الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
حمداً لمَنْ خَلَقَ الإنسانَ وعلَّمَه البيان، وصلاةً وسلاماً على أفصحِ بني عدنان.
وأمَّا بعدُ:
فإنَّ عِلمَ البلاغةِ علمٌ قُرآنيٌّ، يُعينُنا على فهمِ كتابِ الله تعالى وتدبُّر معانيه، وما مِن امرئٍ يجتهدُ في تحصيل علوم الشَّريعة الإسلاميّة مِن تفسيرٍ وفقهٍ وعقيدةٍ وأُصولٍ إلّا وهو مُحتاجٌ إلى تحصيلِ علمِ البلاغةِ.
وإنّ ما جرَتْ به عادةُ بعضِ الجامعاتِ مِن الفصلِ بين علم البلاغةِ وعلومِ القرآن الكريم، وحصرِ تدريس علم البلاغة في أقسام اللُّغةِ العربيّة دون كُلّيّات الشّريعة لَهو خطأٌ تاريخيٌّ يُضعِفُ الباحثين في علوم الشّريعة؛ ويحرِمُهم من أحدِ علوم الآلة (علم البلاغة) الذي يُبصِّرُهم بلسان العرب وأسراره؛ ويُساعِدُهم على التَّأويل والاستدلال والاستنباط، ويعصمُهم من الشَّطَطِ والوهم في فهم النُّصوص الشَّرعيّة.
وحرمانُهم من علم البلاغة حَرَمَهم من الإحاطة بأسرار التعبير
القرآنيّ؛ فلا يُدركون الفروق بين المعاني الدقيقة، ولا يشعرون بلذّة البيان القرآنيّ، ولو شئت التأكُّد من ذلك؛ فلتسألهم بعض الأسئلة؛ كهذه:
- قال تعالى: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا)[الجنّ: 10] لماذا وردَ الفعلُ نفسُه في الآية مرّة مبنيّاً للمعلوم وأُخرى للمجهول؟
- قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً)[آل عمران: 130] أَوَيجوزُ أكلُ الرّبا إذا لم يبلغ حَدَّ الأضعاف المضاعفة؟ !
- قال تعالى: (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا)[البقرة: 41] أَوَيجوزُ ذلك إن كان الثمنُ كبيراً؟ !
- قال تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ)[الأنبياء: 87] أَوَيصحُّ من نبيٍّ أنْ يظنُّ أن الله تعالى غيرُ قادرٍ عليه؟ !
- قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)[الأنعام: 151]، وقال:(وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)[الإسراء: 31] ما حكمة التقديم والتأخير في الآيتين؟
- قال تعالى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى)[النجم: 22] كيف وردت كلمة (ضيزى) في الآية، وهي مُستكرَهة على الأسماع؟
- ما جمال الصّورة في القرآن الكريم؛ كقولِه تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ)[السَّجدة: 16]، وقوله:(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)[الإسراء: 24]
…
؟
- قال تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)[المنافقون: 1] ما وظيفة الجملة الاعتراضية (واللَّهُ يعلمُ إنّك لَرسولُه)؟
- قال تعالى: (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا)[القمر: 12]، ما الفرق لو قال:(وفجَّرْنا عيونَ الأرضِ)؟
فإذا كان طالبُ الشريعة الذي سيغدو أستاذاً للعلوم الإسلامية عاجزًا عن الفهم الصحيح لآيات القرآن الكريم، فكيف يكون حالُ أبنائنا وهم يدرسون دينَهم على يديه؟ أمّا إذا كان حالُ معلِّمي اللغة العربيّة كذلك؛ فتلك أدهى وأمَرّ.
والعَجَبُ كلُّ العجبِ ممَّن يتكلَّمُ في التَّفسير وهو مُفتقِرٌ إلى علوم العربيّة وبلاغتِها؛ إذْ لا يستطيعُ امرؤٌ تفسيرَ آيةٍ، أو استنباطَ حُكْمٍ، أو تأويلَ حديثٍ مُشكِلٍ؛ إلّا إذا تعلَّمَ لسانَ القرآن وبلاغتَه، وأصبحَ خبيراً بأساليب العربِ في تصريفِ كلامِها؛ فعلمُ البلاغةِ شرطٌ لازمٌ وغيرُ كافٍ لتحصيلِ العلوم الشّرعيّة.
