الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله: (لما كانت الآية عامة في الأقيسة، كانت عامة في الأزمنة):
قلنا: الصحيح أن صيغ العموم عامةٌ في الأشخاص، مطلقة في الأحوال، والأزمنة، والبقاع، والأحوال، فما لزم من العموم استيعاب الأزمنة، فلا يحصل من هذا أن الأمر في الآية للتكرار.
(سؤال)
قال النقشواني: الاعتبار: المجاوزة
، ولكنها حقيقة في الأجسام، بدليل تعذر سلبها، كمن خرج من (بغداد) إلى (مصر)، لا يقال: إنه لم يتجاوز (بغداد)، وإذا تجاوزت شجرة، لا يقال: إنها لم يتجاوزها، وإذا كان اللفظ حقيقة في مجاوزة الآثار، فتحمل الآية عليه، ويكون المراد السير في الأرض للاتعاظ، كما قال تعالى في غير موضع:{قل سيروا في الأرض} [الأنعام: 11]، {أو لم يسيروا في الأرض} [الروم: 9] أما المجاوزة بالفكر فمجازٌ، الأصل عدمه.
(تنبيه)
قال التبريزي: الآية تمسك بها جماعة من علماء الأصول، وهي مطلقة بالنسبة إلى مسمى الاعتبار، فيحصل الامتثال بواحدٍ من مسمى الاعتبار.
وقال سراج الدين على إثباته العموم: ترتيب الحكم على الوصف، إنه إثبات للقياس بالقياس.
وغير تاج الدين فقال في الجواب: (إن المسألة علمية، وهذه الدلالة ظنية)، فقال: لا نسلم أن المسألة علمية، بل ظنية.
وقد تقدم في مواضع من الكتاب أن هذا الجواب باطلٌ، وأن مسائل الأصول قطعية.
وسكت صاحب (المنتخب) عن هذا الجواب بالكلية.
*
…
*
…
*
المسلك الثاني
قال الرازي: التمسك بخبر معاذ، وهو مشهور؛ روى أنه صلى الله عليه وسلم أنفذ معاذًا وابا موسى الأشعري رضي الله عنهما إلى اليمن، فقال عليه الصلاة والسلام لهما:(بم تقضيان؟) فقالا: (إذا لم نجد الحكم في السنة، نقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به) فقال عليه الصلاة والسلام: (أصبتما). وقال عليه الصلاة والسلام لابن مسعود: (اقض بالكتاب والسنة، إذا وجدتهما، فإن لم تجد الحكم فيهما، فاجتهد برأيك).
فإن قيل: لا نسلم صحة الحديث، وبيانه من وجهين:
الأول: أنه مشتمل على الخطأ، فوجب ألا يكون صحيحًا.
بيان الأول من وجوه:
أحدهت: أن فيه قوله: (فإن لم تجد في كتاب الله) وهو يناقض قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] وقوله تعالى: {ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59].
وثانيها: أن في الحديث أنه، عليه الصلاة والسلام، صوبه على قوله:(أجتهد رأيى) وهو خطأ؛ لأن الاجتهاد في زمان الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام لا يجوز؛ على ما سيأتي دليله، إن شاء الله تعالى.
وثالثها: أنه، عليه الصلاة والسلام، سأله عما به يقضي، والقضاء هو الإلزام، فيكون السؤال واقعًا عن الشيء الذي يجب الحكم به، والسنة لا تصلح جوابًا عن ذلك؛ لأنها تذكر في مقابلة الفرض؛ هذا سنة، وليس بفرض.
ورابعها: أن الحديث يقتضي أنه سأله عما به يقضي، بعد أن نصبه للقضاء، وذلك لا يجوز؛ لأن جواز نصبه للقضاء مشروط بصلاحيته للقضاء، وهذه الصلاحية إنما تثبت لو ثبت كونه عالمًا بالشيء الذي يجب أن يقضي به، والشيء الذي لا يجب أن يقضي به.
