الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في ذكر الذين عادوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
قال اللَّه تبارك وتعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [ (1) ] وقال تبارك وتعالى:
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً [ (2) ] وهم قريش بمكة، فإن الذين كانوا يبدون صفحتهم في عداوته صلى الله عليه وسلم وأذاه، ويسخرون به، ويخاصمون، ويجادلون، ويردون من أراد الإسلام عنه، فهم:
أبو جهل بن هشام، وأبو لهب، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف ابن زهرة وهو ابن خال النبي صلى الله عليه وسلم والحارث بن قيس بن عدي السهمي، وهو ابن العيطلة والوليد بن المغيرة، وأمية وأبي ابنا خلف الجمحيين، وأبو قيس ابن الفاكهة بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، والنضر بن الحارث العبدري، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميين، وزهير بن أبي أمية المخزومي، والعاصي بن سعيد بن العاصي، وعدي بن الحمراء الخزاعي، وأبو البحتري العاصي بن هاشم بن أسد عبد العزى، وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية، والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن الأصداء الهذلي- وهو الّذي نطحته الأروى- والحكم بن العاص بن أمية، وهؤلاء كانوا جيرانه صلى الله عليه وسلم.
وأما الذين تنتهي إليهم عداوة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
[فهم][ (3) ] : أبو جهل، وأبو لهب، وعقبة، وكان أبو سفيان بن حرب بن أمية، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ذوي عداوة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لم يكونوا يفعلون كما فعل هؤلاء، وكانوا كجملة قريش.
أما أبو جهل- لعنه اللَّه- فتقدم ذكره في الأصهار، وتقدم أيضا في الأعمام، وتقدم ذكر أبي لهب بن عبد يغوث في أبناء الخال.
[ (1) ] الأنعام: 112.
[ (2) ] الفرقان: 31.
[ (3) ] زيادة للسياق.
وأما الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو وائل السهمي الّذي يقال له ابن العيطلة، والعيطلة أم أولاد قيس بن عدي، نسبوا إليها، إنه أحد المستهزءين المؤذين لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو الّذي كان كلما رأى حجرا أحسن من الّذي عنده أخذه وألقي ما عنده [ (1) ] وفيه نزلت: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ (2) ] إلى آخر الآية. وكان يقول: لقد غرّ محمد نفسه وأصحابه، وعدهم أن يحيوا بعد الممات! واللَّه ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والأحداث، فأكل حوتا مملوحا، فلم يزل يشرب عليه الماء حتى مات. ويقال: إنه أصابته الذبحة فقتل، امتحض رأسه قيحا.
والوليد بن المغيرة بن عبد اللَّه بن مخزوم أبو عبد شمس، والد خالد بن الوليد- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- وكان يقال له: العدل لأنه فيما يقال:
كان يعدل قريشا كلها. ويقال: إن قريشا كانت تكسو الكعبة فيكسوها هو مثل ما يكسوها هم، ويقال له العدل [ (3) ] وجمع قريشا في دار الندوة، ثم قال لهم: إن العرب يأتوكم أيام الحج فيسألونكم عن محمد فتختلفون، يقول هذا:
ساحر، ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون، ويقول هذا: كاهن، والناس يعلمون أن هذه الأشياء لا تجتمع، فقالوا: نسميه شاعرا! قال الوليد:
سمعت الشعر وسمعناه، فما يشبه ما يجيء به شيئا من ذلك. قالوا: كاهن! قال: صاحب الكهانة يصدق ويكذب، وما رأينا محمدا كذب قط! قالوا:
فمجنون! قال: المجنون يخنق ومحمد لا يخنق، ثم مضى الوليد إلى بيته، فقالوا: صبأ، قال: ما صبأت، ولكني فكرت فقلت: أولى ما يسمي ساحرا، لأن الساحر يفرق بين المرأة وزوجها، والأخ وأخيه، فتنادوا بمكة: إن محمدا ساحر، فنزلت فيه: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [ (4) ] إلي قوله: تِسْعَةَ عَشَرَ، فقال: أبو الأشدّين- واسمه كلدة بن أسيد بن خلف الجمحي-: أنا أكفيكم، خمسة علي ظهري، وأربعة بيدي [ (5) ] ، فألقوا في جهنم، فنزلت:
[ (1) ] الحجر: الصنم الّذي يعبده من دون اللَّه تعالى.
[ (2) ] الفرقان: 43.
[ (3) ] لأنه كان يعدل قريشا وحدها في النفقة في كسوة الكعبة.
[ (4) ] المدثر: 11.
[ (5) ] كذا في (الأصل)، وفي (ابن كثير) : قال: يا معشر قريش اكفوني منهم اثنين، وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر، إعجابا منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلده البقرة ويجافيه عشرة لينزعوه من تحت قدميه فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه.
