الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ (1): هُوَ: (أَنْ يَجْتَمِعَ فِي الْكَلَامِ مُتَقَابِلَانِ، فَيُحْذَفَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مُقَابِلُهُ؛ لِدَلَالَةِ الْآخَرِ عَلَيْهِ) اِنْتَهَى (2).
قَالَ: وَالْمُتَحَقِّقُ هَهُنَا مَا عَرَّفَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَعَلِيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ / وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17]، وَأَظْهَرُ آيَةٍ فِي الِاحْتِبَاكِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
- فَحُذِفَ مِنَ الْأَوَّلِ: (مُؤْمِنَةٌ)؛ لِدَلَالَةِ (كَافِرَةٌ) عَلَيْهِ.
- وَحُذِفَ مِنَ الثَّانِيَةِ: (فَلَا تُقَاتِلُ)؛ لِدَلَالةِ (تُقَاتِلُ) - فِي الْأَوَّلِ - عَلَيْهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ (3).
الْخَاتِمَةُ
فِي: السَّرِقَاتُ الشِّعْرِيَّةُ
قَالَ النَّاظِمُ:
96 - السَّرِقَاتُ: ظَاهِرٌ فَالنَّسْخُ
…
يُذَمُّ، لَا إِنِ اسْتُطِيْبَ الْمَسْخُ
(1) ت 794 هـ. انظر: الأعلام 6/ 60.
(2)
انظر: البرهان في علوم القرآن 3/ 129.
(3)
البيانُ للاحتباك السَّابق هكذا: فئة (مؤمنة) وفئة (كافرة)، فئة (تقاتلُ في سبيل الله) وفئة (تقاتل في سبيل الطّاغوت)، ولا سيَّما أنَّ المفسِّرين يذكرون أنَّ الآية نزلت في بدر التي حصل فيها القتال من الطَّرفين، لا من أحدهما فقط.
السَّرِقَاتُ الشِّعْرِيَّةُ: هَذِهِ خَاتِمَةٌ لِلْفَنِّ الثَّالِثِ، وَهِيَ:
أ-السَّرِقَاتُ الشِّعْرِيَّةُ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنَ الِاقْتِبَاسِ، وَالتَّضْمِيْنِ، وَالْعَقْدِ، وَالْحَلِّ، وَالتَّلْمِيْحِ.
ب- وَالْقَوْلُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَالتَّخَلُّصِ، وَالِانْتِهَاءِ.
قَالَ الْقَزْوِيْنِيُّ (1): «اِتِّفَاقُ الْقَائِلَيْنِ إِنْ كَانَ فِي الْغَرَضِ عَلَى الْعُمُوْمِ - كَالْوَصْفِ بِالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ - فَلَا يُعَدُّ سَرِقَةً؛ لِتَقَرُّرِهِ فِي الْعُقُوْلِ وَالْعَادَاتِ.
وَإِنْ كَانَ فِي وَجْهِ الدَّلَالَةِ - كَالتَّشْبِيْهِ، وَالْمَجَازِ، وَالْكِنَايَةِ، وَكَذِكْرِ هَيْئَاتٍ تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ؛ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَنْ هِيَ لَهُ؛ كَوَصْفِ الْجَوَادِ بِالتَّهَلُّلِ عِنْدَ وُرُوْدِ الْعُفَاةِ (2)، وَالْبَخِيْلِ بِالْعُبُوْسِ عِنْدَ ذَلِكَ مَعَ سَعَةِ ذَاتِ الْيَدِ - فَإِنِ اشْتَرَكَ النَّاسُ فِي مَعْرِفَتِهِ؛ لِاسْتِقْرَارِهِ فِي الْعُقُوْلِ وَالْعَادَاتِ؛ كَتَشْبِيْهِ الشُّجَاعِ بِالْأَسَدِ، وَالْجَوَادِ بِالْبَحْرِ، فَهُوَ كَالْأَوَّلِ، أَيْ: فالاتِّفاقُ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ وَجْهِ الدَّلَالَةِ، كَالِاتِّفَاقِ فِي الْغَرَضِ الَعَامِّ؛ فِي أَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَرِقَةً وَلَا أَخْذاً.
وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكِ النَّاسُ فِي مَعْرِفَتِهِ؛ جَازَ أَنْ يُدَّعَى فِيْهِ السَّبْقُ وَالزِّيَادَةُ، وَهُوَ (3) ضَرْبَانِ:
أ-خَاصِّيٌّ فِي نَفْسِهِ غَرِيْبٌ، لَا يُنَالُ إِلَّا بِفِكْرٍ.
ب- وَالآخَرُ عَامِّيٌّ؛ تُصُرِّفَ فِيْهِ، بِمَا أَخْرَجَهُ مِنَ الِابْتِذَالِ إِلَى الْغَرَابَةِ، كَمَا مَرَّ (4)» اِنْتَهَى.
