الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
(في الإيماء)
قال الرازي: وهو على خمسة أنواع:
الأول: تعليق الحكم على العلة بحرف (الفاء) وهو على وجهين:
الأول: أن تدخل (الفاء) على حرف العلة، ويكون الحكم متقدمًا؛ كقوله- عليه الصلاة والسلام في المحرم الذي وقصت به ناقته:(لا تقربوه طيبًا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيًا).
الثاني: أن تدخل (لفاء) على الحكم، وتكون العلة متقدمة، وذلك أيضًا على وجهين: أحدهما: أن تكون (الفاء) دخلت على كلام الشارع؛ مثل قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} وقوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} وثانيهما: أن تدخل على رواية الراوي؛ كقول الراوي: (سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد)(زنا ماعزٌ، فرُجم).
فرعان:
الأول: الحكم المرتب على الوصف مشعر بكون الوصف علة، سواء كان ذلك الوصف مناسبًا لذلك الحكم، أو لم يكن مناسبًا لذلك الحكم، وقال قوم: لا يدل على العلية إلا إذا كان مناسبًا.
لنا وجهان:
الأول: أن الرجل، إذا قال:(أكرموا الجهّال، واستخفوا بالعلماء) يستقبح هذا الكلام في العرف، فلا يخلو: إما أن يكون الاستقباح جاء؛ لأنه فُهم منه، أنه حكم يكون الجاهل مستحق للإكرام بجهله، ويكون العالم مستحقًا للاستخفاف بعلمه، أو لأنه فُهم منه: أنه جعل الجاهل مستحقًا للإكرام، والعالم مستحقاً للاستخفاف.
والثاني: باطلٌ؛ لأن الجاهل قد يستحق الإكرام بجهة أخرى؛ نحو نسبه، أو شجاعته، أو سوابق حقوقه، والعالم قد يستحق الاستخفاف؛ لفسقه، أو لسبب آخر.
وإذا بطل هذا القسم ثبت الأول، وذلك يدل على أن ترتيب الحكم على الوصف يفيد كون الوصف علة للحكم، سواء تحققت المناسبة، أو لم تتحقق
فإن قلت: (لم لا يجوز أن يقال: إن الاستقباح، إنما جاء؛ لأن الجهل مانع من الإكرام، والعلم مانع من الاستخفاف، فلمّا مر بإكرام الجاهل، فقد أثبت الحكم مع قيام المانع.
وأيضًا: فهب أن الحكم في هذا المثال كذلك؛ فلم قلت: إنه في سائر الصور يجب أن يكون كذلك؟):
قلت: الجواب عن الأول: أنا قد بيّنا: أنه قد يثبت استحقاق الإكرام، مع الجهل؛ فوجب أن يكون الجهل مانعًا منه؛ لئلا يلزم مخالفة الأصل.
وعن الثاني: أنه لما ثبت ما ذكرناه في بعض الصور، وجب ثبوته في كل الصور؛ وإلا وقع الاشتراك في هذا النوع من التركيب، والاشتراك على خلاف الأصل.
الوجه الثاني في المسألة: أنه لابد لهذا الحكم من علة، ولا علة إلا لهذا الوصف، أما الأول: فلأنه لو ثبت الحكم بدون العلة والدّاعي، كان عبثًا؛ وهو على الله تعالى محال.
وأما الثاني: فلأن غير هذا الوصف كان معدومًا، والعلم بأنه كان معدومًا، يوجب ظن بقائه على ذلك؛ على ما سيأتي تقرير هذا الأصل، وإذا بقى على العدم، امتنع أن يكون علة؛ فثبت أن غيره يمتنع أن يكون علة؛ فوجب أن تكون العلة ذلك الوصف.
الفرع الثاني: قد ذكرنا أن دخول (الفاء) يقع على ثلاثة أوجه؛ ولا شك أن قول الشارع أبلغ في الإفادة العلية من قول الراوي؛ لأنه يجوز أن يتطرق إلى كلام الراوي من الخلل ما لا يجوز تطرقه إلى كلام الشارع.
وأما القسمان الباقيان: فيشبه أن يكون الذي تقوم العلة فيه على الحكم أقوى في الإشعار بالعلية من القسم الثاني؛ لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلة؛ لأن الطرد واجب في العلل، والعكس غير واجب فيها.