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [ (1) ] وقال الوليد: لئن لم ينته محمد عن سب آلهتنا لنسبن إلهه! فقال أبو جهل: نعم ما قلت، ووافقهم الأسود بن عبد يغوث، فنزلت: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [ (2) ] واعترض الوليد بن المغيرة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومع الوليد عدة من قريش منهم الأسود بن عبد المطلب بن أسد ابن عبد العزي، والعاص بن وائل السهمي، وأمية بن خلف، فقال: يا محمد هلم فنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشترك نحن وأنت في الأمر كله، فإن كان ما تعبد خيرا كنا أخذنا منه بحظنا، وإن كان ما نعبده خيرا كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل اللَّه سورة: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [ (3) ]، يقول لهم: لا أعبد الآن ما تعبدون، ولا أنتم الآن تعبدون ما أعبد، ولا أنا عابد أبدا ما عبدتم، ولا أنتم عابدون أبدا ما أعبد، لكم كفركم ولي إيماني [ (4) ] .
وقال الوليد لأبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية- وكان نديمه-[ (5) ] :
لولا أنزل هذا القرآن الّذي يأتي به محمد على رجل من أهل مكة أو من أهل الطائف مثلك أو مثل أمية بن خلف؟ فقال له أبو أحيحة: أو مثلك يا أبا عبد شمس؟ أو على رجل من ثقيف مثل مسعود بن عمرو؟ أو كنانة بن عبد ياليل؟ أو مسعود بن معتب؟ أو ابنه عروة بن مسعود؟ فأنزل اللَّه تعالى:
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ* أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [ (6) ] . ولم يصف اللَّه تعالى أحدا وصف الوليد بن المغيرة، ولا
[ () ] قال السهيليّ: وهو الّذي دعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى مصارعته وقال: إن صرعتني آمنت بك فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم مرارا فلم يؤمن. قال: وقد نسب ابن إسحاق خبر المصارعة إلي ركانة بن عبد العزيز بن هاشم بن المطلب. قال الحافظ ابن كثير: ولا منافاة بين ما ذكراه. واللَّه تعالى أعلم.
(تفسير ابن كثير) : 4/ 474.
[ (1) ] المدثر: 31.
[ (2) ] الأنعام: 108.
[ (3) ] الكافرون: 1.
[ (4) ](فتح القدير للشوكاني) : 5/ 739.
[ (5) ] النديم: الجليس على الشراب.
[ (6) ] الزخرف: 31- 32.
أبلغ من ذكره عقوقه ما بلغ من ذكرها منه، لأنه وصفه بالحلف، والمهانة، والغيب للناس، والمشي بالنمائم، والبخل، والظلم، والإثم، والجفاء والدعوة، وألحق بدعاء لا يفارقه في الدنيا ولا في الآخرة، كالوسم على الخرطوم. قال تبارك وتعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ* هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ* مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ* عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ* أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ* إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ* سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [ (1) ] ، ولا خلاف أنها نزلت في الوليد بن المغيرة.
روي سفيان عن زكريا، عن الشعبيّ قال: العتلّ الشديد، والزنيم الّذي له زنمة من الشر يعرف بها كما تعرف الشاة [ (2) ] ، أراد الشعبي أنه قد لحقته شية [ (3) ] في الدعوة عرف بها كزنمة الشاة.
وقال الواقدي: مات الوليد بعد الهجرة بثلاثة أشهر أو نحوها وهو ابن خمس وسبعين [ (4) ] سنة، ودفن بالحجون، وابنه قيس بن الوليد من المعادين، وكان الوليد أحد المستهزءين فمر برجل يقال له حراث بن عامر بن خزاعة ويكنى أبا قصاف، وهو يريش نبلا له، فوطئ على سهم منها فخدش أخمص رجله خدشا يسيرا، ويقال: علق بأداة فخدش ساقه خدشا خفيفا، فأهوى إليه جبريل عليه السلام فانتقض الخدش وضربته الأكلة في رجله أو ساقه فمات، وأوصى بنيه وقال: اطلبوا خزاعة بالسهم الّذي أصابني فأعطت خزاعة ولده العقل [ (5) ] وقال: انظروا عقرى عند أبي أزهر الدوسيّ، فلا يفوتكم فداء هشام بن الوليد على أبي أزيهر بعد بدر، فقتله بذي المجاز، ولقتل أبي أزيهر خبر مذكور.
والعاصي بن هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم أخو أبي جهل، وأميّة وأبيّ ابنا خلف، كان على شرّ ما يكون عليه أحد من أذى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتكذيبه، وجاء أبيّ بعظم نخر ففتته في يده، ثم قال: زعمت
[ (1) ] القلم: 10- 16.
[ (2) ](لسان العرب) : 12/ 277.
[ (3) ] الشية: العلامة، قال تعالى في صفة بقرة بنى إسرائيل: مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها. البقرة: 71.
[ (4) ] كذا في (الأصل)، وفي (ابن الأثير) :«خمس وتسعين» .
[ (5) ] العقل: الدية.
يا محمد أن ربك يحيي هذا العظم؟ ثم نفخة فنزلت: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [ (1) ] . الآية.