(1) انظر: الإيضاح 6/ 119.
(2)
العُفاة: السَّائلين.
(3)
أي: النَّوع الذي لم يشترك النّاسُ في معرفتِه.
(4)
أي: كما مرّ في باب التّشبيه والاستعارة من تقسيمِهما إلى الغريب الخاصّيّ والمبتذَل العامّيّ. انظر: المطوّل ص 709.
السَّرِقَاتُ: جَمْعُ سَرِقَةٍ - وَهِيَ الْأَخْذُ - نَوْعَانِ:
ظَاهِرٌ: وَغَيْرُ ظَاهِرٍ.
أَمَّا الظَّاهِرُ: فَهُوَ أَنْ يُؤْخَذَ الْمَعْنَى كُلُّهُ مَعَ اللَّفْظِ كُلِّهِ، أَوْ يُؤْخَذَ بَعْضُ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنَ اللَّفْظِ. (1)
فَإِنْ أُخِذَ اللَّفْظُ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيْرٍ لِنَظْمِهِ أَيْ: لِكَيْفِيَّةِ التَّرْتِيْبِ وَالتَّأْلِيْفِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُفْرَدَاتِ
فَهُوَ النَّسْخُ يُذَمُّ: أَيْ: هُوَ مَذْمُوْمٌ؛ لِأَنَّهُ سَرِقَةٌ مَحْضَةٌ؛ كَمَا حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ (2) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِ مَعْنِ بْنِ أَوْسٍ (3): [الطّويل]
إِذَا أَنْتَ لَمْ تُنْصِفْ أَخَاكَ وَجَدْتَهُ
…
عَلَى طَرَفِ الْهِجْرَانِ، إِنْ كَانَ يَعْقِلُ
وَيَرْكَبُ حَدَّ السَّيْفِ مِنْ أَنْ تَضِيْمَهُ
…
إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَفْرَةِ السّيْفِ مَزْحَلُ (4)
أَيْ: مَبْعَدُ.
فَقَدْ حُكِيَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَنْشَدَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: لَقَدْ شَعَرْتَ بَعْدِيْ يَا أَبَا بَكْرٍ! ، وَلَمْ يُفَارِقْ عَبْدُ اللهِ الْمَجْلِسَ حَتَّى دَخَلَ مَعْنُ بْنُ أَوْسٍ الْمُزَنِيُّ، فَأَنْشَدَ قَصِيْدَتَهُ الَّتِيْ أَوَّلُهَا:
(1) قال في التَّلخيص ص 116: «أمَّا الظَّاهرُ فهو أنْ يُؤخَذَ المعنى كلُّه، إمّا مع اللَّفظِ كُلِّه، أو بعضِه، أو وحدَه
…
».
(2)
ت 73 هـ. انظر: الأعلام 4/ 87.
(3)
ت 64 هـ. انظر: الأعلام 7/ 273.
(4)
له في ديوانه ص 93 - 94، والكامل 2/ 749 - 750، والوساطة ص 192 - 193، والإيضاح 6/ 122، وإيجاز الطّراز ص 490، ومعاهد التّنصيص 4/ 4.
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِيْ - وَإِنِّيْ لَأَوْجَلُ - عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو الْمَنِيَّةُ أَوَّلُ؟
حَتَّى أَتَمَّهَا- وَفِيْهَا هَذَانِ الْبَيْتَانِ - فَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَ: أَلَمْ تُخْبِرْنِيْ أَنَّهُمَا لَكَ؟ فَقَالَ: (اللَّفْظُ لَهُ، وَالْمَعْنَى لِيْ)(1)، وَبَعْدُ فَهُوَ أَخِيْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَنَا أَحَقُّ بِشِعْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ أُخِذَ اللَّفْظُ كُلُّهُ مَعَ تَغْيِيْرٍ لِنَظْمِهِ، أَوْ أُخِذَ بَعْضُ اللَّفْظِ لَا كُلُّهُ، يُسَمَّى هَذَا الْأَخْذُ إِغَارَةً وَمَسْخاً. وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُوْنَ الثَّانِي أَبْلَغَ مِنَ الْأَوَّلِ، أَوْ دُوْنَهُ، أَوْ مِثْلَهُ.
