الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشرط الرابع
قال الرازي: العدالة وهي: هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا حتى تحصل ثقة النفس بصدقه
.
ويعتبر فيها الاجتناب عن الكبائر، وعن بعض الصغائر؛ كالتطفيف في الحبة، وسرقة باقة من البقل-وعن المباحات القادحة في المروءة؛ كالأكل في الطريق، والبول في الشارع، وصحبة الأراذل، والإفراط في المزاح.
والضابط فيه: أن كل ما لا يؤمن معه جرأته على الكذب، ترد به الرواية، وما لا فلا.
ويتفرع على هذا نوعان من الكلام:
النوع الأول
في أحكام العدالة، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الفاسق، إذا أقدم على الفسق: فإن على كونه فسق لم تقبل روايته بالإجماع، وإن لم يعلم كونه فسقًا، فكونه فاسقًا إما أن يكون مظنونًا، أو مقطوعًا، فإن كان مظنونًا، قبلت روايته بالاتفاق.
قال الشافعي-رضي الله عنه: (أقبل شهادة الحنفي، وأحده إذا شرب النبيذ) وإن كان مقطوعًا به، قبلت روايته أيضًا؛ قال الشافعي-رضي الله عنه (أقبل رواية أهل الأهواء، إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم).
وقال القاضي أبو بكر: لا تقبل.
لنا: أن ظن صدقه راجح، والعمل بهذا الظن واجب، والمعارض المجمع عليه منتف؛ فوجب العمل به.
واحتج الخصم: بأن منصب الرواية لا يليق بالفاسق، أقصى ما في الباب أنه جعل فسقه؛ ولكن جهله بفسقه فسق آخر؛ فإذا منع أحد الفسقين من قبول الرواية، فالفسقان أولى بذلك المنع.
والجواب: أنه إذا علم كونه فسقًا، دل إقدامه عليه على اجترائه على المعصية؛ بخلاف ما إذا لم يعلم ذلك.
المسألة الثانية: المخالف الذي لا نكفره-ولكن ظهر عناده- لا تقبل روايته؛ لأن المعاند يكذب مع علمه بكونه كذبًا، وذلك يقتضى جرأته على الكذب، فوجب ألا تقبل روايته.
المسألة الثالثة: قال الشافعي-رضي الله عنه: (رواية المجهول غير مقبولة بل لابد فيه من خبرة ظاهرة، والبحث عن سيرته وسريرته) وقال أبو حنيفة-رحمه الله وأصحابه: (يكفي في قبول الرواية الإسلام، بشرط سلامة الظاهر عن الفسق).
لنا أوجه:
الأول: الدليل ينفى العمل بخبر الواحد؛ لقوله تعالى: {إن الظن لا يغنى من الحق شيئًا} [النجم: 28] خالفناه في حق من اختبرناه؛ لأن الظن هناك أقوى، فيبقى في المجهول على الأصل.
الثاني: الدليل ينفى جواز العمل بخبر الواحد، إلا إذا قطعنا بأن الراوى ليس بفاسق؛ ترك العمل به فيما غلب على ظننا: أنه ليس بفاسق؛ بسبب كثرة الاختبار؛ فيبقى فيما عداه على الأصل.
بيان الثاني: أن عدم الفسق شرط جواز الرواية؛ فوجب أن يكون العلم به شرطًا لجواز الرواية.
وإنما قلنا: (إن عدم الفسق شرط جواز الرواية) لقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات: 6] وهو صريح في المنع من قبول رواية الفاسق.
وإنما قلنا: (إن عدم الفسق، لما كان شرطًا لجواز الرواية، وجب أن يكون العلم به شرطًا لجواز الرواية) لأن الجهل بالشرط يوجب الجهل بالمشروط.
وبيان الفارق: أن العدالة أم كامن في الباطن، لا إطلاع عليه حقيقة بل الممكن فيه الاستدلال بالأفعال الظاهرة، وذلك، وإن لم يفد العلم؛ لكنه يفيد الظن، ثم الظن الحاصل بعد طول الاختبار أقوى من الظن الحاصل قبله، وإذا كان كذلك، لم يلزم من مخالفة الدليل عند وجود المعارض القوي-مخالفته عند وجود المعارض الضعيف.