وقد ذَكَرَ السُّيوطيُّ في كتابِه الإتقان خمسةَ عشرَ شرطاً للمُفَسِّرِ؛ هي: «اللُّغةُ، والنَّحوُ، والتَّصريفُ، والاشتقاقُ، والمعاني، والبيانُ، والبديعُ، وعلمُ القراءاتِ، وأصولُ الدِّينِ، وأُصول الفِقهِ، وأسبابُ النُّزولِ، والنّاسِخُ والمنسوخُ، والفقهُ، والأحاديثُ المُبَيِّنةُ لتفسيرِ المُجمَلِ والمُبهَمِ، وعِلمُ المَوهبةِ» . فنصفُ شروطِ المفسِّرِ إتقانُ علوم اللُّغة العربيّة، ونصفُها الآخَرُ لا يكونُ إلّا بعد إتقانِ علوم اللُّغة العربيّة، وبعدَ ذلك كُلِّه نرى في زمانِنا مَن يتجرَّأُ على الخوض في التَّفسيرِ والتّأويلِ مع أنَّه لم يُحِطْ بعلوم العربيّة.
ونرى أنّ كثرةً من أبناء أُمّتنا الإسلاميّة من عَوامِّها وخَواصِّها قد حِيْلَ بينَها وبين فَهْمِ كتاب الله تعالى بسبب عُجْمتِها، وعدم إتقانِها لعلوم العربيّة (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف: 2].
فأضحى أبناؤنا لُقمةً سائغةً في براثنِ بعض المستشرقين الحاقدين
وبعض الضّالّين المُضِلِّين الذين أدركُوا أنّك (إذا أردْتَ قَتْلَ حقيقةٍ فإيّاكَ أنْ تُنْكِرَها، ولكنْ شَوِّهْها)، فأخذوا يُضلِّلون أبناءَنا ويُلَبِّسون عليهم؛ ويَلْوُون أعناقَ النُّصوص مُستغلِّين جهلَ أبناء المسلمين بأسرارِ لغةِ قُرآنهم!
وقد أدرَكَ عُلماؤنا أهميّة علم البلاغة في فهم القرآنِ والسُّنّة، فقال أبو هلال العسكريّ (ت 395 هـ) في كتاب الصِّناعتين: «اعلمْ أنّ أحقَّ العُلوم بالتَّعلُّم، وأَولاها بالتَّحفُّظ- بعد المعرفة بالله جلَّ ثناؤُه- علمُ البلاغة الذي به يُعرَفُ إعجازُ كتاب الله تعالى
…
، وقد عَلِمْنا أنّ الإنسانَ إذا أغفل علمَ البلاغة، وأَخلَّ بمعرفة الفصاحة لم يقعْ عِلمُه بإعجاز القرآن». وقال السَّكّاكيُّ (ت 626 هـ) في كتابِه مفتاح العلوم؛ في أثناءِ كلامِه على عِلْمَي المعاني والبيان:«فالويلُ كُلُّ الويلِ لمَنْ تعاطى التَّفسيرَ وهو فيهما راجِلٌ» ، وكانَ ابنُ جِنِّيّ (ت 392 هـ) قد أفردَ في كتابِه الخصائص بابًا حشَدَ فيه الأمثلةَ التي تُؤكِّدُ أنَّ الجهلَ بأساليبِ البلاغة من مجازٍ وكنايةٍ وتشبيهٍ وغيرِ ذلك يُفضي إلى الخطأ في الاعتقاد؛ وقال:«أكثر مَن ضَلَّ مِن أهلِ الشّريعةِ عن القَصْدِ فيها، وحادَ عن الطّريقةِ المُثلى إليها؛ فإنَّما استهواه واستخفَّ حِلْمَه ضَعْفُه في هذه اللُّغةِ الكريمةِ الشّريفةِ» .
ومن هُنا انبعثَ اهتمامُ عُلمائنا المسلمين من عَرَبٍ وعَجَمٍ بعلم البلاغة، فحَرَصُوا على تعلُّمِه وتعليمِه، حتّى تَشَعَّبَتْ مسالِكُ التَّصنيفِ في هذا العلمِ؛ فألفينا فيه الكُتبَ النَّظريّة كـ (مفتاح العلوم) لأبي يعقوب السَّكّاكيّ (ت 626 هـ)، و (تلخيص المفتاح) للخطيب القَزوينيّ (ت 739 هـ). والكتُبَ النَّظريّة بلمسةٍ أدبيّة ونقديّة كـ (أسرار البلاغة) و (دلائل الإعجاز) لعبد القاهرِ الجُرجانيّ (ت 471 هـ)، والدِّراساتِ النَّقديّةَ على أُسُسٍ بلاغيّة كـ (المَثَل السَّائر في أدب الكاتب والشّاعر) لضياء الدّين ابن الأثير (ت 637 هـ)، ومُصنَّفاتِ البلاغة التَّطبيقيَّة كتفسير (الكشّاف) للعلّامة الزَّمخشريّ (ت 538 هـ) وهو تاجُ التَّفاسير البلاغيّة، ورسائلَ الإعجاز القرآنيّ كـ (إعجاز القرآن) لأبي
بكر الباقلّانيّ (403 هـ)، وتصنيفاتٍ لبعض المتأدِّبين كـ (العُمْدَة في مَحاسِن الشِّعر وآدابِه) لابن رشيقٍ القَيْروانيّ (ت 463 هـ)، وبديعيّاتٍ كـ (الكافية البديعيّة في المدائح النَّبويّة) لصَفيّ الدِّين الحِلّيّ (ت 750 هـ)، ومنظوماتٍ وأراجيزَ تعليميّةً كـ الحَلَبيّ الكبير (ت 815 هـ).
ولعلَّهم لجؤوا في الأزمنة المتأخِّرةِ إلى طريقة المنظومات التّعليميّة؛ كما في منظومة (مئة المعاني والبيان) لابن الشِّحْنَة؛ لأنّ لها موسيقى تُساعدُ على حفظِ القواعد ورُسوخِها في ذاكرةِ طالب العلم، ولتقييد العلوم وحفظ المخطوطات في الصُّدور بعد ما رأَوا بعيونِهم كثيراً من المخطوطاتِ حُرِّقَتْ وغُرِّقَتْ على أيدي المُغُولِ.
وقد قرأتُ بدقّة وتمعُّنٍ نحواً من ستين منظومةً بلاغية؛ منها: «لِسانُ العَرَب في عُلُوم الأَدَب» لِشَعْبانَ الآثاريِّ (ت 828 هـ)، و «عُقُودُ الجُمان في عِلم المعاني والبيان» للسُّيوطيِّ (ت 911 هـ)، و «الجَوهَرُ المكنون في صَدَف الثَّلاثة فنون» للأخضريّ (ت 953 هـ)، و «منظومةُ الطَّبلاويِّ في الاستعارات» لمنصورٍ الطَّبلاويِّ (ت 1014 هـ)، و «حُسْنُ المجاز بضَبْطِ علاقاتِ المجاز» للسُّنْدُوْبيِّ (ت 1097 هـ)، و «ياقُوتة البَيَان» للإفرانيّ (ت بعد 1155 هـ)، و «منظومة السُّجَاعيِّ» للسُّجَاعيِّ (ت 1197 هـ)، و «كِفايةُ المُعاني في نَظْمِ حُرُوف المَعاني» للبَيْتُوْشِيِّ (ت 1221 هـ)، و «نَوْرُ الأَقاح» للشِّنْقِيْطِيِّ (ت 1225 هـ)، و «نظْمُ الاستعارات» لابن كيران الفاسيّ (ت 1227 هـ)، و «مُلْحَةُ البَيَان» للمَرْصَفِيِّ (ت 1300 هـ)، و «الطِّرازُ المُعْلَم في علم البيان» لناصيف اليازجي (ت 1871 م)، ومنظوماتٌ أخرى؛ أكثرُها ما زال مخطوطاً.
وقد رأيْتُ أنَّ المنظومةَ البلاغيّةَ التي ألَّفَها ابنُ الشِّحْنَة (ت 815 هـ) وأسماها: «مئة المعاني والبيان» أُرجوزةٌ نفيسةٌ، وهي أقدمُ منظومة بلاغيّة تامّةٍ وجدناها، وأوجزُ نظمٍ اختصَرَ مباحثَ تلخيص المفتاح للقزوينيّ
(ت 739 هـ) في مئة بيتٍ، فجمعَتْ من أبوابِ البلاغةِ ما لم يَجتمعْ في مثيلاتِها، فحَظِيَتْ بما لم تحظَ به منظومةٌ بلاغيّةٌ أُخرى من كَثرة الشُّروح، فضلاً عن كثرة النُّسَخ الخطّيّة لها حولَ العالَم.