1 -
فَإِنْ كَانَ الثَّاني أَبْلَغَ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِاخْتِصَاصِهِ بِفَضِيْلَةٍ لَا تُوْجَدُ فِي الْأَوَّلِ؛ كَحُسْنِ السَّبْكِ، أَوِ الِاخْتِصَارِ، أَوِ الْإِيْضَاحِ، أَوْ زِيَادَةِ مَعْنًى، فَمَمْدُوْحٌ. أَيْ: فَالثَّاني مَقْبُوْلٌ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
لَا إِنِ اسْتُطِيْبَ (2) الْمَسْخُ: فَلَا يُذَمُّ؛ كَقَوْلِ بَشَّارٍ: [البسيط]
مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحَاجَتِهِ
…
وَفَازَ بِالطَّيِّبَاتِ الْفَاتِكُ اللَّهِجُ (3)
وَقَوْلِ سَلْمٍ (4) بَعْدَهُ: [مخلَّع البسيط]
(1) وفي الكامل 2/ 750 قال: «أنا أصلحتُ المعاني، وهو ألَّفَ الشِّعرَ، .... »
(2)
ب، د: استُطيع.
(3)
له في ديوانه 2/ 75، والصّناعتين ص 214، والبديع في نقد الشّعر ص 265، والجامع الكبير ص 244، والمثل السّائر 3/ 258، والإيضاح 6/ 125، وإيجاز الطّراز ص 490، ونصرة الثّائر ص 380، وخزانة الحمويّ 4/ 228، ومعاهد التّنصيص 4/ 26، وأنوار الرّبيع 2/ 95 - 6/ 6.
اللَّهِج: الوَلوع بحاجته، لا يَكَلُّ مِن طَلَبِها.
(4)
الخاسر، ت 186 هـ. انظر: الأعلام 3/ 110.
مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ مَاتَ غَمّاً
…
وَفَازَ بِاللَّذَّةِ الْجَسُوْرُ (1)
فَبَيْتُ سَلْمٍ: «أَجْوَدُ سَبْكاً، وَأَخْصَرُ لَفْظاً» .
2 -
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي دُوْنَ الْأَوَّلِ فِي الْبَلَاغَةِ؛ لِفَوَاتِ فَضِيْلَةٍ تُوْجَدُ فِي الْأَوَّلِ، فَالثَّانِي مَذْمُوْمٌ؛ كَقَوْلِ أَبِيْ تَمَّامٍ:[الكامل]
هَيْهَاتَ؛ لَا يَأْتِي الزَّمَانُ بِمِثْلِهِ
…
إِنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَبَخِيْلُ (2)
وَقَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ: [الكامل]
أَعْدَى الزَّمَانَ سَخَاؤُهُ؛ فَسَخَا بِهِ
…
وَلَقَدْ يَكُوْنُ بِهِ الزَّمَانُ بَخِيْلَا (3)
فَقَوْلُهُ: (وَلَقَدْ يَكُوْنُ
…
إِلَخ) مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ أَبِيْ تَمَّامٍ: «إِنَّ الزَّمَانَ
(1) له في «شعراء عبّاسيّون» غوستاف: (شعر سلم الخاسر ص 104)، وأغلب المصادر السّابقة، والأغاني (الشّعب) في ترجمته 22/ 7564. وفيه خبر لطيف، تأمَّلِ الحُكمَ النّقديّ لبشّار فيه، وصفوته: أنّ بشاراً غضب على سلم الخاسر - وكان من تلامذته ورواته- لمّا بلغه البيتُ، وحلف ألّا يُدخَل عليه وأنّه لن يفيده أو ينفعه مادام حيّاً، فاستشفع إليه بكلِّ صديق له وكلّ مَن يثقل عليه ردُّه فكلَّموه فيه، فقال: أدخلوه إليّ فأدخلوه إليه، فاستدناه، ثمّ قال: إيهِ يا سلمُ! مَن الّذي يقول:
مَنْ راقَبَ الناسَ لم يَظفَرْ بحاجته
…
وفازَ بالطّيباتِ الفاتِكُ اللَّهجُ
قال: أنت يا أبا معاذ، جعلني الله فداءك. قال: فمن الّذي يقول:
مَنْ راقَبَ الناسَ مات غَمّاً
…
وفاز باللَّذَّةِ الجَسُورُ؟
قال: تلميذك وخرّيجك وعبدك يا أبا معاذ، وبقي يتوسّل إليه، وبشَّار يضربه، ويقول: يا فاسق (أتجيء إلى معنى قد سهرتْ له عيني وتعب فيه فكري وسبقتُ النّاسَ إليه، فتسرقه ثم تختصره لفظاً تقرّبه به لتزري عليّ وتذهب ببيتي؛ وتكسوه ألفاظاً أخفّ من ألفاظي حتى يُروى ما تقول ويَذهب شعري؟ ! لا أرضى عنك أبدا). وما زال يتضرّع إليه ويشفع له القوم حتّى رضي عنه.
(2)
له في ديوانه 4/ 102، والوساطة ص 223، والإيضاح 6/ 125، وإيجاز الطّراز ص 491، ومعاهد التّنصيص 4/ 46.
(3)
له في ديوانه 3/ 236، وتفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطّيّب المتنبّي ص 213، والمصادر السّابقة.