وقال سفيان الثوريّ، عن أبي السوداء، عن أبي سابط أن أبيّا صنع طعاما، ثم أتي به إلى حلقة فيها النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم ودعاه، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لا أقوم حتى تشهد أن لا إله إلا اللَّه، ففعل، فقام صلى الله عليه وسلم فلقيه عقبة بن أبي معيط فقال: قلت كذا وكذا؟ فقال: إنما قلت ذلك لطعامنا، فنزلت:
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ [ (2) ] الظالم: عقبة، وقوله فلانا يعني أبيا ويقال: الظالم أبيّ، و (فلانا) عقبة،
وقد قيل: إن الّذي دعي النبي صلى الله عليه وسلم فيمن دعا عقبة بن أبي معيط فأنكر أبيّ ذلك عليه، وكان صديقا له ونديما، وقال: اتبعت محمدا؟ فقال: لا واللَّه، ولكني قد تذممت أن لا أدعو وإن دعوته أن لا يأكل من طعامي، فقلت له قولا لم أعتقده، فقال له:
وجهي من وجهك حرام إن لم تكفر به، وتتفل في وجهه، ففعل، ورجع، ما خرج فيه إلى وجهه! فأنزل اللَّه تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يعني عقبة. وقوله فُلاناً يعني أبيّ بن خلف، وهي في قراءة عبد اللَّه بن مسعود: لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا وبعض الرواة يقول: إن أمية بن خلف فعل هذا ولا يذكر أبيّا، وقتل أمية يوم بدر، فقتله حبيب بن إساف، وقيل:
اشترك حبيب وبلال في قتله، ويقال: قتله رفاعة بن رافع الأنصاري، وقتل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أبيا يوم أحد، أخذ حربته أو حربة غيره فقتله بها كما تقدم في خير يوم أحد.
وأبو قيس بن الفاكة بن المغيرة وكان من المؤذين لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المعروفين في أذاه، يعين أبا جهل على صنعه، قتله حمزة- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- يوم بدر، ويقال: قتله الحباب بن المنذر.
والعاصي بن وائل السهمي، والد عمرو، وكان من المستهزءين، ولما مات عبد اللَّه [ (3) ] ولد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: إن محمدا أبتر، لا يعيش له ولد
[ (1) ] ياسين: 78.
[ (2) ] الفرقان: 27.
[ (3) ] في بعض المراجع: «عبد اللَّه» ، وفي بعضها:«إبراهيم» ، وفي بعضها:«القاسم» .
[ذكر][ (1) ]، فأنزل اللَّه فيه: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [ (2) ] ، فركب حمارا، ويقال:
بغلة له بيضاء، فلما صار بشعب من الشعاب وهو يريد الطائف، ربض به الحمار أو البغلة على شبرقة فأصابت رجله شوكة منها فانتفخت حتى صارت كعنق البعير، ومات.
ويقال: إنه لما ربض به حماره أو بغلته لدغ فمات مكانه، وكان ابنه عمرو بن العاص يقول: لقد مات أبي وهو ابن خمس وثمانين سنة، وإنه يركب حمارا له من هذه الديانة إلى ماله بالطائف فتمشى عنه أكثر مما ركبه.
وقال الواقدي: مات العاصي بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بأشهر، وهو ابن خمس وثمانين سنة، وكان يكنى أبا عمرو، وقال ابن سعد: قلت للواقدي: قال اللَّه عز وجل: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ وهذه السورة مكية [ (3) ]، فقال: قد سألت مالكا وابن أبي ذؤيب عن هذا فقالا: كفاه إياهم، فبعضهم مات وبعضهم عمي، فشغل عنه، وبعضهم كفاه إياه، أذهب ما له من أسباب مفارقته بالهجرة هاهنا. وقال غيرهما: كفاه أمرهم فلم يضروه بشيء مما كادوه.
والنضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار أبو قائد، وكان أشدّ قريش معاداة بالأذى لرسول اللَّه [ (1) ] والتكذيب، فأسر ببدر وضربت عنقه، وقد تقدم ذكره.
وأبو أحيحة سعيد بن العاصي بن أمية كان، يقول: دعوا محمدا ولا تعرضوا له فإن كان ما يقول حقا كان فينا دون غيرنا من قريش، وإن كان كاذبا قامت به قريش دونكم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر عليه فيقول: إنه ليتكلم من السماء، حتى أتاه النضر بن الحارث- فقال: بلغني أنك تحسن القول في محمد! وكيف ذاك؟ وهو يسب آلهتنا، ويزعم أن آباءنا في النار، ويتوعد من لم يتبعه بالعذاب، فأظهر أبو أحيحة عداوة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وذمّة وعيّب ما جاء به، وجعل يقول: ما سمعنا بمثل ما جاء به في يهودية ولا نصرانية، وكان أبو أصيحة ذا شرف بمكة، وكان إذا اعتمّ لم يعتم أحد بمكة، إذ لم يعتم أحد بعمامة على لون عمامته إعظاما له. فقويت أنفس المشركين حين رجع عن
[ (1) ] زيادة للسياق والبيان.
[ (2) ] الكوثر: 3.
[ (3) ] الحجر: 95.
قوله الأول، فأتاه النضر شاكرا له على ذلك، لإعظام قريش إياه، ومات أبو أحيحة في ماله بالطائف سنة اثنتين من الهجرة. ويقال: في أول سنة من الهجرة، وله تسعون سنة، فلما غزا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الطائف رأى قبر أبي أحيحة مشرفا، فقال أبو بكر- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه-: لعن اللَّه صاحب هذا القبر، فإنه كان ممن يحاد اللَّه ورسوله، فقال ابناه: عمرو وأبان:
لعن اللَّه أبا قحافة [ (1) ] فإنه كان لا يقرى الضيف، ولا يرفع الضيم،
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سب الأموات يؤذي الأحياء، فإذا سببتم فعموا.
