)
قال سيف الدين: القائلون بأن السماع دل على القياس، قالوا كلهم: إن ذلك الدليل قطعي، إلا أبا الحسن البصري، فإنه قال: ظني. قال: وهو المختار
.
(فائدة)
قال ابن حزم في كتاب (النكت) له في إبطال الأمور الخمسة:
التقليد، والقياس، والرأي، والاستحسان، والتعليل، فذكر نكتًا وأسئلة تتعلق بإبطال القياس، فأحببت ذكرها تكميلاً للفضيلة؛ فإنه اتفق الناس عل جودة حفظه، وعظيم نقله، إنما اختلفوا في جودة تصرفه، ثم إنه يذكر مدارك للقياس، ويجيب عنها، فنسلمها، وننازع في أجوبته.
قال ابن حزم: أحدث قوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء، ووفق الله آخرين فتركوها، وثبتوا على الكتاب والسنة، وهي: الرأي، والقياس، والاستحسان، والتعليل، والتقليد.
فحدث الرأي في القرن الأول من الصحابة- رضوان الله عليهم- مع أنه لم يقطع بالنقل عنهم، وهو: الحكم بما هو أحوط عند المفتي من غير نص.
ثم حدث القياس في القرن الثاني.
والاستحسان في القرن الثالث.
تم التقليد، والتعليل في القرن الرابع.
والتقليد: أن يفتي؛ لأن الصحابي أو التابعي أفتى بذلك، وهذه كلها قول في الدين بلا دليل.
والتعليل: استنباط علة من مورد النص، وهو باطل؛ لأنه إخبار عن الله- تعالى- بأنه شرع لذلك بغير نص ورد عن الله، فهو كذب عليه.
وقد صح عن كثير من الصحابة الفتيا بالرأي، ولم يصح عن أحد منهم القول بالقياس إلا في الرسالة المنسوبة إلى عمر، وفيهاك (وقس الأمور، وأعرف الأشباه، ثم أعمد إلى أولادها بالحق، وأحبها إلى الله- تعالى- فاقض به).
وهي لم تصح عنه، إنما جاءت من طريق عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، وكلاهما متروك الحديث.
ومن طريق عبد الله ابن أخي سعيد، وهو مجهول.
ثم إن فيها ما يستحيل نسبته إليه، وهو قوله:(أحبها إلى الله)، ومن أين يعرف أحب الأشياء إلى الله إلا بنص عن الله؟.
وما روى عن علي وزيد بن ثابت من الاختلاف في الميراث في الجد والإخوة فلا يصح؛ لأن رواية عيسى الخياط عن الشعبي منقطعة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ساقط.
وما روى عن ابن عباس في التحكيم: أنه قال للخوارج: إن الله- تعالى- أمر بالتحكيم في أرنب قيمتها ربع درهم، فكيف لا يصح التحكيم في صلاح الأمة؟
فلا يصح براوية مجهول.
وأيضًاك لا يتوقف حكم من الأحكام على التحكيم، سوى الصيد، وشقاق المرأة، فلو استدل به على منع القياس لصح.
ورووا عن ابن عباس أنه قال: ألا اعتبرتم ذلك بالأسنان، وديتها سواء).
فلا حجة فيه؛ لعدم الاتفاق على الحكم في (الأسنان)، والأصابع حتى يقاس أحدهما على الآخر.
وأيضًا: النص وارد في الأسنان، كما هو وارد في الأصابع، فلا قياس؛ إذ من شرطة إلحاق مسكوت بمنطوق، وإنما أراد ابن عباس: هما سواء
منصوص عليهما، ولم يقل أحد بالاستحسان قبل أبي حنيفة ومالك في النادر، ثم حدث التقليد في حسوة هذين الرجلين، فكل طائفة لا تقلد غير صاحبها في فتاويه وإن اختلفت، ولا يعرف هذا عن أحد قبل هاتين الطائفتين، ثم حدث التقليد في الشافعية، ولم تزل طائفة من الصحابة إلى زماننا ينكرون هذه الأمور، بل روى القيسيون أخبارًا مكذوبة، واتبعهم مقلدوهم عليها، ثم كثر ذلك حتى طبق الأرض، وتركت من أجله أحكام القرآن والسنة جهارًا، وصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وعودى طلاب السنن الثابتون على ما كان عليه الصحابة والتابعون- رضي الله عنهم من الوقوف عند أحكام القرآن والسنة.
واحتجوا على الرأي بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنا أقضي فيكم برأيي فيما لم ينزل على فيه شيء)، وهو غير صحيح؛ لأن رواية أسامة الليثي، وهو ضعيف؛ ولأن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم حق لا يلحق به غيره؛ لأنه لا ينطق عن الهوى.
وقال الله- تعالى-: {لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء: 105].
وحديث معاذ غير صحيح؛ لأن راوية الحارث بن عمرو، وهو مجهول، وكيف يقول- عليه السلام له:(إن لم تجد في كتاب الله) وهو- عليه السلام قد سئل عن (الحمر)، فقال:(ما أنزل على فيها شيء غير هذه الآية الفاذة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره)، ولم يحكم فيها- عليه السلام بغير الوحي، فكيف يجيز ذلك لغيره؟!.
