الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث
قال الرازي: (فيما جعل شرطًا في الراوي، مع أنه غير معتبر):
والضابط في هذا الباب: كل خصلة لا تقدح في غالب الظن بصحة الرواية، ولم يعتبر الشرع تحقيقها تعبدًا؛ فإنها لا تمنع من قبول الخبر، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: رواية العدل الواحد مقبولة؛ خلافًا للجبائي؛ فإنه قال: (رواية العدلين مقبولة، وأما خبر العدل الواحد، فلا يكون مقبولًا إلا إذا عضده ظاهر، أو عمل بعض الصحابة، أو اجتهاد، أو يكون منتشرًا فيهم) وحكى عنه القاضي عبد الجبار: أنه لم يقبل في الزنا إلا خبر أربعة؛ كالشهادة عليه.
لنا وجهان:
الأول: إجماع الصحابة: عمل أبو بكر على خبر بلال، وعمل عمر على خبر حمل بن مالك، وعلى خبر عبد الرحمن في المجوس، وعمل على خبر المقداد، وعملت الصحابة على خبر أبي سعيد في الربان وعملت على خبر رافع بن خديج في المخابرة، وعلى خبر عائشة في التقاء الختانين، وكان على يقبل خبر أبي بكر- رضي الله عنهم أجمعين-.
فإن قلت: (لعلهم قبلوا ما قبلوه؛ لأن الاجتهاد عضده):
قلت: إنهم كانوا يتركون اجتهادهم بهذه الأخبار، وكانوا لا يرون بالمخابرة بأسًا؛ حتى روى لهم رافع بن خديج نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها.
الثاني: أن العمل بخبر الواحد العدل يتضمن دفع ضرر مظنون؛ فيكون واجبًا.
احتج الخصم بأمور:
أحدها: أنته- عليه الصلاة والسلام لم يقبل خبر ذي اليدين؛ حتى شهد له أبو بكر وعمر- رضي الله عنهم.
وثانيهما: أن الصحابة اعتبرت العددة فإن أبا بكر لم يقبل خبر المغيرة في الجدة حتى رواه معه محمد بن مسلمة، ولم يعمل عمر على خبر أبي موسى في الاستئذان؛ حتى رواه أبو سعيد الخدري، ورد خبر فاطمة بنت قيس، ورد أبو بكر وعمر خبر عثمان رضي الله عنهم أجمعين في رد الحكم بن العاص.
وثالثهما: قياس الرواية على الشهادة، بل أولى؛ لأن الرواية تقتضي شرعًا عامًا، والشهادة شرعًا خاصًا؛ فإذا لم تقبل رواية الواحد في حق الإنسان الواحد، فلأن لا تقبل في حق كل الأمة كان أولى.
ورابعها: الدليل ينفي العمل بالخبر المظنون؛ لقوله تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئًا} ترك العمل به في خبر العدلين؛ والعدل الواحد ليس في معناه؛ لأن الظن هناك أقوى مما هاهنا؛ فوجب أن يبقى على الأصل.
والجواب عن الأول: أن ذلك، إن دل، فإنما يدل على اعتبار ثلاثة، أبي بكر، وعمر، وذي اليدين- رضي الله عنهم؛ ولأن التهمة كانت قائمة هناك؛ لأنها كانت واقعة في محفل عظيم، والواجب فيها الاشتهار.
وعن الثاني: أنا بينا أنهم قبلوا خبر الواحد، وهاهنا اعتبروا العدد؛ فلابد من التوفيق، فنقول ما ذكرناه من الروايات يدل على أن العدد ليس بشرط في أصل الرواية، وما ذكروه دل على أنهم طلبوا العدد؛ لقيام تهمة في تلك الصور.
وعن الثالث: أنه منقوض بسائر الأمور التي هي معتبرة في الشهادة لا في الرواية كالحرية، والذكورة، والبصر، وعدم القرابة.
وعن الرابع: لا نسلم: أن قول الله تعالى: {إن الظن لا يغنى من الحق شيئًا} يمنع من التعلق بخبر الواحد؛ فإنا لما علمنا أن الله تعالى أمرنا بالتمسك، كان تمسكنا به معلومًا، لا مظنونًا.
المسألة الثانية: زعم أكثر الحنفية: أن راوي الأصل إذا لم يقبل الحديث، قدح ذلك في رواية الفرع.
والمختار أن نقول: راوي الفرع: إما أن يكون جازمًا بالرواية، أو لا يكون: فإن كان جازمًا، فالأصل: إما أن يكون جازمًا بفساد الحديث، أو بصحته، أو لا يجزم بواحد منهما:
فإن كان الأول: فقد تعارضا؛ فلا يقبل الحديث؛ ولأن قبول الحديث من الفرع لا يمكن إلا بالقدح في الأصل وذلك يوجب القدح في الحديث.
وأما الثاني: فلا نزاع في صحته.
