الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة
في أن الأخبار المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالآحاد قد وقع فيها ما يكون كذبًا
.
ثم في بيان الداعي إلى وضع الكذب عليه؛ فهما، مقامان:
أما المقام الأول: فالذي يدل عليه وجوه:
أحدها: ما روى عنه- عليه الصلاة والسلام: (سيكذب على) فهذا الخبر إن كان صدقًا، فلا بد من أن يكذب عليه، وإن كان كذبًا، فقد كذب عليه أيضًا.
وثانيها: انه قد حصل في الأخبار مالا يجوز نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يقبل التأويل، وإذا كان كذلك، وجب القطع بكونه كذبًا.
وثالثها: ما روى عن شعبة: (أن نصف الحديث كذب).
وأما المقام الثاني: وهو سبب الكذب: فاعلم أن ذلك: إما أن يكون من جهة السلف، أو من جهة الخلف، أما السلف: فهم منزهون عن تعمد الكذب، إلا أنه لو وقع ذلك، لوقع على وجوه:
أحدها: أن يكون الراوي يرى نقل الخبر بالمعنى، فيبدل مكان اللفظ آخر لايطابقه في معناه، وهو يرى أنه يقوم مقامه.
وثانيها: أنهم لا يكتبون الحديث في الغالب، فإذا قدم العهد، فربما نسى اللفظ، فأبدل به لفظًا آخر، وهو يرى أن ذلك اللفظ هو المسموع، وربما نسى زيادة يصح بها الخبر.
وثالثها: ربما أدرك الرسول- عليه الصلاة والسلام وهو يروي متن الخبر،
ولم يذكر إسناده إلى غيره، فيظن أن الخبر من جهته صلى الله عليه وسلم ولهذا كان- عليه الصلاة والسلام يستأنف الحديث، إذا أحس بداخل؛ ليكمل له، ومن ذلك ما روى أنه- عليه الصلاة والسلام قال:(الشؤم في ثلاثة: المرأة، والدار، والفرس) فقالت عائشة- رضي الله عنها: (إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حكاية عن غيره).
ورابعها: أنه ربما خرج الحديث على سبب، وهو مقصور عليه، ويصح معناه به، وما هذا سبيله ينبغي أن يروي مع سببه، فإذا لم يعرف سببه أوهم الخطأ كما روى أنه- عليه الصلاة والسلام قال:(التاجر فاجر)، فقالت عائشة رضي الله عنها:- (إنما قال ذلك في تاجر دلس).
وخامسها: ما روى أن أبا هريرة كان يروى أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وكعب يروي أخبار اليهود، والسامعون ربما ألبس عليهم ذلك، فرووا في الخبر: أنهم سمعوا من أبي هريرة، وإنما سمعوا من كعب.
وأما سبب الكذب في الأخبار من جهة الخلف: فوجوه:
أحدها: أن الملاحدة وضعوا الأباطيل، ونسبوها إلى الرسول- عليه الصلاة والسلام تنفيرًا للعقلاء منه؛ كما يروي ذلك عن عبد الكريم بن أبي العوجاء.
وثانيها: ما قيل: إن الإمامية يسندون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كل ما صح عندهم عن بعض أئمتهم؛ قالوا: لأن جعفر بن محمد قال: (حدثني أبي، وحدثني جدي، وحديث أبي وجدي حديث رسول صلى الله عليه وسلم؛ فلا حرج عليكم، إذا سمعتم مني حديثًا أن تقولوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وثالثها: أن يكون الراوي يرى جواز الكذب المؤدى إلى صلاح الأمة؛ فإن
من مذهب الكرامية: أنه إذا صح المذهب، جاز وضع الأخبار فيه؛ لأن ذلك سبب لترويج الحق؛ فوجب أن يكون جائزًا.
ورابعها: الرغبة؛ كما وضعوا في ابتداء دولة بني العباس أخبارًا في النص على إمامة العباس وولده.
مسألة: في تعديل الصحابة- رضي الله عنهم: مذهبنا: أن الأصل فيهم العدالة، إلا عند ظهور المعارض للكتاب والسنة:
أما الكتاب- فقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا} [البقرة: 143] وقوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين} [الفتح: 18] وقوله تعالى: {والسابقون الأولون} [التوبة: 100].
وأما السنة: فقوله- عليه الصلاة والسلام: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وقوله: (ولا تسبوا أصحابي) وقوله: (لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه) وقوله: (خير الناس قرنى).
وقد بالغ إبراهيم النظام في الطعن فيهم؛ على ما نقله الجاحظ عنه في كتاب (الفتيا) ونحن نذكر ذلك مجملًا ومفصلًا.
أما مجملًا: فإنه روى من طعن بعضهم في بعض أخبارًا كثيرة يأتي تفصيلها، وقال النظام: رأينا بعض الصحابة يقدح في البعض؛ وذلك يقتضى توجه القدح: إما في القادح، إن كان كاذبًا، وإما في المقدوح فيه، إن كان القادح صادقًا.