النوع الثاني: أن يشرّع الشارع الحكم عند علمه بصفة المحكوم عليه، فيعلم أنها علة الحكم، فإذا قال القائل:(يا رسول الله أفطرت) فيقول: (عليك الكفارة) فيعلم أن الكفارة وجبت؛ لأجل الإفطار.
وإنما قلنا: (إن ذلك مشعرٌ بالعلية) لأن قوله: (عليك بالكفارة) كلام يصلح أن يكون جوابًا عن ذلك السؤال، والكلام الذي يصلح أن يكون جوابًا عن ذلك السؤال، إذا ذكر عقب السؤال، فيفيد الظن بأنه إنما ذكره جوابًا عن السؤال، وإذا ذكره جوابًا عن السؤال، كان السؤال كالمعاد في الجواب، فيصير التقدير: (أفطرت؛ فاعتق، وحينئذ يلتحق هذا بالنوع الأول.
فإن قلتم لا نزاع في أن هذا الكلام صالحٌ لأن يكون جوابًا عن ذلك السؤال؛ لكن لا نسلم أن مثل هذا الكلام: إذا ذُكر عقيب السؤال، حصل ظن أنه ذُكر؛ ليكون جوابًا عن ذلك السؤال؛ فإنه ربما ذكره جوابًا عن سؤال آخر، أو لغرض آخر، أو زجرًا له عن هذا السؤال؛ كما أن العبد إذا قال لسيده:(دخل فلان دارك)، فيقول له السيد: (اشتغل بشأنك، فمالك، وهذا الفضول؟! (ولا يمكن إبطال هذا الاحتمال بما قاله بعضهم: من أنه لو لم يكن هذا الكلام جوابًا عن ذلك السؤال، لكان تأخرًا للبيان عن وقت الحاجة؛ وإنه لا يجوز؛ لاحتمال أنه- عليه الصلاة والسلام عرف أنه لا حاجة بذلك المكلف إلى ذلك الجواب في ذلك الوقت فلا يكون إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذكر الجواب تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة.
سلمنا أن ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم، جوابا عن السؤال- مشعر بالتعليل؛ فلم قلتم: إن الذي يزعم الراوي أنه جواب عن السؤال مشعر به؟ لاحتمال أنه اشتبه الأمر على الراوي، فظنّ ما لم يكن جوابًا جوابًا.
قلت: الجواب عن الأول: أن الأكثر على أن الكلام الذي يصلح أن يكون جوابًا عن السؤال، إذا ذكر عقيب السؤال، فإنما يذكر جوابًا عنه، والصورة التي ذكرتموها نادرة، والنادر مرجوح.
وعن الثاني: أن العلم بكون الكلام المذكور بعد السؤال جوابًا عنه، أو ليس جوابًا عنه- أمرٌ ظاهر يعرف بالضرورة عند مشاهدة المتكلم، ولا يفتقر فيه إلى نظر دقيق.
النوع الثالث: أن يذكر الشارع في الحكم وصفًا، لو لم يكن موجبًا لذلك الحكم، لم يكن في ذكره فائدة، وهذا يقع على أقسام أربعة:
أحدها: أن يدفع السؤال المذكور في صورة الإشكال بذكر الوصف؛ كما روي أنه- عليه الصلاة والسلام امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب، فقيل له: إنك تدخل على فلان، وعنده هرة، فقال:(إنها ليست بنجسة؛ إنما من الطوافين عليكم والطوّافات) فلو لم يكن لكونها من الطوافين أثر في طهارتها، لم يكن لكونها من الطوافين أثر في طهارتها، لم يكن لذكره عقيب الحكم بطهارتها فائدة.
وثانيها: أن يذكر وصفاً في محل الحكم لا حاجة إلى ذكره ابتداًء، فيُعلم أنه إنما ذكره لكونه مؤثرًا في الحكم؛ كما روى أنه- عليه الصلاة والسلام قال:(ثمرة طبية وماءٌ طهور).
وثالثها: أن يقرر النبي صلى الله عليه وسلم على وصف الشيء المسئول عنه؛ كقوله صلى الله عليه وسلم:
(أينقُصُ الرطب، إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا؛ إذن (فلو لم يكن نقصانه باليبس علة في المنع من البيع، لم يكن للتقرير عليه فائدة؛ وهذا أيضًا يدل على العلية؛ من حيث الجواب بـ (الفاء).