وأما الثالث: فإما أن يقول: الأغلب على ظني: أني ما رويته، أو الأغلب: أني رويته، أو الأمران على السواء، أو لا يقول شيئًا من ذلك؛ ويشبه أن يكون الخبر في كل هذه الأقسام مقبولًا؛ لأن الفرع جازم، ولم يوجد في مقابلته جزم يعارضه؛ فلا يسقط به الاستدلال.
وأما إذا لم يكن الفرع جازمًا، بل يقول:(أظن أني سمعته منك) فإن جزم الأصل بـ (أني ما رويته لك) تعين الرد.
وإن قال: (أظن أني ما رويته لك) تعارضًا، والأصل العدم.
وغن ذهب إلى سائر الأقسام، فالأشبه قبوله.
والضابط: أنه حيث يكون قول الأصل معادلًا بقول الفرع، تعارضًا؛ وحيث ترجع أحدهما على الآخر، فالمعتبر هو الراجح.
واحتج المانعون مطلقًا: بأن الدليل ينفي قبول خبر الواحد؛ سلمناه فيما إذا لم يوجد هذا المعنى؛ لأن الظن- هناك؛ فيبقى فيما عداه على الأصل.
والجواب: ما تقدم.
المسألة الثالثة: لا يشترط كون الراوي فقيهًا، سواء كانت روايته موافقة للقياس، أو مخالفة له؛ خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله فيما يخالف القياس.
لنا: الكتاب، والسنة، والعقل:
أما الكتاب: فقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} فوجب ألا يجب التبين في غير الفاسق، سواء كان عالمًا، أو جاهلًا.
أما السنة: صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي، فوعاها
…
) إلى قوله: (فرب حامل فقه ليس بفقيه).
وأما العقل: فهو أن خبر العدل يفيد ظن الصدق؛ فوجب العمل به؛ لما تقدم من أن العمل بالظن واجب.
واحتج الخصم بوجهين:
الأول: أن الدليل ينفي جواز العمل بخبر الواحد، خالفناه إذا كان الراوي فقيهًا؛ لان الاعتماد على روايته أوثق.
الثاني: أن الأصل ألا يرد الخبر على مخالفة القياس، والأصل أيضًا صدق الراوي، فإذا تعارضا، تساقطا، ولم يجز التمسك بواحد منهما.
وأيضًا: فبتقدير صدق الراوي: لا يلزم القطع بكون ذلك الخبر حجة؛ لأنه إذا جرى حديث منافق عند الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء ذلك الرجل، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:(اقتلوا الرجل) علم الفقيه أن الألف واللام هاهنا ينصرف إلى المعهود، والعامي ربما ظن أن المراد منه الاستغراق.
والجواب عن الأول: ما مر.
وعن الثاني: أن في التعارض تسليمًا بصحة أصل الخبر.
قوله: "يجوز أن يشتبه عليه المعهود بالاستغراق.
قلنا: التمييز بين الأمرين لا يتوقف على الفقه، بل كل من كانت له فطنة سليمة أمكنه التمييز بين الأمرين.
وأيضًا: فإن ذلك يقتضي اعتبار الفقه في رواة خبر التواتر.
المسألة الرابعة: إذا عرف منه التساهل في أمر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا خلاف في أنه لا بقبل خبره.
وأما إذا عرف التساهل في غير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف منه الاحتياط جدًا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجب قبول خبره؛ على الرأي الأظهر؛ لأنه يفيد الظن، ولا معارض؛ فوجب العمل به.
المسألة الخامسة: لا يعتبر في الراوي أن يكون عالمًا بالعربية، وبمعنى الخبر؛ لأن الحجة في لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، والأعجمي والعامي يمكنهما حفظ اللفظ، وكذلك يمكنهما حفظ القرآن، ولا يعتبر أيضًا أن يكون ذكرًا، أو حرًا أو بصيرًا، وهو مجمع عليه.
المسألة السادسة: تقبل رواية من لم يرو إلا خبرًا واحدًا.
فأما إذا أكثر من الروايات، مع قلة مخالطته لأهل الحديث، فإن أمكن تحصيل ذلك القدر من الأخبار في ذلك القدر من الزمان، قبلت أخباره، وإلا توجه الطعن في الكل.
المسألة السابعة: لا يجب كون الراوي معروف النسب، بل إذا حصلت الشرائط المعتبرة المذكورة فيه، قبل خبره، وإن لم يعرف نسبه، وأما إذا كان له اسمان، وهو بأحدهما أشهر، جازت الرواية عنه.
وأما إذا كان مترددًا بينهما، وهو بأحدهما مجروح، وبالآخر معدل، لم يقبل؛ لأجل التردد.
الفصل الثالث
(فيما جعل شرطًا في الراوي مع أنه غير معتبر).
(فائدة)
قال القرافي: قال ابن العربي في (المحصول) له: اشترط الجبائي في قبول الخبر اثنين، وشرط على الاثنين اثنين إلى أن ينتهي الخبر إلى التاسع، وهذا التقيد لم يتعرض له المصنف.
قوله: (العمل بخبر الواحد العدل يتضمن رفع ضرر متوهم، فيكون واجبًا):