الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثالثة
قال الرازي: إذا اعتقدنا كون الحكم في محل الوفاق معللاً بوصف، ثم اعتقدنا حصول ذلك الوصف بتمامه في محل النزاع - حصل، لا محالة، اعتقاد أن الحكم في محل النزاع مثل الحكم في محل الوفاق، فإن كانت المقدمتان قطعيتين، كانت النتيجة كذلك، ولا نزاع بين العقلاء في صحته.
أما إذا كانتا ظنيتين، أو كانت إحداهما فقط ظنية، فالنتيجة تكون ظنية، لا محالة، وهذا: إما أن يكون في الأمور الدنيوية، أو في الأحكام الشرعية، فإن كان في الأمور الدنيوية، فقد اتفقوا على أنه حجة.
وأما في الشرعيات: فهو محل الخلاف، والمراد من قولنا:(القياس حجة): أنه إذا حصل ظن أن حكم هذه الصورة مثل حكم تلك الصورة، فهو مكلف بالعمل به في نفسه، ومكلف بأن يفتى به غيره.
واعلم: أن الجمع بين الأصل والفرع، تارة يكون بإلغاء الفارق، والغزالي يسميه تنقيح المناط.
وتارة باستخراج الجامع، وهاهنا لا بد من بيان أن الحكم في الأصل معلل بكذا، ثم من بيان وجود ذلك المعنى في الفرع، والغزالي يسمى الأول: تخريج المناط، والثاني: تحقيق المناط.
* * *
المسألة الثالثة
قال القرافى: قوله: (إلغاء الفارق يسميه الغزالي تنقيح المناط):
تقريره: أن لنا تنقيح المناط، وتحقيق المناط، وتخريج المناط.
والمناط هو: العلة، لأنه اسم مكان من النياطة، وهي التعليق، كما قال حسان بن ثابت [الطويل]:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم .... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
أي كما علق القدح خلف الراكب.
وقال حبيب [الطويل]:
بلاد بها نيطت على تمائمي .... وأول أرض مس جلدي ترابها
أي علقت على حروزي التي فيها الرقاء والعود.
وناط عكس ماط: فناط إذا علق، وماط إذا طرح، ومنه: أماط الله عنك الأسوأ، أي: أزالها.
و (تنقيح المناط) فيه مذهبان:
قال الغزالي: هو إلغاء الفارق، كقولنا: لا فارق بين الأمة والعبد في إزالة ضرر العتق بالتشقيص، فتقوَّم الأمة على الشريك، كما يقوم العبد الذي هو مورد النص؛ فإن قوله عليه السلام:(من أعتق شركًا له في عبد) لا يتناول الأمة، فلا فارق بين العبيد والإماء في تشطير الحدود،
فيشطر عليهم قياسًا على الإماء التي ورد النص فيهن، وهو قوله تعالى:{فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} .
وقال الحصكفى، والتبريزي، وغيرهما من الجدليين: هو تعيين وصف للعلة من أوصاف مذكورة في دليل الحكم، كما في الحديث: أن الأ'رابي كان يضرب صدره، وينتف شعره، ويقول:(هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان)، فهذه عدة أوصاف مذكورة يتعين منها الجناية على الصوم، فهذا تنقيح المناط؛ لأنه تعيين العلة من أوصاف مذكورة.
وتحقيق المناط هو: أن يتفق على علة، ويطلب تحقيقها في صورة النزاع،