الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْفَنُّ الثَّانِي: عِلْمُ الْبَيَانِ
75 - عِلْمُ الْبَيَانِ مَا بِهِ يُعَرَّفُ
…
إِيْرَادُ مَا طُرُقُهُ تَخْتَلِفُ
76 - فِيْ كَوْنِهَا وَاضِحَةَ الدَّلَالَهْ
…
فَمَا بِهِ لَازِمُ مَوْضُوْعٍ لَهْ
عِلْمُ الْبَيَانِ: قَدَّمَهُ عَلَى الْبَدِيْعِ لِلِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ فِي نَفْسِ الْبَلَاغَةِ، وَتَعَلُّقِ الْبَدِيْعِ بِالتَّوَابِعِ (1).
مَا: أَيْ عِلْمٌ، أَيْ: مَلَكَةٌ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى إِدْرَاكَاتٍ جُزْئِيَّةٍ وَ (2) أُصُوْلٍ وَقَوَاعِدَ مَعْلُوْمَةٍ.
بِهِ يُعَرَّفُ: بِالتَّشْدِيْدِ لِلنَّظْمِ. وَفِي تَقْدِيْمِ الْجَارِّ إِيْمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ (3) - غَالِباً - إِلَّا بِعِلْمِ الْبَيَانِ، وَقَوْلِي:«غَالِباً» مُخْرَجٌ بِهِ الْعَرَبُ الْعَرْبَاءُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَرْكُوْزٌ فِي طَبَائِعِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَلَّمُوا الْبَيَانَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ تَقْدِيْمُ الْجَارِّ لِمُجَرَّدِ الضَّرُوْرَةِ.
(1) هذا رأي مَن يَعدوُّن البديعَ ليس من أصل علم البلاغة، وإنما ذيلٌ وتابعٌ لعلمَي المعاني والبيان.
(2)
د، أو. وهذا موافقٌ للمطوّل ص 506، وفيه: «
…
، أو نفس الأُصول والقواعد المعلومة».
(3)
أي: إيرادُ المعنى الواحد بطرُق مختلفة.
إِيْرَادُ مَا: أَيْ: مَعْنًى وَاحِدٍ. وَهُوَ (1) مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الَّذِيْ رُوْعِيَ فِيْهِ الْمُطَابَقَةُ لِمُقْتَضَى الْحَالِ. وَتَقْيِيْدُ الْمَعْنَى بِـ (الْوَاحِدِ)؛ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُوْرِدَ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبَيَانِ فِيْ شَيْءٍ.
طُرُقُهُ: أَيْ تَرَاكِيْبُهُ
تَخْتَلِفُ: وَاخْتِلَافُهَا
فِيْ كَوْنِهَا وَاضِحَةَ الدَّلَالَهْ: عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْ أَوْضَحَ؛ فَالْوَاضِحُ خَفِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوْضَحِ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ الْخَفَاءِ.
وَتَقْيِيْدُ الِاخْتِلَافِ بِأَنْ يَكُوْنَ وَاضِحَ الدَّلَالَةِ (2)؛ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ لَوْ أُوْرِدَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ فِيْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي اللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ - دُوْنَ الْوُضُوْحِ وَالْخَفَاءِ، كَأَنْ يُوْرِدَهُ بِأَلْفَاظٍ مُتَرَادِفَةٍ - لَا يَكُوْنُ مِنْ عِلْمِ الْبَيَانِ (3).
وَدَلَالَةُ اللَّفْظِ:
1 -
إِمَّا عَلَى تَمَامِ مَا وُضِعَ لَهُ: كَدَلَالَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ.
2 -
أَوْ عَلَى جُزْئِهِ: كَدَلَالَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْحَيَوَانِ.
3 -
أَوْ عَلَى خَارِجٍ عَنْهُ: كَدَلَالَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى الضَّاحِكِ.
وَتُسَمَّى:
1 -
الْأُوْلَى: أَيِ الدَّلَالَةُ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ = وَضْعِيَّةً؛ لِأَنَّ الْوَاضِعَ
(1) أي: وهذا المعنى الواحد المقصود هنا، هو ما يدلُّ عليه الكلام
…
(2)
يُشير إلى تعريف علم البيان: (علمٌ يعرف به إيرادُ المعنى الواحد بطرق مختلفة في وُضوح الدّلالة عليه)، فقد قُيِّد الاختلاف بين هذه الطُّرُق بأنّه من جهة وضوح الدّلالة على هذا المعنى.