وخامسها: أن مقتضى الحديث: أنه لا يجوز الاجتهاد إلا عند عدم وجدان الكتاب والسنة؛ وهو باطلٌ؛ لأن تخصيص الكتاب والسنة بالقياس جائز.
الوجه الثاني في بيان ضعف الحديث:
روى أن معاذًا لما قال: (أجتهد رأيى) قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (اكتب إلىَّ، أكتب إليك) وليس لأحد أن يقول: إنا نصحح الروايتين؛ لأنهما نقلا في واقعة واحدة، فإنه لا يمكن الجمع بينهما.
سلمنا سلامة المتن عن هذه المطاعن؛ لكن لا نزاع بين المحدثين في كونه مرسلاً، والمرسل ليس بحجة؛ على ما تقدم بيانه.
سلمنا: أنه ليس بمرسل؛ ولكنه ورد في إثبات القياس والاجتهاد، وإنه أصل عظيم في الشرع، والدواعي تكون متوفرة على نقل ما هذا شأنه، وما يكون كذلك، وجب بلوغه في الاشتهار إلى حد التواتر، فلما لم يكن كذلك، علمنا أنه ليس بحجة.
والحاصل أنه مرسلٌ؛ فوجب ألا يكون حجة عند الشافعي رضي الله عنه.
وأنه خبر وارد فيما تعم به البلوى، فوجب ألا يكون حجة عند أبي حنيفة.
سلمنا سلامته عن هذا الأمر، لكنه خبر واحد؛ فلا يجوز التمسك به في المسائل القطعية.
فإن قلت: الدليل على صحته أن مثبتي القياس كانوا أبدًا متمسكين به في إثبات القياس، والنفاة كانوا مشتغلين بتأويله، وذلك يدل على اتفاقهم على قبوله.
قلت: قد تقدم بيان ضعف هذا الوجه.
سلمنا صحته؛ فلم يدل على كون القياس حجة؟
أما قوله: (أجتهد رأيى) قلنا: الاجتهاد: (عبارة عن استفراغ الجهد في الطلب) فنحمله على طلب الحكم من النصوص الخفية.
فإن قلت: (إنما قال: (أجتهد رأيى) بعد أن كان لا يجده في الكتاب والسنة، وما دلت النصوص الخفية عليه لا يجوز أن يقال: إنه غير موجود في الكتاب والسنة):
قلنا: لا نسلم أن قوله: (فإن لم تجده) يقتضي العموم؛ بيانه: أنه يصح أن يستفهم؛ فيقال: أتعني بقولك: (فإن لم تجد) عدم الوجدان في صرائحه فقط، أم فيه، وفي جميع وجوه دلالته.
سلمنا أنه بظاهره للعموم؛ لكن هاهنا لا يمكن حمله على العموم؛ لأن العمل بالقياس مفهوم عندكم من الكتاب والسنة، فكيف يصح حمل قوله:(فإن لم تجد) على العموم.
سلمنا أنه يمكن حمله على العموم؛ لكن قوله: (أجتهد رأيى) يكفي في العمل بمقتضاه نوع واحد من الاجتهاد، فنحمله على التمسك بالبراءة الأصلية، أو على التمسك بما ثبت في العقل؛ من أن الأصل في الأفعال الإباحة أو الحظر.
سلمنا أنه لا يجوز حمله عليه؛ فلم قلتم: إنه لما لم يجز حمله على النص الخفي، وعلى دليل العقل، وجب حمله على القياس الشرعي، وما الدليل على الحصر؟.
فإن هاهنا طرقًا أخرى سوى القياس؛ كالتمسك بالمصالح المرسلة، والتمسك بطريقة الاحتياط في تنزيل اللفظ على أكثر مفهوماته، أو أقل مفهوماته، أو قول الشارع:(احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب) وبالجملة: فلا بد من دليل على الحصر.
