الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَسَقَى الْغَضَا وَالسَّاكِنِيْهِ، وَإِنْ هُمُ
…
شَبُّوْهُ بَيْنَ جَوَانِحِيْ وَضُلُوْعِيْ (1)
أَرَادَ بِأَحَدِ ضَمِيْرَي الْغَضَا - أَعْنِي الْمَجْرُوْرَ فِي السَّاكِنِيْهِ - الْمَكَانَ الَّذِيْ فِيْهِ شَجَرَةُ الْغَضَا. وَبِالْآخَرِ - أَعْنِي الْمَنْصُوْبَ فِيْ شَبُّوْهُ - النَّارَ الْحَاصِلَةَ مِنْ شَجَرَةِ الْغَضَا.
* * *
95 - وَالسَّوْقِ، وَالتَّوْجِيْهِ، وَالتَّوْفيْقِ،
…
وَالْبَحْثِ، وَالتَّعْلِيْلِ، وَالتَّعْلِيْق
وَالسَّوْقِ: سَمَّاهُ بِهِ السَّكَّاكِيُّ (2). أَيْ: سَوْقِ الْمَعْلُوْمِ مَسَاقَ غَيْرِهِ؛ لِنُكْتَةٍ.
وَسَمَّاهُ الْقَزْوِيْنِيُّ: تَجَاهُلَ الْعَارِفِ (3). وَقَالَ السَّكَّاكِيُّ: «لَا أُحِبُّ تَسْمِيَتَهُ بِالتَّجَاهُلِ؛ لِوُرُوْدِهِ فِيْ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى» ؛ كَـ:
1 -
التَّوْبِيْخِ فِيْ قَوْلِ الْخَارِجِيَّةِ: [الطّويل]
أَيَا شَجَرَ الْخَابُوْرِ، مَا لَكَ مُوْرِقاً؟
…
كَأَنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلَى ابْنِ طَرِيْفِ! (4)
(1) للبحتريّ في ديوانه 1/ 246، والبديع في نقد الشّعر ص 127، وتحرير التّحبير ص 275، والإيضاح 6/ 40، وشرح الكافية البديعيّة ص 297، وخزانة الحمويّ 2/ 8، ومعاهد التّنصيص 2/ 269، والقول البديع ص 209، ونفحات الأزهار ص 80، وأنوار الرّبيع 1/ 307 - 309. علماً أنَّ البيت في ديوانه من بائية مكسورة (بين جوانحٍ وقلوبِ)، على أنّ القزوينيّ - في التّلخيص - أوّلُ من أنشده بروايتنا، فتبعَه جلُّ المشتغلين بهذا الفنّ.
(2)
في مفتاح العلوم ص 537.
(3)
في التّلخيص ص 107.
(4)
هي لَيلى بنت طريف التّغْلِبيّة ترثي أخاها الوليد في الحماسة البصريّة 2/ 673، وخزانة الحمويّ 2/ 308، ومعاهد التّنصيص 3/ 159، ونفحات الأزهار ص 46. وللخارجيّة في الكشّاف 5/ 471، ومفتاح العلوم ص 287 - 538، وأنوار الرّبيع 5/ 133، وبلا نسبة في إيجاز الطّراز ص 469.
2 -
وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ؛ كَقَوْلِهِ: [البسيط]
أَلَمْعُ بَرْقٍ سَرَى أَمْ ضَوْءُ مِصْبَاحِ؟
…
أَمِ ابْتِسَامَتُهَا بِالْمَنْظَرِ الضَّاحِيْ؟ (1)
3 -
أَوِ الْمُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ؛ كَقَوْلِهِ: [الوافر]
وَمَا أَدْرِيْ - وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِيْ - أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ؟ (2)
فِيْهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ هُمُ الرِّجَالُ -خَاصَّةً- أَيْ: لَا يُطْلَقُ عَلَى النِّسَاءِ.
3 -
أَوِ التَّدَلُّهِ فِي الْحُبِّ: فِيْ قَوْلِهِ: [البسيط]
بِاللهِ يَا ظَبَيَاتِ الْقَاعِ قُلْنَ لَنَا
…
لَيْلَايَ مِنْكُنَّ أَمْ لَيْلَى مِنَ الْبَشَرِ؟ (3)
وَالتَّوْجِيْهِ (4): قَالَ ابْنُ حِجَّةَ: «التَّوْجِيْهُ - هُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ - أَنْ يَحْتَمِلَ الْكَلَامُ وَجْهَيْنِ مِنَ الْمَعْنَى احْتِمَالاً مُطْلَقاً (5). وَالتَّوْجِيْهُ هُوَ إِبْهَامُ
(1) للبُحتريّ في ديوانه 1/ 442، والموازنة ق 1 ج 2 ص 107، والإيضاح 6/ 84، والمطوّل ص 679، ومعاهد التّنصيص 3/ 164، وأنوار الرّبيع 5/ 119.
(2)
لزُهَير بن أبي سُلْمى في ديوانه ص 73، وبديع ابن المعتزّ ص 62، والعمدة 2/ 682 - 896، والمقتصد ص 766، والكشّاف 5/ 574، والأمالي الشّجريّة 1/ 46 - 3/ 107، وحدائق السِّحر ص 158، وتحرير التّحبير ص 136، والإيضاح 6/ 84، وإيجاز الطّراز ص 433، وخزانة الحمويّ 2/ 307، ونفَحات الأزهار ص 43.
(3)
للعَرْجيّ، وسبق تخريجه.