ومنبه ونبيه ابنا الحجاج السّهميان، كانا على مثل ما عليه أصحابهما من أذى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والطعن عليه، وكانا يلقيانه فيقولان: أما وجد اللَّه من يبعثه غيرك؟ إن هاهنا من هو أسنّ منك، وأيسر، فإن كنت صادقا فائتنا بملك يشهد لك، ويكون معك، وإذا ذكر لهما قال: معلم مجنون، يعلمه أهل الكتاب ما يأتي، فكان صلى الله عليه وسلم يدعو عليهما، فأما منبه فقتله عليّ- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه-، ويقال: أبو اليسر الأنصاري ويقال: أبو أسيد الساعدي، وأما نبيه فقتله أيضا عليّ، وقتل العاصي بن منبه أيضا، وكان صاحب ذي الفقار [ (2) ]، وقيل: كان يف نبيه.
وزهير بن أبي أمية وحذيفة بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم، وهو أخو أم المؤمنين أم سلمة- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنها- لأبيها، وكان ممن يظهر تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وينكر ما جاء به، ويطعن عليه ويردّ الناس عنه، وهو ابن عمة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عاتكة بنت عبد المطلب، وقد اختلف فيه فقيل:
إنه شخص يريد بذرا فسقط عن بعيرة فمرض ومات، وقيل: أسر يوم بدر فأطلقه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلما صار بمكة مات. وقيل: حضر وقعة أحد ومات بعدها بسهم أصابه، وقيل: شخص إلى اليمن بعد الفتح فمات هناك كافرا، وقيل أتي الشام فمات هناك.
وعبد اللَّه بن أبي أمية كان منهم، وأتي النبي صلى الله عليه وسلم في قوم من المشركين فقال له بعضهم: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، فإن ماء زمزم ملح. وقال آخر: إن لم تفعل هذا فإنا لن نؤمن لك حتى يكون لك بمكة جنان
[ (1) ] أبو قحافة: والد أبي بكر الصديق- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه-.
[ (2) ] ذو الفقار اسم سيف من السيوف التي آلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
كجنان آل فارس، ذات نخيل وأعناب، وقال آخر: لن نؤمن لك حتى تسقط السماء علينا كسفا، أو تأتي بربك وملائكتك فنراهم، وقال عبد اللَّه بن أبي أميّة: لن تؤمن لك حتى نرى لك بيتا من ذهب يحدثه لك ربك، أو ترقى في السماء ثم لا نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب ونحن نراك فنقرأه فأنزل اللَّه تعالى حكاية قولهم، وقال: قال لهم: سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [ (1) ] وأسلم عبد اللَّه، وقتل يوم الطائف. والثابت أن عبد اللَّه قال هذا القول من بينهم، وكان خطيب القوم ومتكلمهم.
والسائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد اللَّه بن عمران بن مخزوم ممن كان يعادي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقتله الزبير- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- ببدر.
والأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم وكان ممن يعادي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكان حلف يوم بدر ليكسرن حوض النبي صلى الله عليه وسلم فقاتل حتى وصل إلى الحوض فأدركه حمزة- رضي اللَّه تبارك وتعالي عنه- وهو يكسره فقتله، فاختلط دمه بالماء.
وعديّ بن الحمراء الخزاعي، كان ممن يعادي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولدغ وهو يريد بدرا فمات.
والعاصي من سعيد بن العاصي بن أمية، قتل يوم بدر كافرا، وأبو البحتريّ العاصي بن هاشم بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ، كان أقلهم أذى لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على أنه كان يكذبه ويعيب ما جاء به، قتل يوم بدر كافرا وقيل: قتله عمير بن عامر المازنيّ، وفي أبي البحتريّ نزلت: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ (1) ] . الآية.
خرج أبو نعيم من حديث محمد بن إسحاق قال: حدثني الأجلح، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون، عن عبد اللَّه بن مسعود- رضي اللَّه تبارك وتعالي عنه- أنه قال: بينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المسجد وأبو جهل بن هشام، وشيبة، وعتبة ابنا ربيعة، وعقبة بن معيط وأمية بن خلف، قال أبو إسحاق: ورجلان آخران لا أحفظ أسميهما، كانوا سبعة، وهم في الحجر، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي فلما سجد أطال السجود، فقال أبو جهل: أيكم يأتي جزور بني فلان فيأتينا بفرثها فيلقيه على ظهر محمد؟ فانطلق أشقاهم
[ (1) ] الزمر: 3.
وأسفلهم عقبة بن أبي معيط، فأتي به فألقاه على كتفه، ورسول اللَّه (ص) ساجد، قال ابن مسعود: وأنا قائم لا أستطيع أن أتكلم، ليس عندي عشيرة تمنعني، فأنا أرهب،
إذ سمعت فاطمة بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بذلك، فأقبلت حتى ألقت ذلك عن أبيها، ثم استقبلت قريشا فشتمتهم، فلم يرجعوا إليها شيئا، ورفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رأسه كما كان يرفع عند تمام سجوده، فلما قضى صلاته قال: اللَّهمّ عليك بقريش، اللَّهمّ عليك بقريش، اللَّهمّ عليك بقريش، اللَّهمّ عليك بعقبة، وعتبة، وأبي جهل وشيبة، وذينك الرجلين، ثم خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من المسجد ولقيه أبو البختري ومع أبي البختري سوط. يتخصر به، فلما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم أنكر وجهه فأخذه فقال: تعالى، مالك؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: خل عني، قال: على اللَّه أن لا أخلي عنك أو تخبرني ما شأنك فلقد أصابك شيء، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه غير مخل عنه أخبره فقال: إن أبا جهل أمر أن يطرح عليّ فرث، فقال أبو البختري: هلم إلى المسجد، فأبى فأخذه أبو البختري، فأدخله إلي المسجد، ثم أقبل علي أبي جهل، فقال: يا أبا الحكم أنت الّذي أمرت بمحمد فطرح عليه الفرث؟ قال: نعم، فرفع السوط فضرب رأسه، فثارت الرجال بعضها إلى بعض، فصاح أبو جهل فقال: ويحكم من له؟ إنما أراد محمد أن يلقى بيننا العداوة وينجو هو وأصحابه [ (1) ] .
وعقبة بن أبي معيط [بن][ (2) ] زبان بن [أبى][ (2) ] عمرو بن أمية أبو
[ (1) ](دلائل أبي نعيم) : 1/ 266- 267، حديث رقم (200)، وقال في هامشه: أخرجه مسلم من طريق زكريا عن أبي إسحاق مختصرا، وأخرج البخاري ففي (صحيحه) من طريق إبراهيم ابن يوسف عن أبيه، عن أبي إسحاق، قال: حدثني عمرو بن مسمون أنعبد اللَّه ابن مسعود. فذكر الحديث دون قصة أبي البختري، وكذا أخرجه من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق بسنده.
قال ابن حجر: وروى هذا الحديث إن إسحاق في (المغازي) قال: حدثني الأجلح عن أبي إسحاق، والقصة مشهورة في السيرة، وأخرجها البزار من طريق ابن إسحاق، وأشار إلى تفرد الأجلح بها عن أبي إسحاق.
وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) : 6/ 18: رواه البزار والطبراني في (الأوسط) ، وفيه الأجلح بن عبد اللَّه الكندي وهو ثقة عند ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وقال ابن حجر في (تقريب التهذيب) :
هو صدوق.
[ (2) ] زيادات للنسب من (جمهرة أنساب العرب)، قال ابن حزم: قتله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صبرا، ضرب عنقه عامر بن ثابت، أخو عاصم بن ثابت حميّ الدبر.
الوليد، كان أشد الناس عداوة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأذى، فعمد إلى مكتل فحول فيه عذرة، ثم ألقاه على باب النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته طليب بن عمير بن وهب بن قصيّ بن كلاب، وأمه أروى بنت عبد المطلب فأخذ المكتل نفسه وضرب به رأسه، وأخذ باديته وتشبث به. ويروي: وتشبث به عقبة وذهب به إلى أمه أروي، فقال لها: ألا ترين إلى ابنك قد صار عرضا دون محمد، فقالت:
ومن أولي منه بذلك؟ ابن خاله، أموالنا وأنفسنا دون محمد، وجعلت تقول:
إن طليبا نصر ابن خاله وآساه في ذي دمه وماله، وجاء بسلا جزور فقذفه على ظهر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو ساجد عند الكعبة، حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره صلى الله عليه وسلم.
فلما كان يوم بدر أسر عقبة عبد اللَّه بن سلمة بن مالك العجلاني فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فضرب عنقه كما تقدم ذكره.
الأسود بن المطلب [ (1) ] بن أسد بن عبد العزى أبو زمعة زاد الراكب، كان من المستهزءين، وكان وأصحابه يتغامزون بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر، ثم يحكون، ويصفرون، ويصفقون وكلم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بكلام شق عليه، فدعا عليه أن يعمي اللَّه بصره، ويثكله ولده. فخرج يستقبل ابنه وقد قدم من الشام فلما كان في بعض طريقه فجلس في ظل شجرة فجعل جبرائيل عليه السلام يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها، وبشوكها حتى عمي، وقيل: أومأ إلى عينيه فعمي فشغله عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقتل ابنه معه ببدر كافرا، قتله أبو دجانة وقتل ابن ابنه عتيب، قتله حمزة وعليّ اشتركا في قتله، وقتل ابن ابنه الحارث بن زمعة بن الأسود، قتله عليّ، وقيل: هو الحارث بن الأسود، والأول أصحّ، وهو القائل:
أتبكي أن يضل لها بعير
…
ويمنعها من النوم السهود
وقال الواقدي: ومات الأسود بمكة وهم يتجهزون لأحد، وكان الأسود يجلس معه قوم من المشركين فيقولون: ما نرى ما جاء به محمد! ما هو إلا سجع كسجع الكهان، فنزلت فيهم: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [ (2) ] وقيل: نزلت في أهل الكتاب وكانوا إذا سئلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعضهم: ساحر، ويقول
[ (1) ](الكامل في التاريخ) : 2/ 74- 75، باختلاف يسير في اللفظ.
[ (2) ] الحجر: 91.