سلمنا: أنه يتناول القياس الشرعي، ولكن يكفي في العمل بمقتضاه إثبات نوع واحد من أنواع القياس الشرعي، ونحن نقول به؛ فإن مذهب النظام: أن الشرع إذا نص على علة الحكم، وجب القياس، ورد الأمر بالقياس، أو لم يرد، ويجب أيضًا قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف.
سلمنا أنه يدل على جواز العمل بالقياس الشرعي؛ لكن في زمان حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بعده على الإطلاق؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع:
بيانه: أن شرط العمل بالقياس عدم الوجدان في الكتاب والسنة، وذلك إنما يمكن في زمان حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، لعدم استقرار الشرع، فأما بعد نزول قوله تعالى:{اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] فإن ذلك متعذر؛ لأن الدين إنما يكون كاملاً أن لو بين فيه جميع ما يحتاج إليه، وذلك إنما يكون بالتنصيص على كليات الأحكام.
وإذا كان جميع الأحكام موجودًا في الكتاب والسنة، وكان العمل بالقياس مشروطًا بعدم الوجدان فيهما، لم يجز العمل بالقياس بعد زمان الرسول صلى الله عليه وسلم.
والجواب: قوله: (هذا الحديث مناف لكتاب الله تعالى):
قلنا: لا نسلم، وأما قوله تعالى:{ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] وقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38].
قلنا: هذه الأدلة تدل على اشتمال الكتاب على كل الأمور ابتداء، أو بواسطة؟.
الأول باطل؛ لخلو ظاهر كتاب الله تعالى عن دقائق الهندسة والحساب، وتفاريع الحيض والوصايا.
والثاني: لا يضرنا؛ لأن كتاب الله تعالى، لما دل على وجوب قبول قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وقول الرسول دل على أن القياس حجة، والقياس دل على هذه الأحكام كان كتاب الله تعالى دالاً على هذه الأحكام.
قوله: (الحديث يدل على جواز الاجتهاد في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم):
قلنا: وأي محذور يلزم منه؟ فإن الواقعة التي لا يمكن تأخير الحكم فيها إلى مدة يذهب الرجل من اليمن إلى المدينة، ويرجع عنها - لا يكون تحصيل النص فيها ممكنًا؛ فوجب جواز الرجوع إلا القياس.
قوله: (ذكر السنة جوابًا عما به يقضي غير جائز):
قلنا: لا نسلم؛ لأن السنة عبارة عن الطريقة كيف كانت.
قوله: (لا يجوز نصبه للقضاء إلا بعد العلم بأنه يعرف التمييز بين ما يجوز به القضاء، وبين ما لا يجوز):
قلنا: المراد بقوله: (لما بعث معاذًا إلى اليمن): لما عزم على أن يبعثه.
قوله: (الحديث يمنع من تخصيص الكتاب والسنة بالقياس):
قلنا: كثير من الناس ذهب إليه.
قوله: نقل أنه عليه الصلاة والسلام قال: (اكتب إلى، أكتب إليك).
قلنا: روايتنا مشهورة، وروايتكم غريبة؛ لم يذكرها أحد من المحدثين؛ فلا يحصل التعارض.
وأيضًا: فكيف يجوز أن يقول عليه الصلاة والسلام: (أكتب إلىَّ، أكتب إليك) وقد يعرض من الحكم ما لا يجوز تأخيره، وأيضًا: يمكن الجمع بينهما، وإن وردا في واقعة واحدة؛ وهو أن يقال: الحادثة، إن احتملت التأخير، وجب عرضها، وإن لم تحتمل وجب الاجتهاد.
قوله: (إنه مرسل):
قلنا: هب أنه كذلك؛ لكنه مرسل تلقته الأمة بالقبول؛ ومثله حجة عندنا.
قوله: (وارد فيما تعم به البلوى؛ فوجب بلوغه إلى حد التواتر):
قلنا: وروده فيما تعم به البلوى لا يوجب كونه متواترًا؛ بدليل المعجزات المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: (إنه خبر واحد):
قلنا: هب أنه كذلك؛ لكن لا نثبت به القطع بكون القياس حجة، بل ظن كونه حجة.