بيان المقام الأول من وجوه:
(أ) قال عمران بن الحصين: (والله، لو أردت، لحدثت عن رسول الله- عليه الصلاة والسلام يومين متتابعين، فإني سمعت، كما سمعوا، وشاهدت كما شاهدوا؛ ولكنهم يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم).
(ب) عن حذيفة: أنه يحلف لعثمان بن عفان على أشياء بالله: أنه ما قالها، وقد سمعناه قالها، فقلنا له فيه، فقال:(إني أشترى ديني بعضه ببعض؛ مخافة أن يذهب كله).
(ج) ابن عباس- رضي اله عنهما- بلغه أن ابن عمر- رضي الله عنهما يروي (إن الميت ليعذب ببكاء أهله) قال: ذهل أبو عبد الرحمن، إنما مر النبي- عليه الصلاة والسلام بيهودي يبكي على ميت، فقال:(إنه ليبكي عليه، إنه ليعذب).
(د) ابن عمر- رضي الله عنهما عن النبي- عليه الصلاة والسلام قال في الضب: (لا آكله، ولا أحله، ولا أحرمه) فقال زيد الأصم: قلت لابن عباس: إن ناسًا يقولون: إنه- عليه الصلاة والسلام قال في الضب: (لا آكله، ولا أحله ولا أحرمه) قال: (بئس ما قلتم، ما بعث الله النبي إلا محلا ومحرمًا).
(هـ) عن ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر، فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟) ثم قال: (إنهم الآن يسمعون ما أقول) فذكروه لعائشة-
رضي الله عنها- فقالت: لا، بل قال:(إنهم ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق).
قال النظام: وهذا هو التكذيب.
(و) لما روت فاطمة بنت قيس: (أن زوجي طلقني ثلاثًا، ولم يجعل لي رسول الله- عليه الصلاة والسلام سكنى، ولا نفقة) فقال عمر: (لا نقبل قول امرأة، لا ندرى، أصدقت أم كذبت).
وقالت عائشة- رضي الله عنها: (يا فاطمة، قد قتلت الناس) ومعلوم أنها كانت من المهاجرات، مع انها عند عمر وعائشة- رضي الله عنهما كاذب.
(ز) أراد عمر- رضي الله عنه ضرب أبي موسى- رضي الله عنه في خبر الاستئذان؛ حتى شهد له أبو سعيد الخدري.
(ح) كان على- رضي الله عنه يستحلف الرواة؛ فلو كانوا غير متهمين، لما استحلفهم؛ فإن عليا أعلم بهم منا).
(ط) حميد بن عبد الرحمن الحميرى بعث ابن أخ له إلى الكوفة، وقال:(سل على بن أبي طالب عن الحديث الذي رواه عنه أهل الكوفة في البصرة، فإن كان حقا فخبرنا عنه) فأتى الكوفة، فلقي الحسن بن على- رضي الله عنهما فأخبره الخبر، فقال له الحسن:(ارجع إلى عمك، وقل له: قال أمير المؤمنين (يعني أباه): إذا حدثتكم عن رسول الله، فإني لن أكذب على الله، ولا على رسوله، وإذا حدثتكم بر أبي، فإنما أنا رجل محارب) ويروى عنه هذا المعنى بروايات.
قال عمرو بن عبيد الله: وهاشم الأوقص يرى أن قوله: (أمرت أن أقاتل الناس، أو القاسطين، أو المارقين) من ذلك.
وقوله في ذي الثدية: (ما كذبت ولا كذبت) فإنه ربما كان الشيء عنده حقًا، فيقول: إن الرسول أمرني به؛ لأن الرسول، كان آمرًا بكل حق.
(ى) ورويتم عن أبي سعيد الخدري، وجابر، وأنس- رضي الله عنهم قال: وذكر سنة مائة: (أنه لا يبقى على ظهرها نفس منفوسة).
ثم يروي أن عليًا- رضي الله عنه قال لأبي مسعود: (إنك تفتى الناس؟) قال: (أجل، واخبرهم أن الأخير شر، قال: (فأخبرني ما سمعت منه) قال: سمعته يقول: (لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف) فقال على: (أخطأت، وأخطأت في أول فتواك، إنما قال ذلك لمن حضره يومئذ، وهل الرجاء إلا بعد مائة)؟!!.
(يا) أبو هريرة- رضي الله عنه: أنه قال- عليه الصلاة والسلام: (الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة) قال الحسن: (ما ذنبهما)؟ قال أبو هريرة: (أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهذا من الحسن رد على أبي هريرة.
(يب) - قال على لعمر- رضي الله عنهما في قصة الجنين: (إن كان هذا جهد رأيهم، فقد قصروا، وإن كانوا قاربوك، فقد غشوك) وهذا من على- رضي الله عنه حكم بجواز اللبس.
