الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما إخباره صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حين بعثه إلى أكيدر بدومة الجندل بأنه يجده يصيد البقر فوجده كما قال
فروى يونس بن بكير، عن ابن إسحاق [ (1) ] قال: حدثني يزيد بن رومان وعبد اللَّه بن أبي بكر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة كان ملكا على دومة وكان نصرانيا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر،
فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه منظر العين في ليلة مقمرة صافية وهو على سطح ومعه امرأته، فأتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا واللَّه، قالت: فمن يترك مثل هذا؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه فأسرج وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له: حسان، فخرجوا معهم بمطاردهم فتلفقتهم خيل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأخذته وقتلوا أخاه حسان، وكان عليه قباء من ديباج مخوّص بالذهب، فاستلبه خالد بن الوليد، فبعث به إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل قدومه به عليه، ثم إن خالدا قدم بالأكيدر على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فحقن له دمه وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته، فقال رجل من طيِّئ يقال له: بجير بن بجرة يذكر
قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر وما صنعت البقر تلك الليلة حتى استخرجته لتصديق قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:
تبارك سائق البقرات إني
…
رأيت اللَّه يهدي كل هاد
ومن يك عائدا عن ذي تبوك
…
فإنا قد أمرنا بالجهاد
زاد فيه غيره: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يفضض اللَّه، فاك فأتى عليه تسعون سنة فما تحرك له ضرس ولا سن.
[ (1) ](سيرة ابن هشام) : 5/ 207- 208.
وقال الواقدي في (مغازيه)[ (1) ] حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنهما- ومحمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، ومعاذ بن محمد، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، وإسماعيل ابن إبراهيم، عن موسى بن عقبة، فكل قد حدثني من هذا الحديث بطائفة، وعماده حديث ابن أبي حبيبة.
قالوا: بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل- وكان أكيدر من كندة قد ملكهم وكان نصرانيا- فقال خالد: يا رسول اللَّه، كيف لي به وسط بلاد كلب، وإنما أنا في أناس يسير؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ستجده يصيد البقر فتأخذه.
قال: فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له ومعه امرأته الرباب بنت أنيف بن عامر من كندة، وصعد على ظهر الحصن من الحر، وقينته تغنبه، ثم دعا بشراب فشرب، فأقبلت البقر تحك بقرونها باب الحصن، فأقبلت امرأته الرباب فأشرفت على الحصن فرأت البقر، فقالت: ما رأيت كالليلة في اللحم، هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا، ثم قالت: من يترك هذا؟ قال: لا أحد.
قال: يقول أكيدر: واللَّه ما رأيت جاءنا بقر غير تلك الليلة ولقد كنت أضمّر لها الخيل إذا أردت أخذها شهرا أو أكثر، ثم أركب بالرجال وبالآلة.
قال: فنزل، فأمر بفرسه فأسرج، وأمر بخيل فأسرجت، وركب معه نفر من أهل بيته، معه أخوه حسان ومملوكان، فخرجوا من حصنهم بمطاردهم [ (2) ] ، فلما فصلوا من الحصن وخيل خالد تنتظرهم لا يصهل منها فرس ولا يتحرك، فساعة فصل أخذته الخيل، فاستأسر أكيدر، وامتنع حسان فقاتل حتى قتل، وهرب المملوكان ومن كان معه من أهل بيته، فدخلوا
[ (1) ](مغازي الواقدي) : 3/ 1025- 1028، غزوة أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل في رجب سنة تسع، وهي على عشرة أميال من المدينة المنورة.
[ (2) ] المطارد: جمع مطرد، وزن منبر، وهو رمح قصير يطرد به الوحش.
الحصن، وكان على حسان قباء ديباج مخوّص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن أمية الضمريّ حين قدم عليهم فأخبرهم بأخذهم أكيدر.
قال أنس بن مالك وجابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنهما-: رأينا قباء حسان أخي أكيدر حين قدم به إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فجعل المسلمون يتلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: تعجبون من هذا؟ والّذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا.
وقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لخالد بن الوليد: إن ظفرت بأكيدر فلا تقتله، وائت به إليّ فإن أبي فاقتلوه، فطاوعهم. فقال بجير بن بجرة من طيِّئ، يذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك تجده يصيد البقر وما صنع البقر تلك الليلة بباب الحصن تصديق قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال شعرا.
وقال خالد لأكيدر: هل لك أن أجيرك من القتل حتى آتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على أن تفتح لي دومة؟ قال: نعم، ذلك لك، فلما صالح خالد أكيدر، وأكيدر في وثاقه انطلق به خالد حتى أدناه من باب الحصن ونادى أكيدر أهله: افتحوا باب الحصن فأرادوا ذلك فأبى عليهم أخو أكيدر، فقال أكيدر لخالد: تعلم واللَّه لا يفتحون لي ما رأوني في وثاقك، فخل عني فلك اللَّه والأمانة أن أفتح لك باب الحصن إن أنت صالحتني على أهله، قال خالد: فإنّي أصالحك، فقال أكيدر: إن شئت حكمتك، وإن شئت حكمتني، قال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت فصالحه على ألفي بعير، وثماني مائة رأس وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح، على أن ينطلق به وأخيه إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فيحكم فيهما حكمه.
فلما قاضاه خالد على ذلك خلى سبيله ففتح الحصن فدخل خالد وأوثق مضادا أخا أكيدر، وأخذ ما صالح عليه من الإبل والرقيق والسلاح، ثم خرج قافلا إلى المدينة ومعه أكيدر، فلما قدم بأكيدر على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صالحه على
الجزية، وحقن دمه ودم أخيه، وخلى سبيلها، وكتب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كتابا فيه أمانهم وما صالحهم، وختمه يومئذ بظفره [ (1) ] .
وذكر ابن الكلبي أن أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، لما قبض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منع أبا بكر- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- ما صالح عليه فأخرج من جزيرة العرب من دومة ولحق الحيرة وابتنى بها بناء وسماه دومة، بدومة الجندل، وفي (كتاب الفتوح) : أن خالد بن الوليد لما خرج إلى دومة الجندل وبها أكيدر هذا والجودي بن ربيعة جمع كثير قال أكيدر: لا أحد فمن نقيه من خالد ولا يرى وجهه أحد إلا انهزم فلا تقاتلوا، فعصوه فتركهم، وخرج فأخذته خيل خالد فقتلته، ثم قتل خالد الجودي وفتح دومة.
[ (1) ] والخبر بتمامه في (سيرة ابن هشام) : 5/ 207- 208، خالد يأسر أكيدر دومة، وفي (دلائل البيهقيّ) : 5/ 250- 253، باب بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة، وما ظهر في إخباره صلى الله عليه وسلم عن وجوده وهو يصيد البقر من آثار النبوة.