الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا شك في أن الفسق يناسب عدم القبول؛ فثبت بما ذكرنا: أن خبر الواحد، لو وجب ألا يقبل، لامتنع تعليل ألا يقبل خبر الفاسق، بكونه فاسقًا، وثبت أنه معلل به، فخبر الواحد لا يجب ألا يقبل؛ فهو إذن مقبول في الجملة.
ومن الناس: من تمسك بالآية على وجه آخر؛ وهو أنه تعالى أمر بالتثبت؛ بشرط أن يكون الخبر صادرًا عن الفاسق، والمشروط بالشيء عدم عند عدم الشرك؛ فوجب ألا يجب التثبت، إذا لم يوجد مجيء الفاسق، فإذا جاء غير الفاسق ولم يتثبت: فإما أن يجزم بالرد؛ وهو باطل؛ وإلا كان خبر العدل أسوأ حالًا من خبر الفاسق، وهو باطل بالإجماع؛ فيجب القبول؛ وهو المطلوب.
القسم الثاني
فيما لا يقطع بكونه صدقًا ولا كذبًا
قال القرافي: قوله: (الدليل على كونه حجة):
قلت: هذه الفهرسة غير وافية بالمقصود؛ لاندراج المشكوك فيه فيها؛ فإنه لا يقطع بصدقه، ولا بكذبه، بل لا بد أن نقول: هو المفيد للظن من جهة العدل أو العدول، فقولنا:(المفيد للظن) خرج المشكوك فيه.
وقولنا: (من جهة العدل) خرج إخبارات الكفرة والفسقة؛ فإنها تفيد الظن؛ لكونه غير معتبر، وليس مقصودًا لنا، وقولنا:(أو العدول) ليندرج خبر الجماعة إذا أفاد الظن؛ فإنا لا نعنى بخبر الواحد أنه خبر المنفرد، بل وقع الاصطلاح على أنه ما أفاد الظن، وإن كان خبر جماعة، وهذا وضع عرفي لا لغوي.
(تنبيه)
ينبغي أن نعلم أن أصل القسمة ثلاثة:
تواتر، وآحاد، ولا تواتر ولا آحاد، وهو خبر الواحد إذا احتفت به القرائن، فليس تواترًا؛ لاشتراطنا في
التواتر العدد، فليس آحادًا؛ لاشتراطنا في الآحاد الظن، وهذا أفاد القطع بالقرائن، فلا يكون آحادًا.
قوله: (الأقلون منعوا التعبد به عقلًا):
تقريره: أن فيه احتمال الخطأ والضلال، والحكمة تمنع من تعبد الناس بمنع ذلك؛ بناء على قاعدة الحسن والقبح العقليين.
قوله: (دليل العقل دل عليه .....).
تقريره: أن صدقه غالب، وكذبه نادر، والحكمة تقتضى ألا تضيع المصلحة الغالية للمفسدة النادرة.
قوله: (اتفقوا على العمل به في الفتوى والشهادات والأمور الدنيوية).
تقريره: أن الفرق عنده الفتوى والشهادة حكم جزئي متعلق بجزئي، فعلى تقدير تضمنه لمفسدة الكذب، أو غيرها لا تعم؛ بخلاف إنشاء الأحكام بالاجتهاد، فإنها تعم الناس إلى يوم القيامة، فإن المراد بالفتوى كون العامي يقبل قول العالم الواحد، ويعتمد عليه، بخلاف ما يفتي به المجتهد في دين الله عمومًا.
وأما الدنيويات، فكالطب، والعلاج، والأغذية، والأشربة يجوز أن يقبل منها خبر الطبيب الواحد، والمباشر الواحد لسلامة الغذاء والشراب عن المؤذيات، واشتماله على المقاصد، ونسافر في البحار، والقفار، ونسلك الأوعار بأخبار العدل بأسباب السلامة وحصول ما يعتمد عليه في ذلك.
قوله: (لنا): قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة
…
} الآية [التوبة: 122].
اختلف العلماء فيها على قولين:
أحدهما: أن المراد أن الفرقة النافرة هي المتفقة، وأن الله-تعالى- أمر أن يخرج من كل قبيلة من الأعراب، وأحياء العرب طائفة ليتفقهوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرجعون إلى قومهم ينذرونهم، ويعلمونهم، وهو مقصود صاحب الكتاب.
وقيل: بل المراد أن الفرق التي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل فرقة طائفة إلى الجهاد، ويبقى بقيتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقهون ف الدين؛ لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم منا لجهاد، فعلى هذه، الطائفة النافرة ليست هي المتفقهة، بل المنذرة، عكس القول الأول.