ورووا أن الصديق- رضي الله عنه كان إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله- تعالى- فإن وجد ما يقضى به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله- تعالى- نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن وجد فيها ما يقضى به قضى به، فإذا أعياه ذلك سأل الناس، هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيها بقضاء؟ فربما قام إليه القوم، فيقولون: قضى بكذا، فإن لم يجد سنة، جمع رؤساء الناس وعلماءهم، فاستشارهم: فإذا أجمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر يفعل ذلك، ويسأل: هل قضى أبو بكر- رحمه الله فيها بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإلا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا أجمع رأيهم على شيء قضى به، وأن ابن مسعود أكثروا عليه ذات يوم، فقال: إنه قد أتى علينا زمان لسنا نقضى، ولسنا هنالك، إن الله- تعالى- بلغنا ما ترون، فمن عرض له بعد اليوم قضاء، فليقض بكتاب الله- تعالى- فإن جاء أمر ليس في كاتب الله- تعالى- ولا قضى به نبيه- عليه السلام ولم يقض به الصالحون، فليجتهد رأيه، ولا يقل: إني أرى وإني أخاف؛ فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وقد أمر الله- تعالى- بالشاهد واليمين) وإنما هو غلبة الظن.
وحديث عمر لا يصح؛ لأن راويه ميمون بن مروان، وولد سنة أربعين بعد موت عمر- رضى الله عنه- بسبع عشرة سنة.
وحديث ابن مسعود صحيح ثابت، غير أنه عليهم؛ لأن معنى اجتهاده: طلب السنة حتى يجدها، ولذلك قال:(لا يقول: إني أرى).
واستدلوا بقوله- تعالى- لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {وشاروهم في الأمر} [آل عمران: 159] يدل على أنه اتباع الرأي.
وجوابه: أنه إنما أمر بذلك؛ لحسن العشرة معهم، ولذلك قال له:{فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159].
وبقوله تعالى: {ومن يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} [يس: 79].
وبقوله تعالى: {كذلك يحيي الله الموتى} [البقرة: 73].
وبقوله تعالى: {كذلك النشور} [فاطر: 9].
وبقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} [الأسراء: 23]، وغير التأفيف مقيس عليه.
وبقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره} [الزلزلة: 7] فما دون الذرة مقيس عليه.
وقوله تعالى: {ولحم الخنزير} [البقرة: 173] شحمه مقيس عليه.
وقوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95].
وقوله تعالى: {وأشهدا ذوى عدل منكم} [الطلاق: 2] ورد في المال، فقيس عليه غيره.
وبقوله- عليه السلام للأعرابي: (هل لك من إبل)؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها)، قال: حمر، قال:(هل فيها من أورق)؟
قال: نعم، قال:(فأني ذلك؟)، قال: لعله نزعه عرق؟ قال: (فلعل ابنك هذا نزعه).
وبقوله- عليه السلام: (من أعتق شركًا له في عبد)، فألحقت به الأمة قياسًا، وألحق العبد بالأمة في آية تشطير العذاب.
وبقوله- عليه السلام لما قال له السائل: هششت فقبلت، فقال له- عليه السلام:(أر أيت لو تمضمضت بماء)؟.
وبقوله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43].
قال: والجواب عن الآيات الأول: أنها تدل على إلحاق المعاد الجسماني بالبداءة، وهذا عقلي، إنما النزاع في الشرعي؛ ولأنها تشبيهات وقعت بالنصوص، والواقع بالنص لا نزاع فيه.
وأما تحريم غير التأفيف، فبقوله تعالى:{وبالوالدين إحسانًا} [الإسراء: 23]، {وقل لهما قولاً كريمًا} [الإسراء: 23]، {وقل رب ارحمهما} [الإسراء: 24].
فاقتضى ذلك الإحسان مطلقًا لا بالقياس.
ودون الذرة، بقوله تعالى:{أني لا أضيع عمل عامل} [آل عمران: 195]، {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} [غافر: 17].
وحرمة جملة الخنزير، بقوله تعالى:{فإنه رجس} [الأنعام: 145]، والضمير يعود على الجملة.
وسائر الحقوق تثبت الشهادة فيها بقوله عليه السلام: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) فعم ذلك جميع الأحكام.
وآية الصيد تبطل القياس؛ لأن من لا يملك النعم لا يجب عليه دفع المثل.
والجواب عن الحديث الأول: أنه- عليه السلام لم يجعل لا تفاق الصفات ولا لاختلافهما أثرًا، فهو يدل على بطلان القياس.
وعن حديث العتق: أنه ورد (من أعتق شقصًا في مملوك، ومن أعتق شيئًا من إنسان) خرجه النسائي وغيره، فتناول العموم الجميع.
وعن قوله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس} [العنكبوت: 43] أنه معارض بقوله تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74].
قال: واحتجوا على التعليل بأن الله- تعالى- نص على أنه حكم بأشياء من أجل أشياء، كقوله تعالى:{ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179].
وأجمعت الأمة على أن على الحدود الزجر.
وقوله عليه السلام: (أينقص الرطب إذا جف؟).
قال: والجواب: أن ما نص الله- تعالى- ورسوله- عليه السلام عليه، فهو ثابت لأجل النص، إنما النزاع في العلل التي يذكرونها بالعقول والاستنباط.
وقولهم: (الحدود للزجر) ممنوع، لوجوب الحد في الزنا دون إتيان البهيمة، وفي القذف دون الرمي بالكفر، وهو أعظم منه، وفي سرقة عشرة دراهم دون غصب ألف، وفي يسير الخمر دون البول، وكلاهما نجس.
قلت: فهذه نبذة من كلامه، ولم أرد عليه في أجوبته؛ لأن أكثرها ظاهر، فخشيت التطويل، والتأمل كاف فيها.
***