(يجـ) أبو الأشعت قال: كنا في غزاة، وعلينا معاوية- رضي الله عنه فأصبنا ذهبًا وفضًة، فأمر معاوية رجلًا ببيعها للناس في أعطياتهم، فتسارع الناس فيها،
فقام عبادة بن الصامت- رضي الله عنه فنهاهم، فردوها، فأتى الرجل معاوية، فشكا إليه، فقام خطيبًا، فقال:(ما بال رجال يحدثون عن رسول الله- عليه الصلاة والسلام أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه، فلم نسمعها منه؟!!)
فقام عبادة، وأعاد القصة، ثم قال:(والله، لنحدثن عن رسول- الله عليه الصلاة والسلام وإن كره معاوية) أو قال: (وإن رغم، ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء).
فهذا يدل: إما على كذب عبادة، أو كذب معاوية، ولو كذبنا معاوية، لكذبنا أصحاب صفين؛ كالمغيرة وغيره، وعلى أن معاوية، لو كان كذابًا، لما ولاه عمر، وعثمان على الناس.
(يد) أن أبا موسى قام على منبر الكوفة، لما بلغه أن عليًا- رضي الله عنه أقبل يريد البصرة، فحمد الله، وأنثى عليه، ثم قال:(يا أهل الكوفة، والله، ما أعلم واليًا أحرص على صلاح الرعية منى، والله، لقد منعتكم حقًا كان لكم بيمين كاذبة، فأستغفر الله منها).
وهذا إقرار منه على نفسه باليمين الكاذبة.
(يه) روى أبو بكر، وعمر- رضي الله عنهما يوم السقيفة: أنه- عليه الصلاة والسلام قال: (الأئمة من قريش) ثم رويتم أشياء ثلاثة تناقضه:
أحدها: قول عمر- رضي الله عنه في آخر حياته: (لو كان سالم حيًا، لما تخالجني فيه شك)، وسالم مولى امرأة من الأنصار، وهي حازت ميراثه.
وثانيها: أنه- عليه الصلاة والسلام قال: (اسمع، وأطع، ولو كان عبدًا حبشيًا.
وثالثها: قوله- عليه الصلاة والسلام: (لو كنت مستخلفًا من هذه الأمة أحدًا من غير مشورة، لاستخلفت ابن أم عبد).
(يو) لما روى أبو هريرة: أنه- عليه الصلاة والسلام قال: (إن المرأة والكلب والحمار يقطعن الصلاة) مشت عائشة- رضي الله عنها في خف واحدة، وقالت:(لأحنثن أبا هريرة، فإني ربما رأيت الرسول- عليه الصلاة والسلام وسط السرير، وأنا على السرير بينه وبين القبلة).
(يز) روى أبو هريرة عنه: أنه- عليه الصلاة والسلام قال: (إن الميت على من غسله الغسل، وعلى من حمله الوضوء) فبلغ ذلك عائشة- رضي الله عنها فقالت: (أنجاس موتاكم)؟
(يحـ) عن إبراهيم أن عليًا- رضي الله عنه بلغه أن أبا هريرة يبتدئ بميامنه في الوضوء، وفي اللباس، فدعا بماءٍ، فتوضأ وبدأ بمياسيره، وقال:(لأخالفن أبا هريرة).
(يط) إن أصحاب عبد الله، لما بلغهم خبر أبي هريرة:(من قام من منامه، فلا يغمس يده في الإناء؛ حتى يغسلها ثلاثًا) قالوا: إن أبا هريرة مكثار، فكيف نصنع بالمهراس)؟!
(ك) لما قال أبو هريرة: (حدثني خليلي) قال له علي- رضي الله عنه: (متى كان خليلك؟).
وقال عمرو بن عبيد الله: كأنه ما سمع قوله- عليه الصلاة والسلام: (لو كنت متخدًا خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا).
(كا) لما روى أبو هريرة: (من أصبح جنبًا، فلا صوم له) أرسل مروان في
ذلك إلى عائشة، وحفصة- رضي الله عنهما فقالتا:(كان النبي- عليه الصلاة والسلام يصبح جنبًا، ثم يصوم) فقال لرسول: اذهب إلى أبي هريرة، فأخبره بذلك، فقال أبو هريرة:(أخبرني بذلك الفضل بن عباس).
قال النظام: والاستدلال به من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه استشهد ميتًا وثانيها: أنه لو لم يكن متهمًا فيه، لما سألوا غيره، وثالثها: أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما كذبتاه.
(كب) ولما روى أبو سعيد الخدري (خبر الربا) قال ابن عباس: (نحن أعلم بهذا، وفينا نزلت آية الربا) فقال الخدري: (أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول لي ما تقول؟ والله، لا يظلني وإياك سقف بيتٍ) وهذا تكاذب بين ابن عباس وأبي سعيد.
