الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية
قال الرازي: قال النظام: (النص على علة الحكم يفيد الأمر بالقياس)
وهو قول أبي الحسن البصري، وجماعة من الفقهاء، ومنهم: من أنكره؛ وهو المختار.
وقال أبو عبد الله البصري: إن كانت العلة علة في الفعل، لم يكن التنصيص عليها تعبدًا بالقياس، وإن كانت علة في الترك، كان التنصيص عليها تعبدًا بالقياس.
لنا: أن قوله: (حرمت الخمر؛ لكونها مسكرة) يحتمل أن تكون العلة هي الإسكار، وأن تكون العلة هي إسكار الخمر، وأن تكون العلة هي إسكار الخمر، بحيث يكون قيد كونه مضافًا إلى الخمر معتبرًا في العلة؛ وإذا احتمل الأمرين، لم يجز القياس إلا عند أمر مستأنف بالقياس.
فإن قيل: لا نسلم أن قيد كون الإسكار في ذلك المحل يحتمل أن يكون جزءًا من العلة، فإنا لو جوزنا ذلك، للزمنا تجويز مثله في العقليات؛ حتى نقول: هذه الحركة. إنما اقتضت المتحركية؛ لقيامها بهذا المحل، فالحركة القائمة لا بهذا المحل، لا تكون على للمتحركية.
سلمنا إمكان كونه معتبرًا في الجملة؛ لكون العرف يدل على سقوط هذا القيد عن درجة الاعتبار؛ لأن الأب، إذا قال لابنه:(لا تأكل هذه الحشيشية؛ لأنها سم) يقتضي منعه عن أكل كل حشيشة تكون سمًا.
وإذا أثبت ذلك في العرف، ثبت مثله في الشرع، لقوله- عليه الصلاة والسلام:- (ما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن).
سلمنا: أنه غير ساقط في العرف؛ إلا أن الأغلب على الظن سقوطه؛ لأن علة الحكم وجب أن تكون منشأ الحكمة، ولا مفسدة في كون الإسكار قائمًا بهذا المحل، أو بذاك، بل منشأ المفسدة كونه المفسدة كونه مسكرًا فقط؛ فإذا غلب على ظننا ذلك، وجب الحكم به؛ احترازًا عن الضرر المظنون.
سلمنا: أن هذا القيد غير ظاهر؛ لكن دليلكم إنما يتمشى فيما إذا قال الشارع: (حرمت الخمر؛ لكونها مسكرة) أما لو قال: (علة حرمة الخمر: إنما هي الإسكار) لا يبقى ذلك الاحتمال.
سلمنا: أن دليلكم يمنع من القياس؛ لكن ها هنا ما يدل على جوازه، فإن قول الشارع:(حرمت الخمر؛ لكونها مسكرة) يقتضي إضافة الحرمة إلى الإسكار، وذلك يدل على أن العلة هي الإسكار؛ فوجب أن يترتب الحكم عليه أينما وجد.
وأما من فرق بين الفعل والترك، فقد قال:(إن من ترك أكل رمانة، لحموضتها، وجب عليه أن يترك أكل كل رمانة حاضمة، أما من أكل رمانة، لحموضتها لا يجب عليه أن يأكل كل رمانة حامضة):
والجواب: قوله: (هذا الاحتمال قائم في الحركة):
قلنا: إن عنيت بالحركة: معنى يقتضي المتحركية، فهذا المعنى يمتنع فرضه بدون المتحركية، وإن عنيت بالحركة؛ شيئًا أخر؛ بحيث يبقى فيه هذا الاحتمال، فهناك نسلم أنه لابد في إبطال ذلك الاحتمال من دليل منفصل.
قوله: (العرف يقتضي إلغاء هذا القيد):
قلنا: ذاك إنما عرف بالقرينة؛ وهي أن شفقته تمنع من تناول كل ما يقتضي ضررًا، فلم قلت: إن هذا المعنى حاصل في العلة المنصوصة؟
قوله: (الغالب على الظن إلغاء هذا القيد):
قلنا: هب أن الأمر كذلك؛ ولكن إنما يلحق الفرع بالأصل؛ لأنه لما غلب على ظننا كونه في معناه، ثم لدليل دل على وجوب الاحتراز من الضرر المظنون، فحينئذ يجب علينا أن نحكم في الفرع بمثل حكم الأصل؛ ولكن هذا هو الدليل الذي دل على كون القياس حجة، فالتنصيص على علة الحكم لا يقتضي إثبات مثله في الفرع إلا مع الدليل الدال على وجوب العمل بالقياس.
قوله: (لو صرح بأن العلة هي الإسكار، لا يبقى فيه هذا الاحتمال):
قلنا: في هذه الصورة نسلم أنه أينما حصل الإسكار، حصلتا الحرمة؛ لكن ذل ليس بقياس؛ لأن العلم بأن الإسكار؛ من حيث هو إسكار، يقتضي الحرمة يوجب العمل بثبوت هذا الحكم في كل محالة، ولم يكن العلم بحكم الحرمة يوجب العلم بثبوت هذا الحكم في كل محالة، ولم يكن العلم بحكم بعض تلك المحال متأخرًا عن العلم بالبعض؛ فلم يكن جعل البعض فرعًا، والآخر أصلاً أولى من العكس؛ فلا يكون هذا قياسًا، بل إنما يكون قياسًا، لو قال:(حرمت الخمر؛ لكونها مسكرة) فحينئذ يكون العلم بثبوت هذا الحكم في الخمر أصلاً للحكم به في النبيذ، ومتى قال؛ على هذا الوجه، انقدح الاحتمال المذكور.
قوله: (إن قوله: (حرمت الخمر؛ لكونها مسكرة) يقتضي إضافة الحرمة إلى نفس الإسكار):
قلنا: لا نسلم؛ فالعل قيد كون الإسكار فيه معتبر في العلية؛ على ما حققناه.
قوله: (من ترك أكل رمانة، لحموضتها، يجب عليه أن يترك الكل):
قلنا: لا نسلن؛ لاحتمال أن يكون الداعي له إلى الترك، لا مطلق حموضة الرمانة، بل حموضة الرمانة؛ وإنها غير حاصلة في سائر الرمانات.
سلمناه؛ ولكن لا فرق في ذلك بين الفعل والترك.
قوله: (من أكل رمانة؛ لحموضتها، لا يجب عليه أن يأكل كل رمانة حامضة):
قلنا ذاك لأنه ما أكلها؛ لمجرد حموضتها؛ بل لأجل حموضتها، مع قيام الاشتهاء الصادق لها، وخلو المعدة عن الرمان، وعلمه بعدم تضرره بها، وهذه القيود بأسرها لم توجد في أكل الرمانة الثانية.
المسألة الثانية
قال القرافي: قال النظام: (النص على علة الحكم يقيد الأمر بالقياس)، وهو قول أبي الحسين البصري، وجماعة من الفقهاء.
ومنهم من أنكره، وهو المختار.
وقال أبو عبد الله البصري: إن كانت [العلة] علة في الفعل، لم يكن التنصيص عليها تعبدًا بالقياس، وإن كانت علة في الترك، كان تعبدًا بالقياس.
تقريره: أن الفعل قد يقصد منه المرة الواحدة؛ كسقي الماء للعطش، فلو