ورابعها: أن يقرر الرسول صلى الله عليه وسلم على حكم ما يشبه المسئول عنه، وينبه على وجه الشبه؛ فيعلم أن وجه الشبه هو العلة في ذلك الحكم؛ كقوله- عليه الصلاة والسلام لعمر- رضي الله عنه وقد سأله عن قبلة الصائم:(أرأيت لو تمضمضت بماء، ثم مججته) فنبه بهذا على أنه لا يفسد الصوم بالمضمضة والقبلة؛ لأنه لم يحصل ما هو الأثر المطلوب منهما.
النوع الرابع: أن يفرق الشرع بين شيئين في الحكم؛ بذكر صفة؛ فيعلم أنه لو لم تكن تلك الصفة علة، لم يكن لذكرها فائدة، وهو ضربان:
أحدهما: ألا يكون حكم أحدهما مذكورًا في الخطاب؛ كقوله- عليه الصلاة والسلام: (القاتل لا يرث) فإنه قد تقدم بيان إرث الورثة، فلما قال:(القاتل لا يرثُ) وفرق بينه وبين جميع الورثة؛ بذكر القتل الذي يجوز كونه مؤثرًا في نفي الإرث- علمنا أنه العلة في نفي الإرث.
وثانيهما: أن يكون حكمهما مذكورًا في الخطاب، وهو على خمسة أوجه:
أحدهما: أن تقع التفرقة بلفظ يجرى مجرى الشرط؛ كقوله- عليه الصلاة والسلام: (فإذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد) بعد نهيه عن بيع البر بالبر متفاضلًا؛ فدلّ على أن اختلاف الجنسين علّة في جواز البيع.
وثانيها: أن تقع التفرقة في الغاية؛ كقوله تعالى: {ولا تقربوهنّ حتّى يطهرْن} .
وثالثها: أن تقع بالاستثناء؛ كقوله تعالى: {إلا أن يعفون} .
ورابعها: أن تقع بلفظ يجرى مجرى الاستدراك؛ كقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} فدلّ على أن التعقيد مؤثر في المؤاخذة.
وخامسها: أن يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الأخرى، ونكون تلك الصفة مما يجوز أن يؤثر؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: (للراجل سهم، وللفارس سهمان (وأعلم أن الاعتماد في هذين النوْعين على أنه لا بدّ لتلك التفرقة من سبب، ولا بدّ في ذكر ذلك الوصف فائدة، فإذا جعلنا الوصف سببا للتفرقة، حصلت الفائدة.
النوع: النهي عن فعل يمنع ما تقدم وجوبه علينا؛ فيعلم أن العلة في ذلك النهي كونه مانعًا من ذلك الواجب؛ كقوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} فإنه لما أوجب علينا السعي، ونهانا عن البيع، مع علمنا بأنه لو لم يكن النهي عن البيع؛ لكونه مانعًا من السعى، لكان ذكره في هذا الموضع غير جائز؛ وذلك يدلّ على أنه إنما نهانا عنه؛ لأنه يمنع من الواجب، وكتحريم التأفيف؛ فإن العلة فيه كونه مانعًا من الإعْظام الواجب؛ فهذه جملة أقسام الإيماءات.
مسألة: الظاهر من هذه الأقسام، وإن دلّ على العلية؛ لكنْ قد يترك هذا الظاهر عند قيام الدليل عليه؛ مثاله: قوله- عليه الصلاة والسلام: (لا يقض القاضي، وهو غضبان) ظاهره يدلّ على أن العلة هي الضغب؛ ولكن لما
علمنا أن الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء الفكر لا يمنع من القضاء، وأن الجوع المبرح، والألم المبرح يمنع- علمنا أن علة المنع ليْست هي الغضب، بل تشويس الفكر.
وقول من يقول: (الغضب: هو العلّة؛ لكن لكونه مشوشًا خطأ؛ لأن الحكم لما دار مع تشويش الفكر وجودًا وعدمًا، وانقطع عن الغضب وجودًا وعدمًا، وليس بين التشويش والغضب ملازمة أصلًا؛ لأن تشويش الفكر قد يوجد حيث لا غضب، والغضب يوجد حيث لا تشويش- علمنا أنه ليس بينهما ملازمة؛ وحينئذ: نعلم أنه لا يمكن أن يكون الغضب علة، بل العلة إنما هو التشويش فقط؛ إلا أنه يجوز إطلاق لفظ الغضب؛ لإرادة التشويش؛ إطلاقًا) لاسم السبب على المسبب، ويجب أن يعلم أن الذي به يصرف اللفظ عن ظاهره لابدّ وأن يكون أقوى، وجهات القوة ستأتي في باب الترجيح، إن شاء الله تعالى.
