الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واعلم أنَّه ليس فيما أورده من الأحاديث ذِكْر المَوت المذكور في التَّرجمة، إلا أنَّه قياس على الرَّضاع.
قال (ط): مقصود الباب أنَّ ما صحَّ من الأنْسابِ، والموتِ، والرَّضاعِ بالاستفاضة، وثبتَ في النُّفوس لا يحتاج فيه إلى معرفة الشُّهود، ولا إلى عدَدهم، ألا تَرى أنَّ الرَّضاع الذي كان في الجاهليَّة مُستَفيضًا مَعلومًا عندهم ثبتَتْ به الحُرمة في الإِسلام.
* * *
8 - باب شَهَادَةِ الْقَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إلا الَّذِينَ تَابُوا} .
وَجَلَدَ عُمَرُ أَبَا بَكْرَةَ وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ وَنَافِعًا بِقَذْفِ الْمُغِيرَةِ، ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ، وَقَالَ: مَنْ تَابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ.
وَأَجَازَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُتْبَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، وَشُرَيْحٌ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ.
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: الأَمْرُ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ إِذَا رَجَعَ الْقَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، قُبِلَتْ شَهَادتُهُ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقتادَةُ: إِذَا أكذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ وَقُبِلَتْ شَهَادتُهُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِذَا جُلِدَ الْعَبْدُ ثُمَّ أُعْتِقَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اسْتُقْضِيَ الْمَحْدُودُ فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ وَإِنْ تَابَ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغيرِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَيْنِ جَازَ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ، وَأَجَازَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ وَالْعَبْدِ وَالأَمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ.
وَكيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ؟
وَقَدْ نَفَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الزَّانِيَ سَنَةً.
وَنهى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ كَلَامِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَصاحِبَيْهِ حَتَّى مَضَى خَمْسُونَ لَيْلَةً.
(باب شَهادة القاذِف)
(شِبْل) بكسر المعجمة، وسكون الموحَّدة: هو أخو أبي بَكْرَة لأُمه.
(ونافعًا) هو ابن الحارث، أخو أبي بَكْرة لأبيه وأُمه، والثَّلاثة صحابةٌ شَهدوا مع أخٍ آخَر لأبي بَكرَة لأُمِّه -اسمه زِيَاد- على المُغِيرة بالزِّنا، لكنْ لم يَجزِم زيادٌ بالشَّهادة بحقيقة الزِّنا، فلم تَثبُتْ، فلم يُحَدَّ المُغِيرةُ، وجُلِدَ الثَّلاثة، واسم أُمهم: سُمَيَّة، بضم المُهملَة، وتشديد الياء.
وزِيَاد ليس له صُحبةٌ ولا روايةٌ، وكان من دُهاةِ العرَب وفُصحائهم، مات سنة ثلاثٍ وخمسين.
(بعض الناس)؛ أي: الحنفيَّة، وغرَضه بَيان تَناقُض قولهم، فلم يُجوِّزوا شَهادة القاذِف، وصحَّحوا النكاح بشهادته، والتحكُّم حيث جوَّزوا شَهادة المَحدود، ولم يُجوِّزوا شهادة العبد، مع أنَّهما عندهم ناقِصان، وحيث خصَّصوا شَهادة الهلال من بين سائِر الشَّهادات.
قال (ط): ذَكَر قولَ أبي حنفية ليُلزمَه التَّناقُضَ في إجازته النكاح بشهادة مَحدودَين.
قال: وقال أبو حنيفة: لا تُقبَل شهادة القاذف أبدًا وإنْ تابَ، وأما المَحدود بالزِّنا، والسَّرِقة، والخمر؛ فإذا تابوا قُبلتْ شهادتهم، وقال: الاستِثناء في قوله تعالى: {إلا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 5] راجعٌ إلى الفِسق خاصةً، وقال الشَّافعي: راجعٌ إلى قَبول الشَّهادة أيضًا، والخلاف معروفٌ في الأصول.
ثم إنَّ القياس على الزَّاني والقاتِل والشَّارب، بل على الكافر يقتضي القَبول؛ إذ التَّوبة تَمحو الكُفر، فما دُونه أَولى.
ثم إن عمرَ جلد القاذِفِين للمُغِيرة واستتَابهم، وقال: مَن تاب قُبلتْ شهادتُه، وأقرَّه الصَّحابة، ولو كان تأْويل الآية كما أوَّلَه الكوفيون لم يَسكتُوا، ولقالوا لعُمر: لا تَجوز شَهادة القاذِف.
(وكيف تعرف توبته) عطفٌ على المُترجَم عليه، وكثيرًا ما يفعل
البُخاريُّ مثلَه، يُرْدِف ترجمةً على ترجمةٍ وإنْ بَعُدَ ما بينهما، فهو من جُملة التَّرجمة كترجمةٍ على شيءٍ آخر.
ثم بيَّن كيفية المعرفة بالتَّوبة بتغريبِ مَن يُغرَّب مدةً معلومةً، وبهجران الشَّخص مدةً معلومةً حتى تتحقَّق التوبة ويحسُن الحال، وهو معنى قول أصحابنا: لا بُدَّ مِن مدةِ الاستِبراء.
وقيل: أشار بذلك إلى أن التَّوبة تُعرف بالقَرَائن، وفي قصَّة كعبٍ دليل عليه؛ فإنه لم تُعرف توبتُه إلا بعد مدَّةٍ.
وأما مناسبة حديث السَّارقة فبقولها: (وحسُنَتْ توبتُها)، وحديث الزاني بقوله صلى الله عليه وسلم في مَاعِزٍ:(التَّوبَة حصلتْ بالحَدِّ)، وهذا مثلُه.
(ونفي)؛ أي: غُربةٌ عن البلَد، هو طرَفٌ من حديث العَسِيْف، وهو في (النِّكاح)، وفي (الحُدود)، وغيرهما.
(ونهى) هو طرَفٌ من قصَّة تَوبة كعب في (المَغازي).
(وصاحبيه)؛ أي: مُرارَة بن الرَّبِيع، وهِلال بن أُميَّة؛ الثلاثةُ الذين خُلِّفوا في غزوة تَبوك، فالتخلُّف بغير إذْنه معصيةٌ كالسَّرِقة.
* * *
2648 -
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونس.
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَني عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ في غَزْوَةِ الْفَتْح، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ
أَمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
(وقال الليث) وصَلَه أبو داود.
قال (ط): استدلَّ البخاري على أنَّه لا حاجةَ في التَّوبة إلى إكْذاب نفْسه، بأنه لم يشرط ذلك على الزَّاني في مدَّة التَّغريب، ولا على كعبٍ وصاحبيه في الخَمْسين، وبحديث عائشة على أنَّ السَّارق إذا تابَ وحسُن حالُه قُبلتْ شهادتُه، وبحديث زيد أنَّه لم يشترط على الزَّاني بعد الجلد والتَّغريب أن لا تُقبَل شهادته، ولو كان ذلك شَرطًا لذكَره.
* * *
2649 -
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ أَمَرَ فِيمَنْ زَنىَ وَلَمْ يُحْصِنْ بِجَلْدِ مئةٍ وتغريبِ عامٍ.
(لم يُحَصن) بفتح الصاد وكسرها.
وفيه أن التَّغريب لازمٌ شرعًا.
* * *