(كج) لما قدم ابن عباس البصرة، سمع الناس يتحدثون عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم فكتب إليه، فقال أبو موسى:(لا أعرف منها حديثًا).
(كد) روى أن عمر- رضي الله عنه كان إذا ولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأعمال، وشيعهم، قال لهم عند الوداع:(أقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال النظام: فلولا التهمة، لما جاز المنع من العلم.
(كه) رووا عن سهل بن أبي حثمة في القسامة، ثم إن عبد الرحمن بن عبيد قال:(والله، ما كان الحديث كما حدث سهل، ولقد وهم، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل خيبر: إن قتيلًا وجد في أوديتكم فدوه) فكتبوا؛ يحلفون بالله، ما قتلوه، فوداه رسول اله من عنده).
وقال محمد بن إسحاق: سمعت عمرو بن شعيب في المسجد الحرام، يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: أن حديث سهلٍ ليس كما حدث).
(كو) قال أصحاب الشعبي: (إنك لا ترى طلاق المكره، قال: أنتم تكذبون على، وأنا حي، فكيف لا تكذبون على إبراهيم، وقد مات).
(كز) قال ابن أبي مليكة: (ألا تعجب؟! حدثني عروة عن عائشة- رضي الله عنها أنها قالت: أهللت بعمرةٍ، وقال القاسم: إنها قالت بحجةٍ).
(كح) قال صدقة بن يسار: (سمعت أنه- عليه الصلاة والسلام قال في الذي يسافر، وحده، وفي الاثنين: (شيطان وشيطانان) فلقيت القاسم بن محمد، فسألته، فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث البريد وحده، وكان النبي وصاحبه وحدهما).
فهذا من القاسم تكذيب بهذا الخبر.
(كط) كان ابن سيرين يعيب الحسن في التفسير، وكان الحسن يعيبه في التعبير، ويقول:(كأنه من ولد يعقوب).
(ل) ابن عباسٍ- رضي الله عنهما: (الحجر الأسود من الجنة، وكان أشد بياضًا من الثلج؛ حتى سودته خطايا أهل الشرك) فسئل ابن الحنفية عن الحجر، وقيل: ابن عباسٍ يقول: (هو من الجنة) فقال: هو من بعض الأودية.
قال النظام: لو كان كفر أهل الجاهلية يسود الحجر، لكان إسلام المؤمنين يبيضه، ولأن الحجارة قد تكون سوداء وبيضاء، فلو كان ذلك السواد من
الكفر، لوجب أن يكون سوادها بخلاف سائر الأحجار؛ ليحصل التمييز، ولأنه لو كان كذلك لاشتهر ذلك؛ لأنه من الوقائع العجيبة؛ كالطير الأبابيل.
(لا) روى أبو سعيد الخدري: (أنه لا هجرة بعد الفتح، لكن جهاد ونية) فقال له مروان: كذبت، وعنده رافع بن خديجٍ، وزيد بن ثابت، وهما قاعدان على سريره، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان، لعرفاك؛ ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة، فسكتا، فرفع مروان عليه الدرة، فلما رأيا ذلك، قالا:(صدق).
(لب) عطاء بن أبي رباحٍ، قيل له: روى عكرمة عن ابن عباس: أنه قال: (سبق الكتاب الخفين)، قال:(كذب؛ أنا رأيت ابن عباسٍ يمسح على الخفين).
(لج) قال أيوب لسعيد بن جبير: (إن جابر زيدٍ يقول: إذا زوج السيد العبد، فالطلاق بيد السيد) قال: (كذب جابر).
(لد) قال عروة لابن عباس: (أضللت الناس يا بن عباس) قال: (وما ذاك، يا عروة؟) قال: (تأمرنا بالعمرة في هذه الأيام، وليست فيها عمرة) قال: (أفلا تسأل أمك عن هذا؛ فإنها قد شهدته؟) قال عروة: (فإن أبا بكرٍ، وعمر كان لا يفعلانه، قال: (هذا الذي أضلكم؛ أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثونني عن أبي بكر، وعمر) فقال عروة: أبو بكر، وعمر كانا أتبع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلم بها منك) وهذا تكذيب من عروة لابن عباس.
(له) رويتم عن أبي بكر- رضي الله عنه: أنه قال: (أي سماءٍ تظلني، وأي أرضٍ تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي).
ثم رويتم: أنه سئل عن الكلالة، فقال:(أقول فيها برأيي؛ فإن كان صوابًا، فمن الله، وإن كان خطأ، فمني، ومن الشيطان) قال النظام: وهذان الأثران متناقضان.