قوله: (الترجي على الله-تعالى- محال، وكل مترج طالب، فيحمل على الطلب مجازًا).
قلنا: قال سيبويه في قوله تعالى: {فقولا له قولًا لينا لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44].
معناه: (اذهبا أنتما في رجائكما) رجائك يريد أن الترجي أصله للمتكلم، فيصرف للمخاطب مجازًا؛ لأنه من لوازم المتكلم بالرجاء مع من يخاطبه، ويصير المعنى فعلًا معه فعل الراجي ليذكره؛ فإن من وعظ وهو آيس قصر بخلاف من وعظ من يرجوه، فإنه يبالغ في موعظته، فيصير المعنى بالغًا في الموعظة، فيكون أمرًا بالمبالغة في ذلك المعنى المذكور، وهذا الذي قاله سيبويه، إنما يتأتى إذا كان الفعل للسامع، فإن كان الله-تعالى- كقوله تعالى:{ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} [البقرة: 56] ونحوه مما هو فعل الله-تعالى- فيكون معناه: بالغنا في ذلك الفعل مبالغة الراجي، فيكون إخبارًا صرفًا عن المبالغة، فإن أمر الله-تعالى- نفسه
سيبويه، وما ينبغي فيها من التفصيل، وأما طريقة المصنف، فإنها للأمر مطلقًا، فهذا تقرير المجاز في هذه اللفظة حيث وقعت في القرآن مضافة إلى الله-تعالى- وكذلك (عسى) كقوله تعالى:{وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم} [البقرة: 216] إخبار من الله-تعالى- عن وقوع الخير، ويمكن صرفه للأمر بتوقع الخير في المكروه كما قاله المصنف.
قوله: (والطائفة واحد أو اثنان، فلا يفيد خبرهم العلم):
قلنا: هذا بناء على أن النافرة هي المتفقهة.
وقلنا: منعه على القول الآخر أن النافرة هي النافية، وعددها غير معلوم، فلعله يحصل العمل بالخارجة للجهاد إذا عادت إليهم.
قوله: (رتب وجوب الحذر على مسمى الإنذار الذي هو القدر المشترك، فوجب كون القدر المشترك علة، فيثبت الحكم حيث يثبت المشترك).
قلنا: هذا تمسك بالقياس، وهو باطل لوجهين:
الأول: أنكم شرعتم في التمسك بالنص، والعدول عنه للقياس انقطاع.
الثاني: أن القياس أضعف من خبر الواحد، فيلزم إثبات الأقوى بالأضعف، بل هذا من أضعف أنواع الأقيسة؛ لأن علته بالإيماء لا بالنص؛ لا ترتيب الحكم على الوصف إيماء للعلة لا تصريح بها، بل احلق في هذا المقام أن قوله تعالى:{ولينذروا قومهم} [التوبة:122](فعل) في سياق الإثبات، فيكون مطلقًا، والمطلق يكفى في العمل به صورة واحدة، فلا يتعين تناوله لصورة النزاع.
قوله: (إن لم يحمل على الفتوى والرواية يتطرق الإجمال للآية، وهو خلاف الأصل).
قلنا: لا نسلم؛ لأن المطلقات كلها لا تحمل على جميع صورها التي فيها
ذلك المشترك الذي هو ذلك المطلق، وما لزم الإجمال، بل يخرج المكلف عن العهدة بفرد منها، كقوله تعالى:{فتحرير رقبة} [النساء: 92] ما لزم من عدم تعميمه إجماله، ولذلك أيضًا لا تتناول الآية أخبار هذه الشرائع، بل تصدق بأخبار الأولين؛ لأنه من جملة أفراد المشترك.
قوله: (إن الله-تعالى- قابل مجموع الطوائف لمجموع القوم).
تقريره: أن (الواو) في قوله تعالى: {لينذروا} [التوبة:122] راجعة إلى مجموع المنذرين، لا بمعنى أنهم بمجموعهم ينذرون كل فرد، بل بمعنى أن ما أشتمل عليه (الواو) من العدد يتوزع على الفرق، فتذهب لكل فرقة طائفة، ونظيره قوله تعالى:{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة:38] فتوزع الأيدي على السارقين، وإن كانت صيغة الأيدي صيغة جمع، وكذلك قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم
…
} [المائدة: 6] صيغة الوجوه والأيدي، والمراد التوزيع، أي: ليغسل كل منكم وجهه ويديه، فكذلك هاهنا.
***