الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشرط الخامس
قال الرازي: أن يكون الراوي بحيث لا يقع له الكذب والخطأ
؛ وذلك يستدعى حصول أمرين: أحدهما: أن يكون ضابطًا.
والآخر: ألا يكون سهوه أكثر من ذكره، ولا مساويًا له.
أما ضبطه: فلأنه إذا عرف بقلة الضبط، لم تؤمن الزيادة والنقصان في حديثه، ثم هذا على قسمين:
أحدهما: أن يكون مختل الطبع جدًا، غير قادر على الحفظ أصلًا، ومثل هذا الإنسان لا يقبل خبره البتة.
والثاني: أن يقدر على ضبط قصار الأحاديث، دون طوالها، وهذا الإنسان يقبل منه ما عرف كونه قادرًا على ضبطه، دون ما لا يكون قادرًا عليه.
أما إذا كان السهو غالبًا عليه ما لم يقبل حديثه؛ لأنه يترجح أنه سها في حديثه، وأما إذا استوى الذكر والسهو، لم يترجح أنه ما سها، والفرق بين ألا يكون ضابطًا، وبين أن يعرض له السهو، أن من لا يضبط لا يحصل الحديث حال سماعه، ومن يعرض له السهو قد يضبط الحديث حال سماعه وتحصيله، إلا أنه قد يشذ عنه بعارض السهو.
فإن قلت: (لم لا يجوز أن يقبل حديثه؟ لأنه لو لم يكن ضبطه، أو ضبطه، ثم سها عنه، لم يروه مع عدالته):
قلت: عدالته تمنع من الكذب والخطأ عمدًا، لا سهوًا، فجاز أن يتصور مع
عدالته فيما لم يضبطه: أنه ضبطه، وانه لم يسه فيما سها عنه؛ فوجب ألا يقبل حديثه.
الفصل الثاني
(في الأمور التي يجب ثبوتها؛ حتى يحل للراوي أن يروي الخبر).
اعلم أن لذلك مراتب:
فأعلاها: أن يعلم أنه قرأه على شيخه، أو حدثه به، ويتذكر ألفاظ قراءته، ووقت ذلك- فلا شبهة في أنه يجوز له روايته، والأخذ به.
وثانيها: أن يعلم انه قرأ جميع ما في الكتاب، أو حدثه به، ولا يتذكر ألفاظ قراءته، ولا وقت ذلك- فيجوز له روايته؛ لأنه عالم في الحال: أنه سمعه.
وثالثهما: أن يعلم أنه لم يسمع ذلك الكتاب، ولا يظن أيضًا أنه سمعه، أو يجوز الأمرين تجويزًا على السوية- فلا تجوز له روايته؛ لأنه لا يجوز له أن يخبر بما يعلم أنه كاذب فيه، أو ظان، أو شاك فيه.
ورابعها: ألا يتذكر سماعه، ولا قراءته لما فيه لكنه يظن ذلك، لما يرى منه خطه.
وهاهنا اختلفوا فيه: فعند الشافعي- رضي الله عنه تجوز له روايته، وهو قول أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله-.
وقال أبو حنيفة- رحمه الله: لا تجوز.
لنا الإجماع، والمعقول:
أما الإجماع: فهو أن الصحابة- رضي الله عنهم كانت تعمل على كتب
رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ نحو كتابه لعمرو بن حزم، من غير أن يقال: إن راويًا روى ذلك الكتاب لهم، وإنما علموا ذلك؛ لأجل الخط، وأنه منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فجاز مثله في سائر الروايات.
وأما المعقول: فلأن الظن حاصل هاهنا، والعمل بالظن واجب.
احتج أبو حنيفة- رحمه الله: بأنه إذا لم يعلم السامع، لم يؤمن الكذب.
جوابه: أنه يروى بحسب الظن؛ وذلك يكفي في وجوب العمل.
(الشرط الخامس)
قال القرافي: قوله: (لم يذكر سماعه، ولا رأى خطه، فعند الشافعي: تجوز روايته):
قلت: الفرق عنده في الاعتماد على الخطوط في الرواية، مع أنه لا يجيز الشهادة على الخطوط؛ لأن الشهادة مظنة التزوير؛ لأنها موطن المقاصد الدنيوية من الأموال والأعراض والنفوس، وتراحم الرغيات.
والرواية بعيدة عن ذلك، فإنها لا تحصل للمزور شيئًا من هذه المقاصد.
قوله: (كانت الصحابة يعتمدون على كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد الخط).
قلنا: الكتاب المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه من الهيبة المانعة من التزوير، وقرائن الأحوال المحصلة للعلم، أو الظن القريب من العلم ما ليس في كتب غيره.
ومع الفرق بطل الاعتبار.
* * *