الثالث: أجمعنا: على أنه لما كان الصبا، والرق، والكفر، وكونه محدودً في القذف- مانعًا من الشهادة: لا جرم اعتبر في قبول الشهادة العلم بعدم هذه الأشياء ظاهرًا؛ فوجب أن يكون الأمر كذلك في العدالة، والجامع الاحتراز عن المفسدة المحتملة.
الرابع: إجماع الصحابة-رضي الله عنهم على رد رواية المجهول: رد عمر
-رضي الله عنه خبر فاطمة بنت قيس؛ وقال: (كيف نقبل قول امرأة؛ لا ندري، أصدقت أم كذبت)؟!! ورد علي-رضي الله عنه خبر الأشجعي في المفوضة، وكان علي بن أبي طالب-رضي الله- عنه يحلف الراوي، ثم إن أحدًا من الصحابة ما أظهر الإنكار على ردهم؛ وذلك يقتضى حصول الإجماع.
واحتج المخالف بأمور أحدها: أنه يقبل قول المسلم في كون اللحم لحم المذكي، وفي كون الماء في الحمام طاهرًا، وفي كون الجارية المبيعة رقيقة، وفي كون المرأة غير مزوجة، ولا معتدة، وفي كونه على الوضوء، إذا أم الناس، وفي إخباره للأعمى عن القبلة، فكذا هاهنا.
وثانيها: أن الصحابة قبلت قول العبيد والصبيان والنسوان؛ لأنهم عرفوهم بالإسلام، وما عرفوهم بالفسق.
وثالثها: أنه-عليه الصلاة والسلام قبل شهادة الأعرابي على رؤية الهلال، مع أنه لم يظهر منه إلا الإسلام.
ورابعها: قوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات: 6] والمعلق على شرط عدم عند عدم الشرط، فما لم يعلم فسقه، لم يجب التثبت.
والجواب عن الأول: لم قلتم: إنه لما قبل قول المجهول في تلك الصور، قبل قول الرواية؟ والفرق أن منصب الرواية أعلى من تلك المناصب، فإن ألغوا هذه الزيادة بإيماء قوله-عليه الصلاة والسلام:(نحن نحكم بالظاهر) قلنا: ترك العمل بهذا الإيماء في الكفر والحرية؛ فكذا هاهنا.
وعن الثاني: لا نسلم أن الصحابة قبلت قول المجاهيل؛ فإن هذا هو نفس المسألة.
وعن الثالث: لا نسلم: أنه-عليه الصلاة والسلام ما كان يعرف من حال ذلك الأعرابي إلا مجرد الإسلام.
وعن الرابع: لما وجب التوقف عند قيام المفسق، وجب أن نعرف أنه في نفسه، هل هو فاسق أم لا؛ حتى يمكننا أن نعرف أنه، هل يجب التوقف في قوله، أم لا!؟.
الشرط الرابع
العدالة
قال القرافي: قوله: (المعتبر اجتناب الكبائر، وبعض الصغائر، كالتطفيف في الحبة، وسرقة باقة بقل):
تقريره: أن من العلماء من يقول: كل معصية كبيرة، قال إمام الحرمين في (الإرشاد): وغيره مع موافقة هذا القائل على التفرقة في أمر العدالة بين أنواع المعاصي، وإنما ظاهر حاله أنه إنما منع تعظيمًا أن يقال لمخالفة الله تعالى: صغيرة، وإذا تقرر أنه لا بد من الفرق، فالجمهور على تسمية ما يسقط العدالة كبيرة.
يؤيده قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تتهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31]، فأثبت الله-تعالى- السيئات.
وقوله تعالى: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} [الحجرات: 7]، فجعل الله-تعالى- الفسوق رتبة بين اثنتين.
وقال عليه السلام: (الكبائر تسع: الشرك بالله-تعالى- وقتل النفس المؤمنة، وقذف المحصنة والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل