الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
8 -
وَلِلدُّعَاءِ: أَيْ الطَّلَبِ عَلَى سَبِيْلِ التَّضَرُّعِ؛ نَحْوُ: {رَبِّ اغْفِرْ لِي} [الأعراف: 151].
9 -
وَلِلالتِمَاسِ: كَقَوْلِكَ لِمَنْ يُسَاوِيْكَ رُتْبَةً: (اِفْعَلْ) بِدُوْنِ الِاسْتِعْلَاءِ وَالتَّضَرُّعِ.
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (1): «فَإِنْ قُلْتَ: أَيُّ حَاجَةٍ إِلَى قَوْلِهِ: (بِدُوْنِ الِاسْتِعْلَاءِ) مَعَ قَوْلِهِ: (لِمَنْ يُسَاوِيْكَ)؟
قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ [لَا يَسْتَلْزِمُ](2) الْعُلُوَّ، فَيَجُوْزُ أَنْ يَتَحَقَّقَ مِنَ الْمُسَاوِيْ، بَلْ مِنَ الْأَدْنَى أَيْضاً» اِنْتَهَى (3).
* * *
65 - وَالنَّهْيُ وَهْوَ مِثْلُهُ بِلَا بَدَا
…
وَالشَّرطُ بَعْدَهَا يَجُوْزُ، وَالنِّدَا
وَ: مِنْ أَنْوَاعِ الطَّلَبِ
(1) في المختصر ص 108.
(2)
د: يستلزم، تحريف مُضِلّ.
(3)
ويخرجُ الأمرُ إلى معانٍ أُخرى كثيرة؛ منها الامتنان في سياق إظهار الفضل (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ)[سبأ: 15]، والإكرام في سياق بيان الأهليّة والاستحقاق (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ) [الحجر: 46]، والدَّوام في سياق طلَبِ شيءٍ حاصلٍ أصلاً عندَ الطَّلب (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) [هود: 112]، والإذن في سياق بيان جواز الأمر والإذن به كقولِك لطارق الباب:(ادخل)، والنُّصح والإرشاد في سياق التَّعليم وبيان ما ينبغي فعلُه (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) [البقرة: 282]، والاعتبار في سياق أخذ العِظة (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأنعام: 99]، والتعجُّب في سياق الاستغراب (اسمعوا ما يقول فلانٌ! )، والتَّلهيف أو التَّحسير في سياق النِّكاية والتَّشفّي من الخصم (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) [آل عمران: 119]. انظر: المفصّل في علوم البلاغة ص 256.
النَّهْيُ وَهْوَ مِثْلُهُ: أَيْ مِثْلُ الْأَمْرِ فِي الِاسْتِعْلَاءِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ، فَهُوَ:(طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الْفِعْلِ اسْتِعْلَاءً)(1). وَقَوْلُهُ:
بِلَا بَدَا: أَيْ ظَهَرَ. أَيْ: إِنَّ لَهُ حَرْفاً وَاحِداً، وَهُوَ (لَا) الْجَازِمَةُ؛ نَحْوُ:(لَا تَفْعَلْ).
وَفِيْ عُرْفِ النُّحَاةِ تُسَمَّى نَفْسُ هَذِهِ الصِّيْغَةِ نَهْياً - فِيْ أَيْ مَعْنًى استُعْمِلَ - كَمَا يُسَمَّى (اِفْعَلْ) أَمْراً (2).
وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيْ غَيْرِ طَلَبِ الْكَفِّ:
1 -
كَالتَّهْدِيْدِ: كَقَوْلِكَ لِعَبْدٍ لَا يَمْتَثِلُ أَمْرَكَ: (لَا تَمْتَثِلْ أَمْرِيْ! ) فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ طَلَبَ كَفِّهِ عَنِ الِامْتِثَالِ.
2 -
وَكَالدُّعَاءِ: نَحْوُ: (اللَّهُمَّ لَا تُشَمِّتْ بِيْ أَعْدَائِيْ) فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِيْ أَنَّهُ تَضَرُّعٌ.
3 -
وَالِالْتِمَاسِ: كَقَوْلِكَ عَلَى سَبِيْلِ التَّلَطُّفِ لِمَن يُسَاوِيْكَ: (لَا تَفْعَلْ كَذَا أَيُّهَا الْأَخُ).
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (3): «وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِطَلَبِ الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُخَاطَبُ مِنَ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ؛ نَحْوُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}
(1) إلَّا أنَّ دلالةَ النَّهي تزيدُ على الأمرِ في أنَّها تستدعي مِن المخاطَب: الفورَ والاستمرار، أي: الكفّ عن الفعل فوراً والاستمراريّة والدّوام على هذا الكفّ، إلّا بقرينة.
(2)
انظر: مغني اللَّبيب 1/ 313 - 324.
(3)
في المطوّل ص 428.
[إبراهيم: 42] أَيْ: دُمْ وَاثْبُتْ عَلَى ذَلِكَ» اِنْتَهَى (1).
وَالشَّرْطُ بَعْدَهَا: أَيْ بَعْدَ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ؛ أَيِ: التَّمَنِّيْ، وَالِاسْتِفْهَامِ، وَالْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ
يَجُوْزُ: تَقْدِيْرُهُ، وَإِيْرَادُ الْجَزَاءِ عَقِيْبَهَا مَجْزُوْماً بِـ (إِنْ) مُضْمَرَةً مَعَ الشَّرْطِ (2)؛ فَتَقُوْلُ
- فِي التَّمَنِّيْ: (لَيْتَ لِيْ مَالاً أُنفِقْهُ) أَيْ: إِنْ أُرْزَقْهُ أُنْفِقْهُ.
- وَفِي الِاسْتِفْهَامِ: (أَيْنَ بَيْتُكَ أَزُرْكَ؟ ) أَيْ: إِنْ تُعَرِّفْنِيْهِ أَزُرْكَ.
- وَفِي الْأَمْرِ: (أَكْرِمْنِيْ أُكْرِمْكَ) أَيْ: إِنْ تُكْرِمْنِيْ أُكْرِمْكَ.
- وَفِي النَّهْيِ: (لَا تَشْتُمْنِيْ يَكُنْ خَيْراً لَكَ) أَيْ: إِنْ لَا تَشْتُمْنِيْ يَكُنْ خَيْراً لَكَ.
وَ: مِنْ أَنْوَاعِ الطَّلَبِ
النِّدَا: وَهُوَ طَلَبُ الْإِقْبَالِ بِحَرْفٍ نَائِبٍ مَنَابَ (أَدْعُوْ)؛ لَفْظاً أَوْ تَقْدِيْراً (3):
(1) وتُستعمَلُ صيغةُ النَّهي لمعانٍ مجازيّةٍ أُخرى؛ مثل: الإرشاد (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)[المائدة: 101]، والتَّيئيس (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التّوبة: 66]، والتَّمنّي (يا شمسُ لا تغيبي)، والتَّحقير (لا تطلبِ المجدَ وانشغلْ بطعامك وشرابك)، والتَّوبيخ (لا تنهَ أصحابك عن الكذب وتكذبَ)، والائتناس في سياق بثّ الطّمأنينة (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التّوبة: 40]، وبيان العاقبة في سياق الدّعوة إلى التَّبصُّر وإدراك حقائق الأمور (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران: 169]، وغير ذلك ممّا يَحكُمُ عليه الذَّوقُ والمقامُ والقرائن.
(2)
انظر: المفصّل في صنعة الإعراب ص 333.
(3)
أي قد يكونُ حرفُ النِّداء ملفوظاً في الجملة؛ نحو: (يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)[آل عمران: 55]، أو مُقدَّراً (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) [يوسف: 29]. وحروفُ النِّداء عندَ العرب ثمانية: (أَ - أَيْ، للقريب)، و (يا - آ - آي - أيا - هَيَا - وا، للبعيد).
- فَـ (أَيَا) وَ (هَيَا) لِلْبَعِيْدِ، أَوْ مَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ (1).
- وَ (أَيْ) وَ (الْهَمْزَةُ) لِلْقَرِيْبِ (2).
وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْبَعِيْدِ؛ تَنْبِيْهاً عَلَى أَنَّهُ حَاضِرٌ فِي الْقَلْبِ لَا يَغِيْبُ عَنْهُ أَصْلاً؛ كَقَوْلِهِ: [الطّويل]
أَسُكَّانَ نَعْمَانِ الْأَرَاكِ تَيَقَّنُوْا
…
بِأَنَّكُمُ فِيْ رَبْعِ قَلْبِيَ سُكَّانُ (3)
- وَأَمَّا (يَا) فَقِيْلَ: حَقِيْقَةٌ فِي الْقَرِيْبِ وَالْبَعِيْدِ؛ لِأَنَّها لِطَلَبِ الْإِقْبَالِ مُطْلَقاً. وَقِيْلَ بَلْ لِلْبَعِيْدِ. (4)
وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْقَرِيْبِ (5):
- إِمَّا لِاسْتِحْقَارِ الدَّاعِيْ نَفْسَهُ وَاسْتِبْعَادِهِ عَنْ مَرْتَبَةِ الْمَدْعُوِّ؛ نَحْوُ: (يَا أَللهُ! ).
- وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَذْكُوْرٌ فِي الْمُطَوَّلِ (6)،
فَرَاجِعْهُ.
* * *
(1) قد يُنزَّلُ غيرُ البعيد منزلةَ البعيد؛ لأغراضٍ بلاغيّةٍ يُحدِّدُها السِّياقُ وقرائنُ الأحوال؛ منها:
الإشارة إلى عُلُوِّ منزلة المنادى: فيُنزّلُ بُعدُ المنزلة منزلةَ بُعد المكان؛ نحو قولك: (أيا مولاي) وأنت معه.
الإشارة إلى انحطاط منزلة المخاطَب: فيُنزّلُ انحطاطُ المنزلة منزلةَ البُعد عن ساحة الحضور؛ نحو قولك لمن يجلس معك: (يا جاهلُ، ابحثْ عمّا يُفيدُك).
الإشارة إلى غفلةِ السَّامع وشرودِه كأنَّه غيرُ حاضرٍ في مجلسِ الخِطاب؛ نحو قولك للسَّاهي: (أيا فلان).
استبعاد الدّاعي نفسَه عن مرتبة المدعوّ: نحو (يا الله).
التَّنبيه على عِظَم الأمر وعُلوِّ شأنِه: فكأنّ المخاطَب - وإنْ بذلَ وُسعَه - هو غافلٌ عنه؛ نحو: (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)[المائدة: 67]. انظر: المطوّل ص 430، والمفصَّل في علوم البلاغة ص 286.
(2)
انظر: سيبويه 2/ 229 - 230، والأصول في النّحو 1/ 329، وأوضح المسالك 4/ 4 وما بعدها.
(3)
لابن حيّوس في ديوانه 2/ 645. ولأبي بكر محمّد بن الصّائغ الأندلسيّ في أنوار الرّبيع 4/ 119.
(4)
انظر: الجنى الدَّاني ص 354 - 355، ومغني اللّبيب 1/ 488.
(5)
أي استعمال (يا) - حالةَ كونِها لنداء البعيد - في نداء القريب.
(6)
قد يُنزَّلُ غيرُ البعيد منزلةَ البعيد؛ لأغراضٍ بلاغيّةٍ يُحدِّدُها السِّياقُ وقرائنُ الأحوال؛ منها:
التّنبيه على عِظَم الأمر وعلوّ شأنه: وأنّ المخاطب - مع تهالكِه على الامتثال - كأنّه غافلٌ عنه بعيد؛ نحو: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [المائدة: 67].
التَّنبيه على بلادته: وأنّه بعيدٌ من التَّنبيه؛ نحو: (اسمعْ أيُّها الغافلُ! ).
لانحطاط شأنه: تبعيداً له عن المجلس؛ نحو: (يا هذا).
الإشارة إلى عُلُوِّ منزلة المنادى: فيُنزّلُ بُعدُ المنزلة منزلةَ بُعد المكان؛ نحو قولك: (أيا مولاي) وأنت معه.
للحرص على إقباله: كأنّه أمرٌ بعيد؛ نحو: {يَامُوسَى أَقْبِلْ} [القصص: 31].
الإشارة إلى غفلةِ السَّامع وشرودِه: كأنَّه غيرُ حاضرٍ في مجلسِ الخِطاب؛ نحو قولك للسَّاهي: (أيا فلان).
انظر: المطوّل ص 430، والمفصَّل في علوم البلاغة ص 286.