الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قتادة، عن أنس- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم تعجبه الرؤيا، قال: هل رأى أحد منكم رؤيا اليوم؟ قالت عائشة- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنها-: رأيت كأن ثلاثة أقمار سقطن في حجرتي، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك ثلاثة هم أفضل أو خير أهل الأرض.
فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودفن في بيتها، قال لها: أبو بكر- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- هذا أحد أقمارك، وهو خيرها، ثم توفي أبو بكر وعمر- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنهما- ودفنا في بيتها.
وقال أبو عبد اللَّه محمد بن زبالة: وحدثني عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن إسماعيل عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه الحسني عن أهل بيته قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بني عليه بتسع لبنات نصبن نصبا [ (1) ] .
ذكر ما جاء في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وما ظهر من قبره، مما هو من أعلام نبوته [وفضيلة من زاره، وسلم عليه، وكيف يسلم ويدعو][ (2) ]
قال ابن عائذ: حدثنا الوليد، حدثنا مالك عن يحيي بن سعيد، قال:
[ (1) ](سبق تخريجه) .
[ (2) ] زيادة في العنوان من (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) .
قال العلامة القسطلاني: في (المواهب اللدنية) : 4/ 570 وما بعدها: اعلم أن زيارة قبره الشريف من أعظم القربات، وأرجي الطاعات، والسبيل إلى أعلى الدرجات، ومن اعتقد غير هذا فقد انخلع من ربقة الإسلام، وخالف اللَّه ورسوله وجماعة العلماء الأعلام.
وقد أطلق بعض المالكية، وهو أبو عمران الفاسي، كما ذكره في (المدخل) عن (تهذيب الطالب) لعبد الحق، أنها واجبة، قال: ولعله أراد وجوب السنن المؤكدة.
وفي المعجم الكبير للطبراني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من جاءني زائرا لا تعمله حاجة إلا زيارتي، كان حقا علي أن أكون شفيعا له يوم القيامة. وصححه ابن السكن.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم: من وجد سعة ولم يفد إلي فقد جفاني. ذكره ابن فرحون في مناسكه، والغزالي في الإحياء، ولم يخرجه العراقي، بل أشار إلى ما أخرجه ابن النجار في (تاريخ المدينة) مما هو في معناه عن أنس بلفظ:
ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني إلا وليس له عذر.
كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول ما من بقعة في الأرض أحب إليّ أن يكون قبري فيها
[ () ] ولابن عدي في «الكامل» وابن حبان في الضعفاء» ، والدارقطنيّ في (العلل) و (غرائب مالك) وآخرين كلهم عن ابن عمر مرفوعا، من حج ولم يزرني فقد جفاني. ولا يصح.
وعلى تقدير ثبوته، فليتأمل قوله «فقد جفاني» فإنه ظاهر في حرمة ترك الزيارة لأن الجفاء أذى، والأذى حرام بالإجماع فتجب الزيارة إذ إزالة الجفاء واجبة، [وهي بالزيارة، فالزيارة واجبة] حينئذ [وبالجملة] فمن تمكن من زيارته ولم يزره فقد جفاه، وليس من حقه علينا ذلك.
وعن حاطب أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين. رواه البيهقي عن رجل من آل حاطب لم يسمه عن حاطب.
وعن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: من زار قبري. أو قال: من زارني كنت له شفيعا وشهيدا، رواه البيهقي وغيره عن رجل من آل عمر لم يسمه عن عمر.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من زارني محتسبا إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة.
رواه البيهقي أيضا.
قال العلامة زين الدين بن الحسين المراغي: وينبغي لكل مسلم اعتقاد كون زيارته صلى الله عليه وسلم قربة، للأحاديث الواردة ذلك ولقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ الآية لأن تعظميه صلى الله عليه وسلم لا ينقطع بموته، ولا يقال إن استغفار الرسول لهم إنما هو في حال حياته وليست الزيارة كذلك، لما أجاب به بعض أئمة المحققين: أن الآية دلت على تعليق وجدان اللَّه توابا رحيما بثلاثة أمور: المجيء، واستغفارهم، واستغفار الرسول لهم، وقد حصل استغفار الرسول لجميع المؤمنين [والمؤمنات] لأنه صلى الله عليه وسلم قد استغفر للجميع، قال اللَّه تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة اللَّه ورحمته.
وقد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور، كما حكاه النووي، وأوجبها الظاهرية، فزيارته صلى الله عليه وسلم مطلوبة بالعموم والخصوص لما سبق، ولأن زيارة القبور تعظيم، وتعظيمه صلى الله عليه وسلم واجب. ولهذا قال بعض العلماء: لا فرق في زيارته صلى الله عليه وسلم بين الرجال والنساء، وإن كان محل الإجماع على استحباب زيارة القبور للرجال، وفي النساء خلاف، والأشهر في مذهب الشافعيّ الكراهة.
قال ابن حبيب من المالكية: ولا تدع زيارة قبره صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده، فإن فيه من الرغبة ما لا غنى بك ولا بأحد عنه.
من المدينة. قالها ثلاث مرات.
[ () ] وينبغي لمن نوى الزيارة، أن ينوي مع ذلك بزيارة مسجده الشريف، والصلاة فيه، لأنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، وهو أفضلها عند مالك، وليس لشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة فضل، لأن الشرع لم يجئ به، وهذا الأمر لا يدخله قياس، لأن شرف البقعة إنما يعرف بالنص الصريح عليه، وقد ورد النص في هذه دون غيرها.
وقد صح أن عمر بن عبد العزيز كان يبرد البريد للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم.
فالسفر إليه قربة لعموم الأدلة. ومن نذر الزيارة وجبت عليه، كما جزم به ابن كج من أصحابنا، وعبارته:
إذا نذر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لزمه الوفاء، وجها واحدا، انتهى: ولو نذر إتيان المسجد الأقصى للصلاة لزمه ذلك على الأصح عندنا، وبه قال المالكية والحنابلة، لكنه يخرج عنه بالصلاة في المسجد الحرام. وصحح النووي أيضا أنه يخرج عنه بالصلاة في مسجد المدينة. قال: ونص عليه الشافعيّ. وبه قال الحنفية والحنابلة.
وللشيخ تقي الدين بن تيمية هنا كلام شنيع عجيب، يتضمن منع شد الرحال للزيارة النبويّة المحمدية، وأنه ليس من القرب، بل بضد ذلك.
ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في «شفاء السقام» فشفى صدور المؤمنين.
وحكي الشيخ ولي الدين العراقي، أن والده كان معادلا للشيخ زين الدين عبد الرحمن بن رجب الدمشقيّ في التوجه إلى بلد الخليل عليه السلام، فلما دنا من البلد قال: نويت الصلاة في مسجد الخليل، ليحترز عن شد الرحال لزيارته على طريقة شيخ الحنابلة ابن تيمية، فقلت: نويت زيارة قبر الخليل عليه السلام. ثم قلت:
أما أنت فقد خالفت النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه
قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»
وقد شددت الرحل إلى مسجد رابع، وأما أنا فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم لأنه
قال: «زوروا القبور»
أفقال: إلا قبور الأنبياء؟! قال: فبهت.
وينبغي لمن أراد الزيارة أن يكثر من الصلاة والتسليم عليه في طريقه، فإذا وقع بصره على معالم المدينة الشريفة وما تعرف به، فليردد الصلاة والتسليم، وليسأل اللَّه أن ينفعه بزيارته ويسعده بها في الدارين.
وليغتسل ويلبس النظيف من ثيابه، وليترجل ماشيا باكيا.
ولما رأى وفد عبد القيس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ألقوا أنفسهم عن رواحلهم ولم ينيخوها وسارعوا إليه، فلم ينكر ذلك عليهم صلوات اللَّه وسلامه عليه.
وروينا مما ذكره القاضي عياض في (الشفاء) أن أبا الفضل الجوهري لما ورد إلى المدينة زائرا، وقرب من بيوتها ترجل ومشى باكيا منشدا:
وروى جعفر بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس- رضي اللَّه
[ () ]
ولما رأينا رسم من لم يدع لنا
…
فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة
…
لمن بان عنه أن نسلم به ركبا
وأنبئت بأن العلامة أبا عبد اللَّه بن رشيد قال: لما قدمنا المدينة سنة أربع وثمانين وستمائة، كان معي رفيقي الوزير أبو عبد اللَّه بن أبي القاسم بن الحكيم، وكان أرمد، فلما دخلنا ذا الحليفة أو نحوها نزلنا عن الأكوار، وقوي الشوق لقرب المزار، فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتسابا لتلك لآثار، وإعظاما لمن حل تلك الديار، فأحس بالشفاء. الأكوار: جمع كور: هو الرحل للإبل، بمنزله السرج للفرس.
ولما كنت سائرا لقصد الزيارة في ربيع الآخر سنة اثنين وتسعين وثمانمائة، ولاح لما عند الصباح جبل مفرح الأرواح المبشر بقرب المزار من أشرف الديار، تسابق الزوار إليه، وتعالوا بالصعود عليه استعجالا لمشاهدة تلك الآثار واقتباسا لمشاهدة تلك الأنوار فبرقت لوامع الأنوار النبويّة، وهبت عرف نسمات المعارف المحمدية، فطبنا وغبنا إذ شهدنا أعلام ديار أشرف البرية.
ولما قربنا من ديار المدينة وأعلامها، وتدانينا من معاينة رباها الكريمة وآكامها، وانتشقنا عرف لطائف أزهارها، وبدت لناظرنا بوارق أنوارها، وترادفت واردات المنح والعطايا، ونزل القوم عن المطايا، فأنشدت متمثلا:
أتيتك زائرا وودت أني
…
جعلت سواد عيني أمتطيه
وما لي لا أسير علي المآقي
…
إلى قبر رسول اللَّه فيه
ويستحب صلاة ركعتين تحية المسجد قبل الزيارة، وهذا إذا لم يكن مروره من جهة وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم.
فإن كان استحب الزيارة قبل التحية. قال في «تحقيق النصرة» وهو استدراك حسن. قاله بعض شيوخنا.
وفي منسك ابن فرحون: فإن قلت: المسجد إنما تشرف بإضافته إليه صلى الله عليه وسلم فينبغي البداءة بالوقوف عنده صلى الله عليه وسلم. قلت:
قال ابن حبيب في أول كتاب الصلاة: حدثني مطرف عن مالك عن يحيي بن سعيد عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنه قال: قدمت من سفر، فجئت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أسلم عليه وهو بفناء المسجد، فقال:
أدخلت المسجد فصليت فيه؟ قلت: لا، قال: فاذهب فادخل المسجد وصل فيه، ثم ائت فسلم علي.
قال: ورخص بعضهم في تقديم الزيارة على الصلاة. قال ابن الحاج: وكل ذلك واسع ولعل هذا الحديث لم يبلغهم، واللَّه أعلم. انتهى. (المواهب اللدنية) مختصرا.
وينبغي للزائر أن يستحضر الخشوع ما أمكنه، وليكن مقتصدا في سلامه بين الجهر والإسرار. وفي
تبارك وتعالي عنهما- قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من حج وزار قبري بعد موتي
[ () ] البخاري: أن عمر رضي الله عنه قال لرجلين من أهل الطائف: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ضربا، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟.
وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: لا ينبغي رفع الصوت على نبي حيا ولا ميتا. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تسمع صوت الوتد يوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم فترسل إليهم: لا تؤذوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
قالوا: وما عمل علي بن أبي طالب رضي الله عنه مصراعي داره إلا بالمصانع توقيا لذلك. نقله ابن زبالة فيجب الأدب معه كما في حياته.
وينبغي للزائر أن يتقدم إلى القبر الشريف من جهة القبلة، وإن جاء من جهة رجلي الصاحبين فهو أبلغ في الأدب من الإتيان من جهة رأسه المكرم. ويستدبر القبلة ويقف قبالة وجهه صلى الله عليه وسلم بأن يقابل المسمار.
وقد روى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب: ليس من يوم إلا ويعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أعمال أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم.
ويمثل الزائر وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم في ذهنه، ويحضر قلبه جلال رتبته، وعلو منزلته، وعظيم حرمته، وإن أكابر الصحابة ما كانوا يخاطبونه إلا كأخي السرار، تعظيما لما عظم اللَّه من شأنه.
وقد روى ابن النجار أن امرأة سألت عائشة رضي الله عنها: أن اكشفي لي عن قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فكشفته فبكت حتى ماتت.
وحكي عن أبي الفضائل الحموي، أحد خدام الحجرة المقدسة، أنه شاهد شخصا من الزوار الشيوخ، أتي باب مقصورة الحجرة الشريفة، فطأطأ رأسه نحو العتبة، فحركوه فإذا هو ميت، وكان ممن شهد جنازته.
ثم يقول الزائر بحضور قلب، وغض بصر وصوت، وسكون جوارح وإطراق: السلام عليك يا رسول اللَّه، السلام عليك يا نبي اللَّه، السلام عليك يا حبيب اللَّه، السلام عليك يا خيرة اللَّه، السلام عليك يا صفوة اللَّه، السلام عليك يا سيد المرسلين، وخاتم النبيين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وسائر عباد اللَّه الصالحين، جزاك اللَّه عنا يا رسول اللَّه أفضل ما جازى نبيا ورسولا عن أمته، وصلى اللَّه عليك كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أنك عبده ورسوله وأمينه، وخيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلغت
كان كمن زارني في حياتي
[ (1) ] .
[ () ] الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في اللَّه حق جهاده. ومن ضاق وقته عن ذلك، أو عن حفظه فليقل ما تيسر منه، أو مما يحصل به الغرض.
وفي «التحفة» : أن ابن عمر وغيره من السلف كانوا يقترون ويوجزون في هذا جدا. فعن مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، وناهيك به خبرة بهذا الشأن من رواية ابن وهب عنه، يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته.
وعن نافع عن ابن عمر، أنه كان إذا قدم من سفر دخل المسجد، ثم أتي القبر المقدس فقال: السلام عليك يا رسول اللَّه، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.
وينبغي أن يدعو، ولا يتكلف السجع فإن ذلك قد يؤدي إلى الإخلال بالخشوع.
وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة: أنه صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلم يسلم علي إلا رد اللَّه علي روحي حتى أرد عليه السلام.
وعند ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة مرفوعا: من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته. وعن سليمان بن سحيم، مما ذكره القاضي عياض في «الشفاء» قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقلت: يا رسول اللَّه، هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال: نعم وأرد عليهم.
ولا شك أن حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ثابتة معلومة.
وقد روى الدارميّ عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة، لم يؤذن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن النجار وابن زبالة بلفظ قال سعيد- يعني ابن المسيب-: فلما حضرت الظهر سمعت الأذان في القبر، فصليت ركعتين، ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر، ثم مضى ذلك الأذان والإقامة في القبر المقدس لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال، يعني ليالي أيام الحرة.
وقد روى البيهقي وغيره: من حديث أنس أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون.
وفي رواية: أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلون بين يدي اللَّه حتى ينفخ في الصور.
وله شواهد في صحيح مسلم منها: قوله صلى الله عليه وسلم: مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره.
وفي حديث أبي ذر في قصة المعراج: أنه لقي الأنبياء في السماوات، وكلموه وكلمهم. وقد ذكرت مزيد بيان لذلك في حجة الوداع من مقصد عباداته، وفي ذكر الخصائص الكريمة في مقصد معجزاته، وفي مقصد الإسراء والمعراج.
[ (1) ](سنن الدارقطنيّ) : 2/ 278، حديث رقم (193)، وفيه:«عن مجاهد عن ابن عمر» .
وللدارقطنيّ من حديث موسى بن هلال [العبديّ] عن عبيد اللَّه بن عمر ابن نافع عن ابن عمر- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنهما-، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من زار قبري وجبت له شفاعتي
[ (1) ] .
وخرج الدارقطنيّ أيضا من حديث يحيي بن محمد بن صاعد، حدثنا أبو محمد العبادي حدثنا مسلمة بن سالم الجهنيّ حدثنا عبد اللَّه بن عمر عن نافع عن سالم، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من جاءني زائرا لم يدعه حاجة إلا زيارتي كان حقا عليّ أن أكون شفيعا له يوم القيامة.
وقال محمد بن إسماعيل بن أبي فديك: أخبرني سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس بن مالك- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- قال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: من زار قبري بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة.
ولابن أبي الدنيا من حديث سعيد بن عثمان الحرجاني قال: أخبرنا محمد بن أبي فديك قال: أخبرنا عمر بن حفص، قال: إن ابن أبي ملكية قال:
سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه يقول: إنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [ (2) ] الآية ثم قال:
فتلا صلى اللَّه عليك يا محمد، حتى يقولها سبعين مرة ناداه ملك: صلى اللَّه عليك يا فلان، لم تسقط لك حاجة! [ (3) ] .
وخرج أبو محمد الروائي من طريق ابن زيد بن سعد حدثنا عمرو بن مالك
[ (1) ](المرجع السابق) : حديث رقم (194) ، وما بين الحاصرتين زيادة للنسب منه، وقال في (هامشه) : موسى بن هلال العبديّ، شيخ بصريّ، قال أبو حاتم: مجهول، وقال العقيليّ: لا يتابع على حديثه، وقال ابن عديّ:
أرى أنه لا بأس به، قال الذهبيّ: قلت: هو صالح الحديث وأنكر ما عنده حديثه عن عبد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا:«من زار قبري وجبت له شفاعتي» .
[ (2) ] الأحزاب: 56.
[ (3) ](المواهب اللدنية بالمنح المحمدية) : 4/ 584،
وأخرج الدارقطنيّ في (السنن) : عن الشعبي والأسود بن ميمون، عن هارون أبي قزعة، عن رجل من آل حاطب، عن حاطب، قال: قال رسول اللَّه: «من زارني بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة» . (سنن الدارقطنيّ) :
2/ 278، حديث رقم (193)، وقال في (هامشه) : هارون بن أبي قزعة المدني، قال البخاري: لا يتابع عليه، والشيخ لهارون مجهول.
البكري حدثنا أبو الحور بن عبد اللَّه قال: قحط أهل المدينة قحطا شديدا فشكوا إلى عائشة- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنها-، فقالت: انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف قال:
ففعلوا فمطرنا مطرا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل، حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق.
وقد روي من طريق، محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة فأتيت قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم [فزرته، وجلست بحذائه][ (1) ] فجاء أعرابي فزاره ثم قال:
يا خير المرسلين إن اللَّه عز وجل أنزل عليك كتابا صادقا، قال فيه: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [ (2) ] .
وإني جئتك مستغفرا إلى ربي من ذنوبي مستشفعا بك، ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه [ (3) ] * فطاب من طيبهنّ القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه* فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم استغفر وانصرف. قال: فرقدت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: إن اللَّه عز وجل قد غفر له لشفاعتي.
وخرج أبو نعيم من طريق محمد بن سليمان حدثنا عبد الحميد بن سليمان عن سعيد بن المسيب قال: لقد رزيتني ليالي الحرة وما في مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم غيري، وقال: لا يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان من القبر، ثم أتقدم فأقيم وأصلى، وإن أهل الشام ليدخلون المسجد فيقولون: انظروا إلى هذا الشيخ المجنون.
قال أبو محمد الدرامي: وأخبرنا مروان بن محمد عن سعيد بن عبد العزيز، قال: لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ولم يقم، ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة
[ (1) ] زيادة للسياق من (المواهب اللدنية) .
[ (2) ] النساء: 64.
[ (3) ] في بعض النسخ: «بالترب أعظمه» .
يسمعها من قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن زبالة: وحدثني محمد بن الحسن عن غير واحد، منهم عبد العزيز بن محمد بن عمران بن محمد أنه لما كان أيام الحرة ترك مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام، وخرج الناس إلى الحرة، وجلس سعيد بن المسيب في مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: فاستوجب فدنوت قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلما حضرت الظهر سمعت الأذان في قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فصليت ركعتين ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر، ثم جلست حتى حضرت العصر، فسمعت الأذان في قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فصليت ركعتين ثم سمعت الإقامة فصليت العصر، ثم لم أزل أسمع الأذان في قبره حتى مضت الثلاث، وفعل القوم ودخلوا مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعاد المؤذنون فأذنوا فسمعت الأذان في قبره صلى الله عليه وسلم فلم أسمعه، فرجعت إلى مجلسي الّذي أجلس فيه [ (1) ] .
وخرج الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن النجار من حديث أبي السكن الهمدانيّ، قال: حدثني محمد بن حامان قال: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: حجحت فجئت المدينة فتقدمت إلى قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فسمعت من داخل الحجرة: وعليك السلام.
وقد روى يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل عن ابن حمد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن اللَّه عز وجل أدّب قوما فقال:
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [ (2) ] .
ومدح قوما فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [ (3) ] .
وذم قوما فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ (4) ] .
[ (1) ](المواهب اللدنية) : 4/ 587.
[ (2) ] الحجرات: 2.
[ (3) ] الحجرات: 4.
[ (4) ] الحجرات: 4.
وإن حرمته صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا، فاستكان له أبو جعفر وقال: يا أبا عبد اللَّه! أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى اللَّه تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله، واستشفع به، فيشفع لك عند اللَّه تعالى.
قال اللَّه تبارك وتعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [ (1) ] .
وقال القاضي عياض: [ (2) ] وزيادة قبره صلى الله عليه وسلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها، حدثنا القاضي أبو علي، حدثنا أبو الفضل بن خيرون قال: حدثنا الحسن ابن جعفر قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عمر الدارقطنيّ قال حدثنا القاضي المحاملي قال: حدثنا محمد بن عبد الرزاق قال: حدثنا موسي بن هلال عن عبيد اللَّه بن عمر عن نافع عن ابن عمر- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنهما- قال:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: من زار قبري وجبت له شفاعتي.
وعن أنس بن مالك قال، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من زارني في المدينة محتسبا كان في جواري، وكنت له شفيعا يوم القيامة.
وفي حديث آخر: من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي.
وكره مالك أن يقال زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف في معني ذلك فقيل كراهية الاسم لما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: لعن اللَّه زوارات القبور، وهذا يرده قوله:
نهيتم عن زيارة القبور فزوروها. وقوله من زار قبري فقد أطلق اسم الزيارة، وقيل: لأن ذلك لما قيل: إن الزائر أفضل من المزور، وهذا أيضا ليس بشيء إذ ليس كل زائر بهذه الصفة، وليس هذا عموما، وقد ورد في حديث أهل الجنة زيارتهم لربهم، ولم يمنع هذا اللفظ في حقه تعالى.
وقال أبو عمران رحمه الله: انما كره مالك أن يقال: طواف الزيارة، وزرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم لاستعمال الناس ذلك بينهم بعضهم لبعض، وكره تسوية النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس بهذا اللفظ. وأيضا فإن الزيارة مباحة بين الناس، وواجب شد المطيّ إلي قبره صلى الله عليه وسلم يريد بالوجوب هنا وجوب ندب وترغيب وتأكيد لا
[ (1) ] النساء: 64.
[ (2) ](الشفا بتعريف حقوق المصطفى) : 2/ 68 وما بعدها.
وجوب فرض، والأولى عندي أن منعه وكراهة مالك له لإضافته إلي قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لو قال: زرنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه لقوله صلى الله عليه وسلم: اللَّهمّ لا تجعل قبري وثنا يعبد بعدي، اشتد غضب اللَّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فنفي إضافة هذا اللفظ إلي القبر والتشبه بفعل أولئك قطعا للذريعة وحسما للباب واللَّه أعلم.
قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد الى الصلاة في مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والتبرك برؤية روضته، ومنبره، وقبره، ومجلسه، وملامس يديه، ومواطئ قدميه، والعمود الّذي كان يستند، إليه وينزل جبريل بالوحي فيه عليه وبمن عمره، وقصده، من الصحابة وأئمة المسلمين، الاعتبار بذلك كله.
وقال ابن أبي فديك: سمعت بعض من أدركت يقول بلغني أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ثم قال: صلى اللَّه عليك يا محمد، من يقولها سبعين مرة ناداه ملك: صلى اللَّه عليك يا فلان، ولم تسقط له حاجة.