ثم رويتم: أن عمر رضي الله عنه قال-: (إني لأستحي أن أخالف أبا بكر) قال النظام: فإن كان عمر استقبح مخالفة أبي بكر؛ فلم خالفه في سائر المسائل؟ فإنه قد (خالفه في الجد، وفي أهل الردة، وقسمة الغنائم).
ثم إن النظام قدح في ابن مسعود- رضي اله عنه- خاصة من وجوه:
(أ) زعم أنه رأي القمر انشق، وهذا كذب ظاهر؛ لأن الله تعالى ما شق القمر له وحده، وإنما يشقه آيًة للعالمين؛ فكيف لم يعرف ذلك غيره، ولم يؤرخ الناس به، ولم يذكره شاعر، ولم يسلم عنده كافر، ولم يحتج به مسلم على ملحد؟!!.
(ب) أنكر ابن مسعود كون المعوذتين من القرآن؛ فكأنه ما شاهد قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم لهما، ولم يهتد إلى ما فيهما من فصاحة المعجزة، أو لم يصدق جماعة الأمة في كونهما من القرآن!!.
فإن كانت تلك الجماعة ليست حجة عليه، فأولى ألا تكون حجة علينا، فنحن معذورون في ألا نقبل قولهم.
(جـ) اختار المسلمون قراءة زيد، وهو خالف الكل، ولم يقرأ بها.
(د) لما صلى عثمان- رضي الله عنه بمنًى أربعًا، عابة، فقيل له فيه، فقال:(الخلاف شر، والفرقة شر) ثم إنه عمل بالفرقة في أمور كثيرة.
(هـ) وما زال يقدح القول في عثمان، ويسر القول فيه منذ اختار قراءة زيد.
(و) رأى أناسًا من الزط، فقال:(هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن).
ثم قال علقمة: قلت لابن مسعود: (أكنت مع النبي- عليه الصلاة والسلام ليلة الجن؟ فقال: ما شهدها منا أحد).
(ز) سأله عمر- رضي اله عنه- عن شيء من الصرف، فقال:(لا بأس به). فقال عمر- رضي الله عنه: (لكني أكرهه) فقال: (قد كرهته؛ إذ كرهته)؛ فرجع عن قول إلى قول بغير دليل.
قال النظام: فقد ثبت قدح بعضهم في البعض، فإن صدق القادح، فقد توجه العيب، وإن كذب، فكذلك.
أما الخوارج فقد طعنوا في الصحابة- رضي الله عنهم ولعنوا مبغضيهم من وجوه:
أحدها: قالوا: (رأيناهم قبلوا خبر الواحد، على مناقضة كتاب الله تعالى، وذلك يوجب القطع بفساد ذلك الخبر، والطعن في العامل به):
بيانه: أن الله تعالى ذكر أنواع المعاصي من الكفر، والقتل، والسرقة، فلما ذكر الزنا، استقصى الكلام فيه؛ فإنه تعالى نهى عنه، فقال:{ولا تقربوا الزنا} [الإسراء: 32] ثم أوعد عليه بالنار، كما صنع وبجميع المعاصي، ثم ذكر الجلد، ثم خصه بإحضار المسلمين، وبالنهي عن رحمته، والرأفة عليه؛ بقوله:{ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} [النور: 2].
ثم جعل على من رمى مسلمًا بالزنا ثمانين جلدة، ولم يجعل ذلك على من رماه بالقتل، ولا بالكفر، وهما أعظم، ثم قال: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا
وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] ثم ذكر من رمى به زوجته، وبين هناك أحكام اللعان، وقال:{والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك} [النور: 3].
ثم خصه بأن جعل الشهود عليه أربعًا، فمع هذه المبالغة العظيمة؛ كيف يجوز إهمال ما هو أجل أحكامها، وأعظم مراتبها وهو الرجم؟!!.
ثم إنه تعالى ذكر آيات صريحة في نفي الرجم:
أحدها: قوله: {الزانية والزاني فاجلدوا} [النور: 2] وهذا صريح في وجوب الجلد على كل الزناة، وصريح في نفي الرجم.
وثانيها: قوله: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] والرجم لا نصف له.
وثالثها: وهو الدلالة العقلية: أن الرجم، لو كان مشروعًا، لوجب أن ينقل نقلًا متواترًا؛ لأنه من الوقائع العظيمة، فحيث لم ينقل، دل على أنه غير مشروع، ثم إنهم قبلوا خبر الواحد في الرجم مع كونه على مناقضة هذه الأدلة الشرعية والعقلية؛ فكان الطعن متوجهًا قطعًا.
وثانيها: رويتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه خرج يومًا على أصحابه، وهم يكتبون أحاديث من أحاديثه، فقال:(ما هذه الكتب، أكتابًا مع كتاب الله تعالى؟ يوشك أن يقبض الله تعالى بكتابه، فلا يدع في قلبٍ، ولا رق منه شيئًا إلا أذهبه).