الفصل الثاني
في الإيماء
قال القرافي: قوله: (الجهل لا يكون مانعًا من الإلزام؛ لئلا يلزم مخالفة الأصل):
قلنا: يريدون بمخالفة الأصل حصول التعارض وأنه لازم؛ لأنا لا نعنى بالمانع إلا الوصف الذي إذا جرد النظر إليه اقتضى العدم، والجهل كذلك؛ فإنه مناسب لعدم الإلزام.
قوله: (إذا ثبت أن حقيقة في هذه الصورة، وجب كونه حقيقة في جميع الصور؛ لئلا يلزم الاشتراك في هذا التركيب):
قلنا: هذا الكلام لا يتم حتى تسلموا أن العرب كما وضعت المفردات وضعت المركبات؛ فإن المجاز والاشتراك في اللفظ فرع الوضع، وأنتم قلتم: إن المجاز المركب عقلي ولا لغوي، ومقتضاه عدم الوضع، وليس لهذا جواب إلا أحد أمرين:
إما أن تقولوا: هذا إلزام للخصم؛ لأنه مذهبه.
أو تقولوا: إنا لم نفرع على مذهبنا، بل على مذهب الجماعة في وضع المركبات.
قوله: (ثبوت الحكم بدون علّته عبث؛ وهو على الله- تعالى- محال):
قلنا: هذا مذهب المعتزلة، ونحن لا نقول به.
قوله: (يتطرّق إلى كلام الرّاوى ما لا يتطرّق لكلام الشّارع):
يريد من السّهو والغلط.
قوله: (يشبه أن يكون الذي تقدم العلة فيه على الحكم أقوى في الإشعار بالعلية من العكس؛ لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلة؛ لأن الطرد واجب في العلل، والعكس غير واجب فيها):
قلت: هذا الوضع من المشكلات في تقريره؛ لأن العلة إذا تقدمت نحو {والسّارق والسّارقة فاقطعوا} ، دلت هذه الصيغة على التعليل.
وكذلك: (لا تقربوه طيبًا؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا (هما سواء، والترجيح مشكل، بل المترجح إنما يحسن ويسهل في أن ذات العلة أدل على المعلول من ذات المعلول، من جهة أن العلة تقتضى عين المعلول، وكقولنا: (لامس) فإنا نقول: وجب عليه الوضوء، بخلاف لو قلنا:(وجب عليه الوضوء) لا يتعين أنه لامس؛ لأن علل الحكم يختلف بعضها بعضًا، فمن هذا الوجه يحسن الترجيح.
والكلام- هاهنا- ليس في هذا، إنما الكلام في جملتين من الكلام مركبتين على متقدم تمثيله، وذلك المجموع دلالته على العلية كدلالة المجموع الآخر؛ لأن في كليهما العلة، والمعلول، والفاء، والربط، فيعسر التفاوت بين المجموعين.
غير أن- هاهنا- وجهًا: وهو أنه إذا نطق بالعلة أولًا، تعين أن يترتب عليها معلولها؛ لأنه يقتضيه عينًا.
أما إذا تقدم المعلول في تركيب الكلام لا يقتضى عين علته، لكنّ الفاء ببعد ذلك تعيّنه.
وفي المثال الأول لفظ (الجزاء) المتقدم مع الفاء، فتظافرت الأدلة.
فإن قلت: في كلا الصورتين تظافرت الأدلة، غير أن المتقدم متأخر، والمتأخر متقدم، وأما التظافر فحاصل فيهما.
قلت: نسلم أن العلة مشعرةٌ بعليتها تقدمت أو تأخرت؛ لضرورة طرد العلل، وهو وجوب ترتب معلولاتها عليها في جميع الصور، غير أن المقصود هو أنه إذا لم ينطق بالعلة أولًا كانت معدومة في أوّل الكلام، فيشعر السامع أن هذا المعلول الذي نطق به أولًا قبل النّطق بعلّته، أنه مرتب على