(3)
كأنْ يُعبِّرَ المتكلِّمُ عن معنى الأسد؛ بقولِه: الأسد، الغضنفر، اللّيث، الحارث
…
إلخ.
إِنَّمَا وَضَعَ اللَّفْظَ لِتَمَامِ الْمَعْنَى (1).
2 -
وَيُسَمَّى كُلٌّ مِنَ الْأَخِيْرَتَيْنِ - أَيِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْجُزْءِ أَوِ الْخَارِجِ - عَقْلِيَّةً؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى الْجُزْءِ وَالْخَارِجِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ جِهَةِ حُكْمِ الْعَقْلِ بِأَنَّ حُصُوْلَ الْكُلِّ أَوِ الْمَلْزُوْمِ يَسْتَلْزِمُ حُصُوْلَ الْجُزْءِ أَوِ اللَّازِمِ (2).
وَالْمَنْطِقِيُّوْنَ يُسَمُّوْنَ الثَّلَاثَةَ وَضْعِيَّةً؛ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِلْوَضْعِ مَدْخَلاً فِيْهَا، وَيَخُصُّوْنَ الْعَقْلِيَّةَ بِمَا يُقَابِلُ الْوَضْعِيَّةَ وَالطَّبِيْعِيَّةَ؛ كَدَلَالَةِ الدُّخَانِ عَلَى النَّارِ.
وَتُخَصُّ:
1 -
الْأُوْلَى: بِالْمُطَابَقَةِ؛ لِتَطَابُقِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
2 -
وَالثَّانِيَةُ: بِالتَّضَمُّنِ؛ لِكَوْنِ الْجُزْءِ فِيْ ضِمْنِ الْمَعْنَى الْمَوْضُوْعِ لَهُ.
3 -
وَالثَّالِثَةُ: بِالِالْتِزَامِ؛ لِكَوْنِ الْخَارِجِ لَازِماً لِلْمَوْضُوْعِ لَهُ.
- وَالْإِيْرَادُ الْمَذْكُوْرُ (3) لَا يَتَأَتَّى بِالْوَضْعِيَّةِ - أَيْ: بِالدَّلَالَةِ الْمُطَابِقِيَّةِ - لِأَنَّ السَّامِعَ إِنْ كَانَ عَالِماً بِوَضْعِ الْأَلْفَاظِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى؛ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهَا أَوْضَحَ دَلَالَةً عَلَيْهِ مِنْ بَعْضٍ. وَإِلَّا (4)؛ لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ دَالّاً عَلَيْهِ؛ لِتَوَقُّفِ الْفَهْمِ عَلَى الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ.
- وَيَتَأَتَّى الْإِيْرَادُ الْمَذْكُوْرُ بِالْعَقْلِيَّةِ مِنَ الدَّلَالَاتِ؛ لِجَوَازِ أنْ تَخْتَلِفَ مَرَاتِبُ لُزُوْمِ الْأَجْزَاءِ لِلْكُلِّ فِي التَّضَمُّنِ (5)، وَمَرَاتِبُ لُزُوْمِ اللَّوَازِمِ لِلْمَلْزُوْمِ
(1) يعني للدّلالة على تمام المعنى الموضوع له هذا اللّفظ.
(2)
أي: حصول الكلّ في الذّهن يستلزم حصول الجزء فيه، وحصول الملزوم يستدعي حصول اللّازم.
(3)
أي: إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح.
(4)
أي: وإنْ لم يكُن عالماً بوضع الألفاظ لذلك المعنى.
(5)
وبيانُه أنّه: يجوزُ أنْ يكونَ المعنى جزءاً من شيء، وجزءُ الجزءِ من شيءٍ آخرَ، فدلالةُ الشّيءِ الذي ذلك المعنى جزءٌ منه على ذلك المعنى أوضحُ من دلالةِ الشّيء الذي ذلك المعنى جزءٌ من جزئه؛ مثلاً دلالةُ الحيوان على الجسم أوضحُ من دلالة الإنسان عليه، ودلالة الجدار على التُّراب أوضحُ من دلالة البيت عليه. انظر: المطوّل ص 513.