ورويتم أيضًا أنه قال: (إذا حدثتم بحديث، فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه، فاقبلوه، وإلا فردوه) ثم إنكم مع ذلك مع ذلك جوزتم المسح على الخفين، مع صريح قوله تعالى:{إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6].
وقلتم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) و (يحرم نكاح المرأة على عمتها، وخالتها، وبنت أخيها، وأختها) مع قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24].
وكيف يجلد العبد القاذف أربعين، مع قوله تعالى:{والذين يرمون المحصنات} [النور: 4] ولم يذكر حرًا ولا عبدًا؟!.
وكيف يجلد العبد على الزنا خمسين، وإنما ذكر الله تعالى الإماء دون العبيد، فقال:{فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25].
وكيف رددتم شهادة العبد مع قوله تعالى: {وأشهدوا ذوى عدل منكم} [الطلاق: 2] ومع قوله: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282].
وكيف منعتم من إمامة غير القرشي، مع قوله:{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم} [النساء: 59]؟.
وثالثها: ما يروى من شتم بعضهم بعضًا، ولنذكر من ذلك حكايات:
الحكاية الأولى: حكى ابن داب في مجادلات قريش، قال: اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة، والمغيرة بن شعبة، ثم أحضروا الحسن بن- على رضي الله عنهم ليسبوه، فلما حضر، تكلم عمرو بن العاص، وذكر عليًا- رضي الله عنه ولم يترك شيئًا من المساوئ إلا ذكر فيه، وفيما قال:(إن عليًا شتم أبا بكر، وشارك في دم عثمان) إلى (أن قال: اعلم أنك وأباك من شر قريش) ثم خطب كل واحد منهم بمساوئ علي، والحسن- رضي الله عنهما ومقابحهما، ونسبوا عليًا إلى قتل عثمان، ونسبوا الحسن إلى الجهل والحمق.
فلما آل الأمر إلى الحسن- رضي الله عنه خطب، ثم بدأ بشتم معاوية- رضي الله عنه وطول فيه، إلى أن قال له:- إنك كنت ذات يومٍ تسوق بأبيك، ويقود به أخوك هذا القاعد، وذلك بعدما عمى أبو سفيان؛ فلعن رسول اله صلى الله عليه وسلم الجمل وراكبه وسائقه وقائده، فكان أبوك الراكب، وأخوك القائد، وأنت السائق).
ثم قال لعمرو بن العاص: (إنما أنت سبة، كما أنت؛ فأمك زانية؛ اختصم فيك خمسة نفرٍ من قريشٍ، كلهم يدعى عليك أنك ابنه، فغلب عليك جزار قريش، من ألأمهم حسبًا، وأقلهم منصبًا، وأعظمهم لعنة، ما أنت إلا شانئ محمد، فانزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم: {إن شانئك هو الأبتر} [الكوثر: 3] ثم هجوت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعين قافيًة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم، إني لا أحسن الشعر، فالعنة بكل قافية لعنة).
وأما أنت يا بن أبي معيط: فوالله، ما ألومك أن تبغض عليًا، وقد جلدك في الخمر، وفي الزنا، وقتل أباك صبرًا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وسماه الله تعالى في عشر آياتٍ مؤمنًا، وسماك فاسقًا، وأنت علج من أهل النورية.
أما أنت يا عتبة: فما أنت بحصيف فأجييك، ولا عاقل فأعاتبك، وأما وعدك إياي بالقتل، فهلا قتلت الذي وجدت في فراشك مع أهلك؟.
وأما أنت يا مغيرة بن شعبة، فمثلك مثل البعوضة؛ إذ قالت لنخلة:(استمسكي؛ فإني عليك نازلة) فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك على).
وأما زعمك: أنه قتل عثمان، فلعمري لو قتل عثمان ما كنت منه شيءٍ.
وإنك لكاذب.
قال الخوارج: فهذه المشاتمة العظيمة المتناهية التي دارت بينهم تدل على أنهم ما كانوا يمسكون ألسنتهم عن القذف والقدح في الدين والعرض؛ وذلك يوجب القدح العظيم في إحدى الطائفتين.
الحكاية الثانية: أن عثمان- رضي الله عنه أخر عن عائشة رضي الله عنها بعض أرزاقها، فغضبت، ثم قالت:(يا عثمان، أكلت أمانتك، وضيعت الرعية، وسلطت عليهم الأشرار من أهل بيتك، والله، لولا الصلوات الخمس، لمشى إليك أقوام ذوو بصائر، يذبحونك كما يذبح الجمل) فقال عثمان- رضي الله عنه: {ضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط} [التحريم: 10] الآية، فكانت عائشة- رضي الله عنها تحرض عليه جهدها وطاقتها، وتقول:(أيها الناس، هذا قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبل، وقد بليت سنته، اقتلوا نعثلًا، قتل الله نعثلًا) ثم إن عائشة ذهبت إلى مكة، فلما قضت حجها، وقربت من المدينة، أخبرت بقتل عثمان، فقالت: ثم ماذا؟ فقالوا: بايع الناس على بن أبي طالب، فقالت عائشة:(قتل عثمان والله مظلومًا، وأنا طالبة بدمه، والله، ليوم من عثمان خير من على الدهر كله).