فأقبلَ عليها المعلِّمون والمتعلِّمون في أمصارٍ مختلفةٍ حِفظاً ودرساً وشرحاً؛ بسبب دقّتِها ووِجازتِها. وكثيراً مّا تشيرُ كُتبُ التَّراجِم إلى أنّ هذا الرّجُل ممّا قرأَهُ مئةُ المعاني والبيان لابن الشِّحنة الحلبيّ؛ فقد كانَ ممَّا يُمتدَحُ به طالبُ العلم أن يحفظَ منظومةَ ابنِ الشِّحنة في البلاغة.
لكنّ شُداةَ البلاغةِ ما زالُوا يشتكون من غياب شرحٍ واضحٍ يَسُدُّ حاجتَهم في فَكِّ عبارة هذه المنظومة، ويعينُهم على فهم مطالبها ومباحثها. ورأيتُ لهذه المنظومة شروحاً مخطوطةً كثيرةً؛ إلّا أنّه لم يُرزَقْ أيٌّ منها بنشرةٍ عِلميَّةٍ تُغني عن بقيَّة الشُّروح.
فقرأتُ هذه الشُّروحَ جميعاً، وانتهيتُ إلى أنَّ «دُرَر الفَرائد المُسْتَحْسَنة في شرح منظومة ابن الشِّحْنة» لابن عبد الحقِّ العُمَريِّ الطَّرَابُلْسِيِّ (ت بعد 1024 هـ) هو أنفَسُ هذه الشُّروح، وأوسعُها مادّةً بلاغيّةً، وأجوَدُها عَرْضاً للمادَّة، وأغزرُها أمثلةً، ومِن أقربِ شروح المنظومةِ مأخذاً؛ فضلاً عن كثرة مصادرِه. وهو إلى ذلك مازالَ غُفْلاً لم يُطبَع مِن قَبْلُ، ويتضمَّنُ في علم البديع رسالةً لطيفةً في الجِناس لعبد العزيز الدّيرينيّ (ت 697 هـ) فيها تجديدٌ في الشَّواهد، ولم يَسبقْ نشرُها أو دراستُها.
وكانَ العُمَرِيُّ في شَرحِه هذا كثيرَ الاتِّكاءِ على كُتُبِ مَن سبَقَه، ولاسيَّما شرحِ مُحِبِّ الدِّين الحمويِّ (ت 969 هـ) الذي سبقَه في شرح المنظومة، فتوقَّفَ العُمَرِيُّ يَرُدُّ آراءَه في مواضعَ كثيرةٍ، فجاءَ كتابُه «دُرَر الفرائد المُسْتَحْسَنة
…
» مُغْنياً عن بقيَّة الشُّروح إغناءَ الصَّباح عن المِصباح.
ورأيتُ أنَّ «دُرَر الفرائد المُسْتَحْسَنة في شرح منظومة ابن الشِّحنة» لابن عبد الحقّ العمريّ الطّرابُلْسيّ (ت بعد 1024 هـ) من النُّصوصِ الصّالحةِ لِأَنْ تُتَّخَذَ قاعدةً للدَّرسِ والتَّحقيق في بحثٍ أُعِدُّه لنيل درجة الماجستير في علوم اللُّغة العربيّة وآدابِها في جامعة دمشق.
وجعلتُ موضوعَ بحثي هذا في قِسمين؛ خصَصْتُ أوَّلَهما للدِّراسة، وأفردتُ الثّانيَ للنَّصِّ المُحقَّق.
أمّا الدِّراسةُ فكانت في فصلَين:
الفصل الأوّل: (النّاظم والمنظوم) تناولتُ فيه النّاظمَ ابنَ الشِّحْنَة، فأظهرتُ ملامحَ شخصيَّتِه العِلميّة؛ ومصنَّفاتِه. وتكلّمتُ على منظومة ابن الشِّحْنةِ (عَرْضاً ونقداً)؛ فعرضتُ لأبوابِها ومضمونها وبيّنتُ مكانةَ هذه المنظومة من تاريخ التّأليف البلاغيّ العربيّ.
ثُمَّ وقفتُ عندَ الحركة التَّأليفيَّة الدَّائرة حولَ منظومةِ ابن الشِّحنة، فأحصيتُ قريبًا من ثلاثين من الشُّروح التي أُقيمَتْ عليها - وجُلُّها مازالَ مخطوطاً.
الفصل الثّاني: (الشّارح والمشروح) عقدتُه لدراسة كتابِ «دُرَر الفرائد المستحسَنة في شرح منظومة ابن الشِّحْنة» ، فترجمتُ لصاحبِه ابن عبد الحقّ العُمريّ، ثُمّ درستُ الأُسُسَ التي بنى عليها منهجَه في شرح كلامِ النّاظمِ، وطريقتَه في عَرْضِ المادّةِ وترتيبِها، وعرضتُ لمصادرِه، ومسالكِه في الأخْذِ عنها، وتكلَّمْتُ بعد ذلك على منزلة هذا الشّرحِ مُشيراً إلى ما فيه من مزايا جعلَتْهُ أكثرَ الشُّروحِ اشتِهاراً وتداوُلاً.