وعن يزيد بن أبي سعيد المقبري قدمت على عمر بن عبد العزيز فلما ودعته قال: لي إليك حاجة: إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأقرئه مني السلام. قال غيره: وكان يبرد إليه البريد من الشام، قال بعضهم: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم علي النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف، وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو، ويسلم، ولا يمس القبر بيده.
وقال في (المبسوط) : لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ولكن يسلم ويمضي، قال ابن أبي مليكة من أحب أن يقوم وجاه النبي صلى الله عليه وسلم فليجعل القنديل الّذي في القبلة عند القبر على رأسه، وقال نافع كان ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة وأكثر يجئ إلي القبر فيقول السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، السلام على أبي بكر، السلام على أبي ثم ينصرف، ورئي ابن عمر واضعا يده علي مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه.
وعن ابن قسيط والعتبيّ: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد حسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون. وفي (الموطأ) من رواية يحيى بن يحيى الليثي: أنه كان يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي
على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر، وعمر- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنهما-.
وعند ابن القاسم والقعنبي: ويدعو لأبي بكر وعمر قال مالك في رواية ابن وهب: يقول المسلم السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته.
قال في (المبسوط) : ويسلم علي أبي بكر وعمر. قال القاضي أبو الوليد الباجي: وعندي أنه يدعو للنّبيّ صلى الله عليه وسلم بلفظ الصلاة، ولأبي بكر وعمر كما في حديث ابن عمر من الخلاف. وقال ابن حبيب: ويقول إذا دخل مسجد الرسول بسم اللَّه، وسلام على رسول اللَّه، السلام علينا من ربنا، وصلى اللَّه وملائكته علي محمد. اللَّهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وجنتك، واحفظني من الشيطان الرجيم، ثم اقصد إلي الروضة، وهي ما بين القبر والمنبر فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد اللَّه فيها وتسأله تمام ما خرجت إليه، والعون عليه، وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك، وفي الروضة أفضل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة.
ثم تقف بالقبر متواضعا متوقرا، فتصلي عليه وتثني بما يحضرك، وتسلم علي أبي بكر وعمر، وتدعو لهما، وأكثر من الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار، ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء.
قال مالك في كتاب محمد: ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل وخرج يعني في المدينة وفيما بين ذلك. قال محمد: وإذا خرج جعل آخر عهده الوقوف بالقبر وكذلك من خرج مسافرا. وروي ابن وهب عن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم:
وقل: اللَّهمّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرجت صل على النبي صلى الله عليه وسلم وقل: اللَّهمّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك، وفي رواية أخرى: فليسلم مكان فليصل فيه، ويقول إذا خرج: اللَّهمّ إني أسالك من فضلك، وفي آخر اللَّهمّ احفظني من الشيطان الرجيم، وعن محمد بن سيرين كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد: صلى اللَّه وملائكته على محمد السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته باسم اللَّه دخلنا وباسم اللَّه خرجنا، وعلى اللَّه توكلنا، وكانوا يقولون إذا خرجوا مثل ذلك.
وعن فاطمة أيضا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: صلى اللَّه على محمد، ثم ذكر مثل حديث فاطمة قبل هذا، وفي رواية: حمد اللَّه وسمى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر مثله. وفي رواية باسم اللَّه والسلام على رسول اللَّه، وعن غيرها كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: اللَّهمّ افتح لي
أبواب رحمتك ويسر لي أبواب رزقك.
وعن أبي هريرة: إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل:
اللَّهمّ افتح لي
…
وقال مالك في (المبسوط) : وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء، وقال فيه أيضا: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلي سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيصلي عليه ويدعو له، ولأبي بكر وعمر، فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.
قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر فسلموا. قال: وذلك رأى. قال الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء، لأن الغرباء قصدوا لذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم. وقال صلى الله عليه وسلم: اللَّهمّ لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب اللَّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وقال: لا تجعلوا قبري عيدا.
ومن كتاب أحمد بن سعيد الهندي فيمن وقف بالقبر لا يلصق به، ولا يمسه، ولا يقف عنده طويلا، وفي (العتبية) : يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأحب مواضع التنفل فيه: مصلي النبي حيث العمود المخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلي الصفوف والتنفل فيه للغرباء أحب إليّ من التنفل في البيوت.