الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثاني
قال الرازي: في الطرق الدالة على كون الوصف المعين علة للحكم في الأصل
.
قد عرفت أن حاصل القياس يرجع إلى أصلين:
أحدهما: أن الحكم في محل النص معلل بالوصف الفلاني.
وثانيهما: أن ذلك الوصف حاصل في الفرع.
والأصل الأول أعظمهما وأولاهما بالبحث والتدقيق، والكلام في هذا القسم مرتب على مقدمة وأربعة أبواب:
أما المقدمة: ففي تفسير العلة
في هذا الموضع، قال نفاة القياس: إما أن يكون المراد من العلة ما يكون مؤثرا في الحكم، أو ما يكون داعيا للشرع إلى إثباته، أو ما يكون معرفا له، أو معنى رابعا، والثلاثة الأول باطلة، والرابع لا بد من إفادة تصوره، لننظر فيه، هل يصح أم لا؟.
أما الأول؛ وهو الموجب: فهو باطل من وجوه:
أحدها: أن حكم الله تعالى - على قول أهل السنة - مجرد خطابه الذي هو كلامه القديم، والقديم يمتنع تعليله؛ فضلا عن أن يعلل بعلة محدثة، وأما على قول من يقول: الأحكام أمور عارضة للأفعال معللة بوقوع تلك الأفعال؛ على جهات مخصوصة، فهو قول المعتزلة في الحسن والقبح العقليين، وقد أبطلتموه.
وثانيها: أن الواجد هو الذي يستحق العقاب على تركه، واستحقاق العقاب وصف ثبوتي؛ لأنه مناقض لعدم الاستحقاق، وتركه هو ألا يفعله، وهو عدمي، ولو كان ذلك الاستحقاق معللا بهذا الترك، لكان الوجود معللا بالعدم؛ وهو محال.
فإن قلت: (لم لا يجوز أن يقال: (القادر لا ينفك عن فعل الشيء، أو فعل ضده، فإذا ترك الواجب، فقد فعل ضده، واستحقاق العقاب معلل بفعل ضده؟):
قلت: هذا لا يستقيم؛ على رأي أبي هاشم، وأبي الحسين وأتباعهما؛ لأنه يجوز عندهما خلو القادر من الأخذ والترك.
وأيضا: ففعل الضد، لو لم يستلزم الإخلال بواجب، لم يستلزم استحقاق الذم والعقال، ولو فرضنا وقوع الإخلال بالواجب من غير فعل الضد، لاستلزم استحقاق الذم والعقاب؛ فعلمنا أن المستلزم بالذات لهذا الاستحقاق: هو ألا يفعل الواجب، لا فعل ضده.
وثالثها: أن العلة الشرعية، لو كانت مؤثرة في الحكم، لما اجتمع على الحكم الواحد علل مستقلة؛ لكن قد يحصل هذا الاجتماع، فالعلة غير مؤثر.
بيان الملازمة: أن الحكم مع علته المستقلة واجب الحصول، وما كان واجب الحصول لذاته، استحال وقوعه؛ لأن الواجب لذاته لا يكون واجبا لغيره، فإذا اجتمعت عليه علل مستقلة، كان لكونه مع هذا منقطعا عن الآخر، وبالعكس؛ فيلزم استغناؤه عن الكل حال احتياجه إلى الكل؛ وهو محال.
بيان استثناء نقيض التالي: ما إذا زنا وارتد، أو لمس ومس معا؛ فإن الحكم ها هنا واحد؛ لامتناع اجتماع المثلين.
وبتقدير جوازه: فإنه لا يكون استناد أحد الحكمين إلى أحد العلتين أولى من استناده إلى العلة الأخرى، ومن استناد الحكم الآخر إليها، فيعود إلى كون كل واحد من الحكمين معللا بكل واحدة من العلتين؛ وهو محال.
ورابعها: أن كون القتل العمد العدوان قبيحا، وموجبا لاستحقاق الذم والقصاص، لو كان معللا بكونه قتلا عمدا، عدوانا والعدوانية صفة عدمية؛ لأن معناها: أنها غير مستحقة - لزم أن يكون العدم جزءا من علة الأمر الوجودي؛ وهو محال.
فإن قلت: (لم لا يجوز أن يكون هذا العدم شرطا لصدور الأثر عن المؤثر؟):
قلت: لأن عليه العلة ما كانت حاصلة قبل حصول هذا الشرط، ثم حدثت عند حصوله، فتلك العلية أمر حادث لا بد له من مؤثر، وهو الشرط، فلو جعلنا الشرط عدما، لزم جعل العدم علة لتلك العلية؛ وهو محال.