وأمّا التّحقيقُ فكانَ على أربعِ نُسَخٍ إحداها نفيسةٌ بخطِّ نجلِ المؤلِّف نقلاً عن مُسوَّدةِ أبيه، وكنتُ أطمحُ فيه إلى تقديمِ مَتْنٍ في علم البلاغةِ أقربَ ما يكونُ إلى الصِّحّة والسّلامة مادّةً وضَبْطاً، أربُطُ فيه هذا
الشّرحَ بنظيرِه السّابق، وأُبيِّنُ فيه أُصولَ مادّتِه في مصادرِه التي صرَّحَ بها أو أخفاها، وأمُدُّ الأسبابَ بينَه وبينَ أُمَّهاتِ الكُتُبِ التي يُعوَّلُ عليها في تتبُّعِ مسائلِ هذا العِلم، مُجتهِداً من وراءِ ذلك إلى استيفاءِ ما لم يستوفِه الشّارحُ رحمه الله، والتَّثبُّتِ من سلامةِ مادّتِه. وبدأتُه بمقدِّمةٍ ذكرَتْ أبرزَ الأُسُسِ التي بُنيَ عليها عَمَلُ التّحقيق.
ولمّا كانتْ منظومةُ ابنِ الشِّحْنة - على تعدُّدِ طَبَعاتِها - ليسَ لها طبعةٌ مُحقَّقَةٌ تحقيقاً عِلميّاً، فقد ألحقتُ بالدِّراسةِ متنَ الأرجوزةِ مُحقَّقاً مُقابَلاً على إحدى عشرةَ نُسخةً خطيَّةً.
وبعدُ؛ فمسالكُ البحثِ لم تكُنْ سهلةً، ولكنْ أينَ نحنُ من أولئك الّذين أفنَوا حياتَهم في خِدمةِ هذه اللُّغة الشَّريفة؛ لغةِ القرآن الكريم.
هذا بحثُ الماجستير تمّ عام 2009 م، واليومَ أدفعُه إلى الطَّبعِ، بعد اختصار قسم الدّراسة. ولستُ أدَّعي أنّني أَوْفَيْتُ على الغاية، وليسَ لِمِثْلي أنْ يبلُغَها، ولكنّها محاولةُ مَن يتلمَّسُ طريقَ الاجتهاد، فإنْ أصبتُ فبفضلٍ من الله تعالى، وإنْ عَثَرْتُ فحسبي أنّي أخلصْتُ النِّيّة. راجياً منه جل جلاله أنْ أكونَ مِمَّنْ تُرتضى أخلاقُه في بابِ البحثِ والاجتهاد.
تَحِنُّ إلى أجْبالِ مَكَّةَ ناقتي
…
ومِن دونِها أبوابُ صَنعاءَ مُؤْصَدهْ
والحمدُ لله ربِّ العالَمين.
الدُّكتور سُليمان حُسَين العُمَيرات
أستاذ البلاغة العربيّة بجامعة دمشق
مُحاضِر الدّراسات العليا بجامعة إزمير كاتب شلبي حاليّاً
1/ رمضان/1437 هـ- الموافق 6/ 6/ 2016 م
المحتوى
القسم الأوّل: الدّراسة
• الفصل الأول: أرجوزة ابن الشِّحْنة (ت 815 هـ)
المبحث الأوّل: النَّاظِم حياته العلميّة، وآثاره.
المبحث الثّاني: أرجوزة ابن الشِّحْنَة في البلاغة؛ عَرْضٌ، ونقد.
• الفصل الثّاني: الشّارح العمريّ (ت 1024 هـ)، ومنهجه.
المبحث الأوّل: الشَّارح العمريّ، وكتابه الدُّرَر.
المبحث الثّاني: منهج العمريّ في شرح مئة المعاني والبيان.
المبحث الثّالث: مصادر العمريّ في شرح مئة المعاني والبيان.
المبحث الرّابع: منزلة شرح العمريّ.
• ملحق (تحقيق منظومة مئة المعاني والبيان لابن الشِّحنة الكبير).
القسم الثّاني: التحقيق
الفهارس العامة.
قسم الدِّراسة