فقال لها عبيد بن أم كلاب: ولم تقولين ذلك؟ فوالله ما أظن أن بين السماء والأرض أحدًا في هذا اليوم أكرم على اله من علي بن أبي طالبٍ، فم تكرهين ولايته؟ ألم تكوني تحرضين الناس على قتله؛ فقلت:(اقتلوا النعثل، فقد كفر)؟ فقالت عائشة: (لقد قلت ذلك، ثم رجعت عما قلت، وذلك أنكم
أسلمتموه حتى إذا جعلتموه في القبضة، قتلتموه، والله، لأطلبن بدمه). فقال عبيد بن أم كلاب: هذا، والله تخليط يا أم المؤمنين.
الحكاية الثالثة: الخصومة العظيمة التي كانت بين عبد اله بن مسعود، وأبي ذر، وعمار، وبين عثمان، والخصومة التي كانت بين عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم حتى آل الأمر إلى الضرب والنفي عند البلد واللعن، وكل ذلك يقتضي توجه القدح إلى عدالة بعضهم.
الحكاية الرابعة: مقتل عثمان- رضي الله عنه والجمل وصفين، ثم قالت الخوارج: رأينا هؤلاء المحدثين يجرحون الراوي بأدنى سبب، ثم إنهم مع علمهم بهذه القوادح العظيمة يقبلون روايات الصحابة، ويعلمون بروايات القادح والمقدوح فيه؛ وهذا ليس من الدين في شيء، بل هؤلاء المحدثون أتباع كل من عز، وعبيد كل من غلب، ويروون لأهل كل دولةٍ في ملكهم، فإن انقضت دولتهم، تركوهم.
ومما رواه الكل: (أن إمامًا سيكون منهم، وأنه سيملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا) فروت الحسينية ذلك لنفسها، وروت العباسية لنفسها حتى سموا ولد المنصور مهديًا، وحتى روت الأموية مثل ذلك في السفياني، وسموا سليمان بن عبد الملك مهديًا، وحتى روت اليمانية في الأصغر القحطاني، إلى أن خرج ابن الأشعث على ذلك الطمع تارة، ويزيد بن المهلب أخرى.
ورابعها: قالوا: إنا نعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم متى كان يشرع في الكلام، فالصحابة ما كانوا يكتبون كلامه من أوله إلى آخره لفظًا، وإنما كانوا يسمعونه، ثم يخرجون من عنده، وربما رووا ذلك الكلام بعد ثلاثين سنة.
ومن المعلوم أن العلماء الذين تعودوا تلقف الكلام، ومارسوه، وتمرنوا عليه، لو سمعوا كلامًا قليلًا مرة واحدة، فأرادوا إعادته في تلك الساعة بتلك الألفاظ من غير تقديم، ولا تأخير، لعجزوا عنه، فكيف الكلام الطويل بعد المدة المتطاولة، من غير تكرار ولا كتابة.
ومن أنصف قطع بأن هذه الأخبار التي رووها ليس شيء من ألفاظها لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم من يعيد الكلام بعد هذه المدة لا يمكنه أن يعيد معناه بتمامه؛ فإن الإنسان مظنة النسيان؛ بل لا يعيد إلا بعضه.
وإذا كان كذلك، لزم القطع بسقوط الحجة عن هذه الألفاظ؛ لا سيما وقد جربناهم، فرأيناهم يذكرون الكلام الواحد، في الواقعة الواحدة، بروايات كثيرةٍ، مع زيادات ونقصاناتٍ، وأحسن الأحوال في ذلك: أن نحمل ما قلناه من عدم حفظ الألفاظ، وتغيير التقديم والتأخير؛ بسبب طول المدة، وكل ذلك يوجب القدح في هذه الأخبار.
والجواب: اعلم أن اعتماد أصحابنا في هذا الباب على حجةٍ واحدةٍ؛ وهي أن آيات القرآن دالة على سلامة أحوال الصحابة، وبراءتهم من المطاعن، وإذا كان كذلك، وجب علينا أن نحسن الظن بهم إلى أن يقوم دليل قاطع على الطعن فيهم.
وأما هذه المطاعن التي ذكرتموها، فمروية بالآحاد، فإن فسدت رواية الآحاد، فسدت هذه المطاعن، وإن صحت، فسدت هذه المطاعن أيضًا، فعلى كل التقديرات هذه المطاعن مدفوعة؛ فيبقى الأصل الذي ذكرناه سليمًا.
وأما طعن الخوارج: فهو بناء على أن تخصيص الكتاب بخبر الواحد لا يجوز وقد تقدم القول فيه.