ومن الفقهاء: من قال: هذه الإشكالات إنما تتوجه على من يجعل هذه الأوصاف عللا مؤثرة لذواتها في هذه الأحكام، ونحن لا نقول بذلك؛ بل كونها عللا لهذه الأحكام أمر ثبت بالشرع؛ فهي لا توجب الأحكام لذواتها؛ بل لأن الشرع جعلها موجبة لهذه الأحكام.
وهذا هو الذي عول عليه الغزالي في (شفاء الغليل)، فيقال له: إن أردت بجعل الزنا علة موجبة للرجم، أن الشرع قال:(مهما رأيتم إنسانا يزني، فاعلموا أني أوجبت رجمه) فهذا صحيح؛ ولكن يرجع حاصله إلى كون الزنا معرفا لذلك الحكم، وهو غير ما نحن الآن فيه، وإن أردت به: أن الشرع جعل الزنا مؤثرا في هذا الحكم؛ فهو باطل من وجهين:
الأول: أنه معترف بأن الحكم ليس إلا خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، وذلك هو كلامه القديم؛ فكيف يعقل كون الصفة المحدثة موجبة للشيء القديم، سواء كانت الموجبة بالذات، أو بالجعل؟.
الثاني: أن الشارع، إذا جعل الزنا علة، فخال ذلك الجعل: إن لم يصدر عنه أمر البتة، لم يكن جاعلا البتة، وإن صدر عنه أمر، فلذلك الأمر: إما الحكم، أو ما يؤثر في الحكم، أولا الحكم، ولا ما يؤثر في الحكم:
فإن كان الصادر هو الحكم: كان المؤثر في الحكم هو الشارع، لا الوصف، وقد فرض أن المؤثر هو الوصف هذا خلف.
وإن كان الصادر ما يؤثر في الحكم: كان تأثير الشارع في إخراج ذلك المؤثر من العدم إلى الوجود، ثم إنه بعد وجوده يؤثر في الحكم لذاته، فتكون موجبيته لذاته، لا بالشرع.
وإذا كان الصادر لا الحكم، ولا ما يؤثر فيه البتة: لم يحصل الحكم حينئذ، وإذا لم يحصل الحكم، لم يجعل الشرع ذلك الوصف موجبا لذلك الحكم، وقد فرض كذلك؛ هذا خلف.
التفسير الثاني: الداعي، وهو بالحقيقة أيضا: موجب؛ لأن القادر، لما صح منه فعل الشيء، وفعل ضده، لم تترجح فاعليته للشيء على فاعليته لضده، إلا إذا علم أن له فيه مصلحة، فذلك العلم هو الذي لأجله؛ صار القادر فاعلا لهذا الضد؛ بدلا من كونه فاعلا لذلك الضد؛ لكن العلم موجب لتلك الفاعلية، ومؤثر فيها، فمن قال:(أكلت؛ للشبع) كان معناه ذلك.
إذا عرفت هذا، فنقول: هذا في حق الله تعالى محال؛ لوجهين:
الأول: أن كل من فعل فعلا؛ لغرض، فإنه مستكمل بذلك الغرض، والمستكمل بغيره ناقص بذاته؛ وذلك على الله تعالى محال.
وإنما قلنا: (إن فعل فعلا؛ لغرض، فإنه مستكمل بذلك الغرض) لأنه إما أن يكون حصول ذلك الغرض، ولا حصوله بالنسبة إليه في اعتقاده على السواء، وإما أن يكون أحدهما أولى به في اعتقاده:
فإن كان الأول: استحال أن يكون غرضا، والعلم به ضروري بعد الاستقراء والاختبار.
وإن كان الثاني: كان حصول تلك الأولوية معلقا بفعل ذلك الغرض، وكل ما كان معلقا على غيره، لم يكن واجبا لذاته، فحصول ذلك الكمال غير واجب لذاته؛ فهو ممكن العدم لذاته؛ فلا يكون كمال الله تعالى صفة واجبة؛ له؛ بل ممكنة الزوال عنه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فإن قلت: (حصول ذلك الغرض، ولا حصوله بالنسبة إليه تعالى على السواء؛ ولكن بالنسبة إلى غيره، لا على السواء؛ فلا جرم أن الله تعالى يفعل، لا لغرض يعود إليه؛ بل الغرض يعود إلى عبده):
قلت: كونه تعالى فاعلا للفعل الذي هو أولى بالعبد، وكونه غير فاعل له: إما أن يتساويا بالنسبة إليه تعالى من جميع الوجوه، أو لا يتساويا:
فإن كان الأول: استحال أن يكون ذلك داعيا لله تعالى إلى الفعل.