بعضهم: شاعر، ويقول بعضهم: مجنون، ويقول بعضهم: ساحر، ويتكذبون عليه، فيصدون الناس عنه، فأنزل اللَّه تعالى فيهم: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [ (1) ]، يقول أثقال من يصدونه عن الإلسام. وذكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عاقرا الناقة فقال: كان عزيزا منيعا كأبي زمعة الأسود بن المطلب فيكم. وابنه زمعة بن الأسود وابن الأصداء الهذليّ، كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: إنما يعلمك أهل الكتاب بأساطيرهم، ويقول للناس: هو معلم مجنون، فدعا عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فإذا هو على جبل إذ اجتمعت عليه الأروى فنطحته حتى قتلته.
والحكم بن أبي العاصي بن أمية [ (2) ] ، كان مؤذيا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكان
[ (1) ] العنكبوت: 13.
[ (2) ] هو الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ القرشيّ الأمويّ، عم عثمان بن عفان، أبو مروان بن الحكم، كان من مسلمة الفتح، وأخرجه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من المدينة، وطرده عنها، فنزل الطائف، وخرج معه ابنه مروان.
وقيل: إن مروان ولد بالطائف، فلم يزل الحكم بالطائف إلى أن ولى عثمان- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- فرده عثمان- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- إلى المدينة، وبقي بها، وتوفي في آخر خلافة عثمان- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- قبل القيام على عثمان- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- بأشهر فيما أحسب.
واختلف في السبب الموجب لنفى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إياه، فقيل: كان يتحيل ويستخفي ويتسمّع ما يسّره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى كبار الصحابة في مشركي قريش وسائر الكفار والمنافقين، فكان يفشي ذلك عنه حتى ظهر ذلك عليه. وكان يحكيه في مشيته وبعض حركاته، إلى أمور غيرها كرهت ذكرها.
ذكروا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا مشي يتكفأ، وكان الحكم بن أبي العاص يحكيه، فالتفت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوما فرآه يفعل ذلك، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فكذلك فلتكن، فكان الحكم مختلجا يرتعش من يومئذ.
فعيره عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، فقال في عبد الرحمن بن الحكم يهجوه:
إن اللعين أبوك فارم عظامه
…
إن ترم ترم مخلجا مجنونا
يمشي خميص البطن من عمل التقى
…
ويظل من عمل الخبيث بطينا
فأما قوم عبد الرحمن بن حسان: «إن اللعين أبوك» ، فروى عن عائشة من طرق ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره أنها قالت لمروان إذ قال في أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- لما امتنع من
يمشى ذات يوم وهو خلفه، فخلج بأنفه وفمه فبقي على ذلك، وأظهر الإسلام يوم فتح مكة، وكان مغموصا عليه في دينه، فاطلع على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة في بعض حجر نسائه، فخرج إليه يعيره فقال: من عدا يرى من هذه الودعة؟
لو أدركته لفقأت عينه، وغربة عن المدينة، فلم يزل خارجا منها إلى أن استخلف أمير المؤمنين عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- فرده وولده، ومات في خلافة عثمان، فضرب على قبره فسطاطا، وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت لمروان بن الحكم:
إن اللعين أباك فارم عظامه
…
إن ترم ترم مخلجا مجنونا
يمسي [ (1) ] خميص البطن من عمل التقى
…
ويظل من عمل الخبيث بطينا
وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن الوليد، لقي رسول اللَّه فقال له: إن أردت الشرف شرفناك وإن كنت تريد المال أعطيناك منه
[ () ] البيعة ليزيد بن معاوية لولاية العهد ما قال: أما أنت يا مروان فاشهد أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعن أباك وأنت في صلبه. وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عثمان بن حكيم، قال: حدثنا شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو العاص، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنهما-
قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يدخل عليكم رجل لعين. قال عبد اللَّه: وكنت قد تركت عمرو يلبس.
ثيابه ليقبل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فلم أزل مشفقا أن يكون أول من يدخل- فدخل الحكم بن أبي العاص.
قال الحافظ: وروينا في جزء ابن نجيب، من طريق زهير بن محمد عن صالح بن أبي صالح حدثني نافع عن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر الحكم بن أبي العاص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل لأمتي مما في صلب هذا.
وأخرج ابن سعد عن الواقدي، بسنده إلى ثعلبة بن أبي مالك، قال: مات الحكم بن أبي العاص في خلافة عثمان، فضرب على قبره فسطاطا في يوم صائف، فتكلم الناس في ذلك، فقال عثمان: قد ضرب في عهد عمر- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- على زينب بنت جحش فسطاطا فهل رأيتم عائبا عاب ذلك؟ مات الحكم بن أبي العاص سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- (الاستيعاب) : 1/ 359- 360، ترجمة رقم (529)، (الإصابة) :
2/ 104- 106، ترجمة رقم (1783) .
[ (1) ] في (الأصل) : «يضحي» .
ما تحب، فقال: يا أبا الوليد اسمع: فقرأ عليه حم [ (1) ] السجدة فقال: هذا كلام ما سمعت مثله،
ثم التفت إلي جماعة قريش فقال: دعوه، وخلوا بينه وبين العرب، فليس بتارك أمره، وأتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم وعتبة يكلمه، وقد طمع فيه أن يسلم، فشغل عنه، فأنزل اللَّه تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى [ (2) ] وقوله: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى [ (3) ] يعني عتبة [ (4) ] ويقال: بل الّذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم به عن ابن أم مكتوم قال له: علمني مما علمك اللَّه، فأقبل على أمية بن خلف وتركه، وقتل عتبة يوم بدر وله خمسون سنة، وكان أبو حذيفة بن عتبة [ (5) ] مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مسلما.