وأما قولهم: (إن الظاهر: أن هذه الألفاظ ليست ألفاظ الرسول- عليه الصلاة والسلام): قلنا: لما ثبت أن الظاهر من حال الراوي العدالة، وقد أخبر بأنها ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم وجب تصديقه فيه ظاهرًا، والله أعلم.
الباب الثالث
في الخبر الذي يقطع بكذبه
قال القرافي: قوله: (الخبر عن الشيء يتأخر في الرتبة عن المخبر عنه).
تقريره: أنه إذا لم يكذب قط، وقال: أنا كاذب، وأراد هذا الخبر الذي نطق به الآن، وأنه كاذب فيه، فيكون هذا الخبر خبرًا ومخبرًا عنه، وتعدد الواحد محال، فلا يكون هذا الخبر في نفسه كذبًا؛ لعدم التعدد، والإخبار عنه بأنه كذب يكون كذبًا لا ينفي شرط ذلك، وهو التعدد.
قوله: (لا نسلم أن عدم بلدة بين (بغداد) و (البصرة) ليس ضروريًا، بل يتوقف على النظر، ولهذا إذا قيل للقائل ذلك: لم قلته؟ يقول: لو كان لنقل):
قلنا: هذا لا يدل على أنه متوقف على هذا الدليل؛ فإن هذا يقال لمعنيين: أحدهما: لأن المطلوب نظري.
والثاني: بقصد إفحام الخصم وبيان عناده، وكذلك قال الإمام في (المحصل) في الاستدلال على أن الجزء أقل من الكل: إنه لو كان مساويًا لكان الجزئي الآخر وجوده وعدمه سواء، واستدل على أشياء كثيرة من الضروريات بهذا الطريق، فعلمنا أن الاستدلال لا يقتضي أن المستدل عليه نظري.
قوله: (حصل في الأخبار ما لا يجوز نسبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم):
تقريره: أن الرافضة روت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا ومعه عفريت من الجن، فدخل عليهما علي-رضي الله عنه ففر العفريت، ثم خرج علي-رضي الله عنه فرجع العفريت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: مالك فررت؟ فقال له: من علي؛ فإنه شجني في رأسي من أربعة آلاف سنة، فلما خرج العفريت عاد علي فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي أبعثت معنا ومع غيرنا؟ فقال: نعم.
فهذا الحديث يعلم بالضرورة أنه كذب، وأن نسبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم متعذرة.
قوله: (هذه المطاعن مرورية بروايات الآحاد، فإن بطلت روايات الآحاد بطلت هذه المطاعن، وإن صحت رواية الآحاد بطلت هذه المطاعن أيضًا):
تقرير بطلانها على التقديرين: أن بتقدير صحة رواية الآحاد، ونحن لا ندفع الدليل الدال على عصمتهم إلا بدليل قطعي؛ لأنه قطعي، والقطع لا يعارضه الظن، فكذلك بطلت المطاعن على التقديرين.
قوله: (وأما طعن الخوارج فمبنى على أن تخصيص الكتاب بخبر الواحد لا يجوز).
تقريره: أن جمعًا من الصحابة-رضوان الله عليهم- خالفوا ظاهر الكتاب لأخبار آحاد اتصلت بهم، فجعلهم الخوارج عصاة لمخالفتهم ظاهر الكتاب، وليس كما زعموا؛ لأن تخصيص الكتاب بخبر الواحد جائز كما تقدم في (باب التخصيص).
قوله: (ألفاظ الراوي هي الرسول؛ لظاهر عدالة الراوي).
تقريره: أن العلماء نصوا على أن الله-تعالى- لما سبق في قضائه وقدره بقاء هذه الشريعة، وظهور هذه الملة المحمدية على الحق جعل من جملة أسباب ذلك أن سلفها، وهم الصحابة-رضوان الله عليهم- وكثير من التابعين يحفظون من المرة الواحدة، ولا ينسبون ذلك مع تطاول السنين.
ولذلك كان أبو هريرة إذا مر في السوق سد أذنه؛ لأنه كان أي شيء سمعه حفظه، وذلك كثير في الصحابة رضوان الله عليهم.
وأما التابعون فحفظ [أبو] زرعة ستمائة ألف حديث بأسانيدها، وحفظ البخاري مائتي ألف حديث بأسانيدها، وما يتعلق بها، وحفظ مالك مائة ألف حديث على النحو الذي كان يختاره، فإنه كان لا ينقل إلا عن الرواة الفقهاء، وكان في أقضية الصحابة لا ينسى عبارة، وأملاه يومًا شيخه ربيعة أربعين حديثًا، فأدعاها عليه من مرة واحدة، وشك في واو هل واو أو فاء؟ فعاتبه ربيعة وقال له: دعنا ساء حفظ الناس اليوم، وقوله: ساء