وأيضا: فكيف يعقل هذا، مع أن المعتزلي يقول: لو لم يفعل، لاستحق الذم، ولما كان مستحقا للمدح، ولصار سفيها غير مستحق للإلهية، وإن كان أحدهما أولى، عاد الإشكال.
الثاني: أن البديهة شاهدة بأن الغرض والحكمة ليس إلا جلب المنفعة، أو دفع المضرة؛ والمنفعة: عبارة عن اللذة، أو ما يكون وسيلة إليها، والمضرة: عبارة عن الألم، أو ما يكون وسيلة إليه، والوسيلة إلى اللذة: مطلوبة بالعرض، والمطلوب بالذات: هو اللذة.
وكذا الوسيلة إلى الألم: مهروب عنها بالعرض والمهروب عنه بالذات: ليس إلا الألم؛ فيرجع حاصل الغرض والحكمة إلى تحصيل اللذة، ورفع الألم؛ ولا لذة إلا والله تعالى قادر على تحصيلها؛ ابتداء من غير شيء من الوسائط، ولا ألم إلا والله تعالى قادر على دفعه؛ ابتداء من غير شيء من الوسائط وإذا كان الأمر كذلك، استحال أن تكون فاعليته لشيء؛ لأجل تحصيل اللذة، أو دفع الألم؛ لأن الشيء إنما يكون معللا بشيء آخر، إذا كان يلزم، من عدم ما فرض علة، وعدم كل ما يقوم مقامها ألا تكون العلية حاصلة البتة؛ وبهذا الطريق: علمنا أن نعيق الغراب، وصرير الباب ليس علة لوجود السماء والأرض، ولا بالعكس.
وإذا ثبت هذا، فنقول: لما لم تكن فاعلية الله تعالى لتحصيل اللذات، ودفع الآلام - متوقفة البتة على وجود هذه الوسائط، لم تكن أبضا فاعليته للوسائط - متوقفة على فاعليته لتلك اللذات، والآلام - استحال تعليل أحدهما بالآخر، وإذا بطل التعليل، بطل كونها داعية؛ لما بينا أن الداعي علة لعلية الفاعلية.
التفسير الثالث للعلة: المعرف: فنقول: إنه أيضا باطل؛ لأنا إذا قلنا: الحكم في الأصل معلل بالعلة الفلانية، استحال أن يكون مرادنا من العلة المعرف؛ وإلا لكان معنى الكلام: (أن الحكم في الأصل، إنما عرف ثبوته بواسطة
الوصف الفلاني) وذلك باطل؛ لأن علية الوصف لذلك الحكم لا تعرف إلا بعد معرفة ذلك الحكم؛ فكيف يكون الوصف معرفًا؟
والجواب: أما المعتزلة: فإنهم يفسّرون العلّة الشرعيّة: تارة بالموجب، وتارة بالدّاعي، فيحتاجون إلى الجواب عن هذه الكلمات التي سبقت، والكلام في ذلك طويل.
وأما أصحابنا: فإنهم يفسرونه بالمعرف
وأما قوله: (الحكم معرّف بالنص، فلا يمكن كون الوصف معرفًا له):
قلنا: ذلك الحكم الثابت في محل الوفاق فردٌ من أفراد ذلك النوع من الحكم، ثم بعد ذلك يجوز قيام الدلالة على كوْن ذلك الوصف معرفًا لفرد آخر من أفراد ذلك النوع من الحكم؛ وعلى ذلك التقدير: لا يكون تعريفًا للمعرف، ثم إذا وحدنا ذلك الوصف في الفرع، حكمنا بحصول ذلك الحكم؛ لما أنا الدليل لا ينفك عن المدلول.
القسم الثاني
في الدّال على العلّة
قال القرافي: قال الغزالي في (شفاء الغليل): قال قوم: إقامة الدليل على عدم الأصل غير واجب؛ لأنه قد تحقق صورة القياس لمجرد الجمع، والأصل أن كل وصف يذكر في الأصل علة، إلا أنه يمنع [منه] مانع.
قال: وهو باطٌل؛ لأن الأصول تنقسم إلى: تعبّد ومعلل، والمعلل احتمل أن يكون بغير هذا الوصف.