[ (1) ] السجدة: 1.
[ (2) ] عبس: 1، 2.
[ (3) ] عبس: 5.
[ (4) ] هذا المستغني هو الوليد، أو أمية، أو عتبة وشيبة، وجميع المذكورين في سبب النزول أقوال، قال القرطبيّ:
وهذا كله غلط من المفسرين، لأن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أن مكتوم كان بالمدينة ما حشر معهما، وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد قط أمية المدينة، ولا حضر معه مفردا ولا مع أحد.
وابن أم مكتوم: هو عبد اللَّه بن سرح بن مالك بن ربيعة الفهريّ، من بنى عامر بن لؤيّ، وأم مكتوم أم أبيه عاتكة، وهو ابن خال خديجة- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنها- (البحر المحيط) : 10/ 407، مختصرا.
[ (5) ] هو أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيّ، العبشميّ، قال معاوية: اسمه مهشم، وقيل: هشيم، وقيل: هاشم، وقيل: قيس.
كان من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وصلّى القبلتين. قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة وأربعين إنسانا، وثبت ذكره في (الصحيحين) في قصة سالم من طريق الزهري، عن عروة عن عائشة- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنها- أن أبا حذيفة بت عتبة كان ممن شهد بدرا، يكنى سالما، قالوا: كان طوالا حسن الوجه استشهد يوم اليمامة، وهو ابن ست وخمسين سنة.
قال أبو عمر بن عبد البر: كان من فضلاء الصحابة من المهاجرين الأولين، جمع اللَّه له الشرف والفضل، صلّى القبلتين، وهاجر الهجرتين جميعا، وكان إسلامه قبل دخول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دار الأرقم للدعاء فيها إلى الإسلام. هاجر مع امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو إلى أرض الحبشة، وولدت له هناك محمد بن أبى حذيفة، ثم قام على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق،
وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس [ (1) ] أبو هاشم، كان يجتمع مع قريش فيما يكيد به النبي صلى الله عليه وسلم من الأذى، ولا يتعاطى ذلك بيده، وقتله عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف يوم بدر ووقف عليه حمزة وعليّ- رضي اللَّه تبارك عنهما- وكان شيبة أسنّ من عتبة بثلاث سنين وكان شيبة وعتبة متثاقلين عن الخروج لبدر حتى أتاهما أبو جهل فخرجا، ولما قتلوا ببدر قالوا: ومشى نساء قريش إلى هند بنت عتبة وهي أم معاوية بن أبي سفيان فقلن لها: ألا تبكين على أبيك وعمك وأخيك وأهل بيتك؟ فقالت: حلقي، أنا لا أبكيهم فيبلغ محمدا وأصحابه، فيشمتوا بنا، ونساء بني الخزرج! لا واللَّه، حتى أثأر من محمد وأصحابه، وحرمت على نفسها الدهن والكحل وقالت: واللَّه، لو أعلم أن الحزن يذهب من قلبي لبكيت، ثم قالت:
للَّه عينا من رأى هلكا هلك رحالته
…
يا رب بارك لي غدا في النايحات وباكيه
كم غادروا يوم القليب غداة تلك الواعية
…
من كل عيب في السنن إذا الكواكب جارية
قد كنت أحذر ما أرى فاليوم حل جدار به
…
يا رب قابله غدا يا ويح أم معاوية
وأنس بن معير بن لودان بن سعد بن جمح، أخو أبي محذورة [ (2) ] ومطعم
[ () ] والحديبيّة، والمشاهد كلها. وقتل يوم اليمامة شهيدا، وكان أثعل، والأثعل الّذي له سنّ زائدة، تدخلها من صلبها الأخرى، وفيه تقول هند بنت عتبة حين دعا أباه إلى البراز يوم بدر:
فما شكرت أبا ربّاك من صغر
…
حتى شببت شبابا غير محجون
الأحول الأثقل المشئوم طائرة
…
أبو حذيفة شر الناس في الدين
قال أبو عمر بن عبد البرّ: بل كان من خير الناس في الدين، وكانت هي- إذ قالت هذا الشعر- من شر الناس في الدين (الإصابة) : 7/ 87، ترجمة رقم (9748) .
(الاستيعاب) : 4/ 1631- 1632، ترجمة رقم (2914)، (جمهرة أنساب العرب) :77.
[ (1) ] عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس، قتلا يوم بدر كافرين، وكان شيبة يقف بعرفة إذا حج، بخلاف سائر قريش. (المرجع السابق) : 76، ثم قال في صفحة 491: وكان قد تنصّر من قريش نفر يسير، وهم شيبة بن ربيعة بن عبد شميس.. في آخرين.
[ (2) ](جمهرة أنساب العرب) : 162.