قوله: (نحمله على طلب النص الخفي):
قلنا: قوله: (فإن لم تجد): يقتضي نفي النص، جليًا كان أو خفيًا.
قوله: (لا نسلم أن قوله: (فإن لم تجد) للعموم):
قلنا: الدليل الدال على أنه للعموم جواز الاستثناء.
قوله: (لما دل الكتاب والسنة على العمل بالقياس، كان دليلاً على الحكم الثابت بالقياس):
قلنا: هب أنه كذلك؛ ولكن الحكم الذي هو مدلول القياس لا يكون حاصلاً فيهما؛ وهذا القدر يكفي في جواز أن يقال: إنه غير موجود في الكتاب والسنة، وقول معاذ:(أحكم بكتاب الله) أراد به: ما دل عليه الكتاب بنفسه، لا بواسطة؛ إذ لو أراد به كل ما دل عليه الكتاب، سواء كان ابتداءً، أو بواسطة، لكان القول بأنه، إذا لم يوجد في الكتاب، حكمت بما في السنة خطأ.
قوله: (نحمله على البراءة الأصلية):
قلنا: البراءة الأصلية معلومة لكل أحدٍ؛ فلا حاجة في معرفتها إلى الاجتهاد؛ فلا يجوز حمل قوله: (أجتهد) عليه.
قوله: (نحمله على القياس الذي نص الشرع على علته، أو على ما يكون مثل قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف):
قلنا: الشرع إنما سكت عند قوله: (أجتهد) لعلمه بأن الاجتهاد وافٍ بجميع الأحكام، فلو حملناه على ما ذكرتموه من القياس، لم يكن ذلك وافيًا بمعرفة عشر عشير الأحكام؛ فكان يجب ألا يسكت عليه، كما لم يسكت عند قوله:(أقضي بالكتاب والسنة).
قوله: (ما الدليل على الحصر؟):
قلنا: أجمعت الأمة على الحصر؛ فوجب القطع به.
* * *
المسلك الثاني
قال القرافى: قوله: (سأله عما به يقضي بعد أن بعثه مع أن العلم بصلاحيته للقضاء شرط):
قلنا: يكفي في صحة الولاية العلم بالصلاحية على سبيل الإجمال، فإذا وقع السؤال بعد ذلك على سبيل التفصيل لا ينافي ذلك.
قوله: (الحديث يقتضي ألا يجوز الاجتهاد إلا عند عدم الكتاب، مع أن تخصيص الكتاب والسنة بالقياس جائز):
قلنا: قوله: (أجتهد رأيى) فعل في سياق الإثبات، فيكون مطلقًا لا عموم فيه، فلا يتناول جميع أنواع الاجتهاد، حتى يتعين تخصيص الكتاب بالقياس، وإذا لم يتناول إلا فردًا، فيحمل على القياس الذي لا تخصيص فيه.
قوله: (خبر واحدٍ، فلا يتمسك به في المسائل القطعية):
قلنا: قد تقدم كلام التبريزي أنَّا إنما نستدل بكل ظاهر مضافًا لما معه من الاستقراء التام في الأحاديث، والآيات، وأقضية الصحابة، وهذه الضميمة توجب العمل قطعًا لمن حصل له الاستقراء التام.
قوله: (مثبتو القياس تمسكوا به، ونفاته أولوه):
قلنا: لا نسلم أن جميع مثبتي القياس تمسكوا به، ولا جميع نفاته أولوه، بل من الناس من يقول بالقياس، وقالوا: الحديث غير صحيح، لا يصح التمسك به، وهم الأكثرون، وكذلك أكثر نفاة القياس لم يشغلوا بتأويله، بل نفوا صحته، وبعض المحدثين يقول: هو من الحسان، لم ينهض إلى حد الصحة، وما لا إجماع فيه لا حجة فيه إلا أن تثبت صحته.