بان عدي بن نوفل بن عبد مناف أبو وهيب [ (1) ] ، كان أقل أصحابه أذى للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، لكنه كان ينكر عليه ما أنكروا، وهو الّذي قام بأمر بني هاشم وبني المطلب حتى خرجوا من الشعب،
وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم كما رجع من الطائف حتى مات بالبيت، ومات في صفر سنة اثنين من الهجرة قبل بدر، وهو ابن بضع وتسعين سنة، ودفن بالحجون، وأقيم النوح عليه سنة، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:
لابنه جبير بن مطعم يوم بدر: لو كان أبوك حيا واستوهبني هؤلاء الأسرى أبوك لوهبتهم له، وشفعته فيهم.
وطعيمة بن عدي بن نوفل بن المطلب، أبو الريان، وكان ممن يؤذي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيبالغ في أذاه، ويشتمه، ويسمعه، ويكذبه، فأسر يوم بدر، وقتل صبرا كما تقدم [ (2) ] والحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، فيه نزلت:
وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا [ (3) ] لكنه كان ممن أعان على نقض الصحيفة وقتل يوم بدر كافرا، قتله خبيب بن إساف [ (4) ] .
[ (1) ](المرجع السابق) : 115.
[ (2) ](المرجع الاسبق) 115- 116.
[ (3) ] القصص: 57.
[ (4) ]
(جمهرة النسب) : 62- 63، وقال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لقيه فليدعها لأيتام بني نوفل.
يقول اللَّه تعالى- مخبرا عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أي نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطنونا أينما كنا، قال اللَّه تعالى مجيبا لهم: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يعنى هذا الّذي اعتذروا به كذب وباطل، لأن اللَّه تعالى جعلهم في بلد أمين، وحرم معظم آمن منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم آمنا لهم في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمنا لهم وقد أسلموا وتابعوا للحق؟
قوله تعالى: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ أي من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا أي من عندنا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ولهذا قالوا ما قالوا. وقد قال النسائي: أنبأنا الحسن بن محمد، حدثنا حجاج عن ابن جريج، أخبرنى ابن أبي مليكة قال: قال عمرو بن شعيب عن ابن عباس- ولم يسمع منه- إن الحارث بن عامر بن نوفل الّذي قال: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا. (تفسرا بن كثير) : 3/ 406.
ومالك بن الطلاطلة بن عمرو بن عبسان، واسمه الحارث بن عمرو بن مزيقياء كان من المستهزءين وكان سفيها، فدعى عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واستعاذ باللَّه من شره فعصر جبريل عليه السلام بطنه حتى خرج خلاه من بطنه فمات وقيل: بل أشار إليه فامتخض رأسه قبحا [ (1) ] ، وقتل به عمرو بن الطلاطلة، وهو باطل. وقيل: الحارث بن الطلاطلة وليس بشيء، وهم يغلطون بابن الغيطلة وابن الطلاطلة فيجعلون هذا ذلك، وذاك هذا. قاله ابن الكلبي [ (2) ] .
وقيل: إن المستهزءين ماتوا في وقت واحد، وما تقدم ذكره أثبت.
وركانة الشديد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، قدم من سفر له فأخبر خبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلقيه في بعض جبال مكة فقال: يا ابن أخى! قد بلغني عنك أمر وما كنت عندي بكذاب، فإن صرعتني علمت أنك صادق، فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا فأتى قريشا فقال: يا هؤلاء! صاحبكم ساحر فاسحروا به من شئتم.
وقال هشام بن الكلبيّ [ (3) ] : حدثني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك وتعالي عنهما- قال: لقي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ركانة بن عبد يزيد وكان أشد العرب لم يصرعه أحد قط، فدعاه إلى الإسلام فقال: واللَّه لا أسلم حتى تدعو هذه الشجرة- وكانت سمرة أو طلحة- فقال رسول صلى الله عليه وسلم:
أقبلي بإذن اللَّه، فأقبلت تخدّ الأرض خدا، فقال ركانة: ما رأيت كاليوم سحرا أعظم، فأمرها فلترجع، فقال: ارجعي بإذن اللَّه، فأقبلت تخذ الأرض خدا فقال: ويحك! أسلم، قال: إن صرعتني أسلمت، وإلا فغنمي لك، وإن
[ (1) ](سيرة ابن هشام) : 2/ 256- 257، المستهزءون برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكفاية اللَّه أمرهم، وما فعل اللَّه تعالى بالمستهزءين، والحارث ابن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عمرو بن ملكان، والطلاطلة أمه، والطلاطلة في اللغة: الداهية، قال أبو عبيد: كل داء عضال فهو الطلاطلة.
[ (2) ] قال ابن الكلبي في نسب قيس بن عدي بن سهم: وكانت عنده الغيطلة من بنى شنوق بن مرة، وكانوا ينسبون إليها، وكان عندهم عرام [شدة وقوة وشراسة] ، والحارث بن قيس بن عديّ وهو من المستهزءين، وهو صاحب الأركان، وكان كلما مرّ بحجر أحس من الى عنده أخذه وألقى الّذي عنده، وفيه نزلت: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [الجاثية: 23. (جمهرة النسب) : 101، (الاشتقاق) : 122.
[ (3) ] قال ابن الكلبيّ في نسب بني عبد المطلب بن عبد مناف: وركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب الشديد، الّذي صرعة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد سبق تخريج حديث صرع النبي صلى الله عليه وسلم لركانه وإثبات مصادره كاملا في المعجزات.