(4)
السَّكَّاكيُّ والقزوينيُّ وشُرَّاحُ تلخيصِه يريدون بِـ (التَّوجيه) الكلامَ الذي يُفهَم على وجهَين مُتضادَّين؛ من غيرِ قرينة تُرَجِّحُ أحدَهما، وهو ما يُعرَفُ بالإبهام أو مُحتمِلِ الضِّدَّين. وأمّا المتأخِّرون كابن حِجّة، والمدنيّ فأطلقُوا التَّوجيهَ وأرادُوا به أنْ يُوجِّهَ المتكلِّمُ مُفرداتِ بعضِ الكلامِ أو كُلِّه إلى أسماءٍ متلائمةٍ من أسماءِ الأعلام، أو قواعدِ العُلومِ والفنونِ
…
توجيهاً مُطابقاً لمعنى اللَّفظِ الثَّاني. انظر: الإيهام البلاغيّ ص 141.
(5)
أي: احتمالاً غيرَ مقيَّدٍ بقرينةٍ تُرجِّحُ أحدَ الاحتمالين المتضادَّين؛ لانعدام القرائن المرجِّحة.
الْمُتَقَدِّمَيْنِ؛ لِأَنَّ الِاصْطِلَاحَ بَيْنَهُمَا وَاحِدٌ، غَيْرَ أَنَّ الشَّوَاهِدَ الَّتِيْ يُسْتَشْهَدُ بِهَا عَلَى التَّوْجِيْهِ الِإبْهَامُ أَحَقُّ بها، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ فِي الْخَيَّاطِ:[مجزوء الرَّمل]
جَاءَ مِنْ زَيْدٍ قَبَاءُ
…
لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَوَاءُ (1)
وَهَذَا مَذْهَبُ زَكِيِّ الدِّيْنِ بْنِ أَبِي الْإِصْبَعِ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِيْ تَخَيَّرَ الْإِبْهَامَ، وَنَزَّلَ عَلِيْهِ هَذِهِ الشَّوَاهِدَ، وَاخْتُصِرَ التَّوْجِيْهُ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَالَ فِي دِيْبَاجَتِهِ:«وَرُبَّمَا أَثْبَتُّ اسْمَ الْبَابِ، وَغَيَّرْتُ مُسَمَّاهُ، إِذَا رَأَيْتُ اسْمَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُ» (2).
وَأَمَّا التَّوْجِيْهُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِيْنَ فَقَدْ قَرَّرُوا أَنْ يُوَجِّهَ الْمُتَكَلِّمُ بَعْضَ كَلَامِهِ أَوْ جُمْلَتَهُ إِلَى أَسْمَاءٍ مُلَائِمَةٍ اصْطِلَاحاً؛ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ، أَوْ قَوَاعِدِ عُلُوْمٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَشَعَّبُ لَهُ مِنَ الْفُنُوْنِ تَوْجِيْهاً مُطْلَقاً لِمَعْنَى اللَّفْظِ الثَّانِي مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ حَقِيْقِيٍّ بِخِلَافِ التَّوْرِيَةِ، وَقَدْ أَدْخَلَ جَمَاعَةٌ نَوْعَ التَّوْجِيْهِ فِي التَّوْرِيَةِ (3)، وَلَيْسَ مِنْهَا.
والفرقُ بينَهما من وجهينِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّوْرِيَةَ تَكُوْنُ بِاللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ، وَالتَّوْجِيْهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِعِدَّةِ أَلْفَاظٍ مُلَائِمَةٍ؛ كَقَوْلِ الشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّيْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُظَفَّرِ الْكِنْدِيِّ الْوَدَاعِيِّ:[البسيط]
مَنْ أَمَّ بَابَكَ لَمْ تَبْرَحْ جَوَارِحُهُ
…
تَرْوِيْ أَحَادِيْثَ مَا أَوْلَيْتَ مِنْ مِنَن
(1) لبشّار، وسبق تخريجه.
(2)
انظر: تحرير التّحبير ص 92.
(3)
انظر: تحرير التّحبير ص 286.
فَالْعَيْنُ عَنْ قُرَّةٍ، وَالْكَفُّ عَنْ صِلَةٍ
…
وَالْقَلْبُ عَنْ جَابِرٍ، وَالسَّمْعُ عَنْ حَسَنِ (1)»
اِنْتَهَى (2).
وَالتَّوْفيْقِ: وَيُسَمَّى التَّنَاسُبَ وَالِائْتِلَافَ وَالتَّلْفِيْقَ. وَعَبَّرَ عَنْهُ الْقَزْوِيْنِيُّ بِـ (مُرَاعَاةِ النَّظِيْرِ)(3).
وَهُوَ: جَمْعُ أَمْرٍ وَمَا يُنَاسِبُهُ لَا بِالتَّضَادِّ. (وَالْمُنَاسَبَةُ بِالتَّضَادِّ: أَنْ يَكُوْنَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُقَابِلاً لِلْآخَرِ)؛ وَبِهَذَا الْقَيْدِ يُخْرَجُ الطِّبَاقُ.
1 -
وَذَلِكَ قَدْ يَكُوْنُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ؛ نَحْوُ: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرّحمن: 5].
2 -
وَقَدْ يَكُوْنُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُوْرٍ؛ نَحْوُ قَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ فِيْ صِفَةِ الْإِبِلِ: [الخفيف]
كَالْقِسِيِّ الْمُعَطَّفَاتِ، بَلِ الْأَسْـ
…
ـهُمِ مَبْرِيَّةً، بَلِ الْأَوْتَارِ (4)
(1) له في خزانة الحمويّ 2/ 354، ومعاهد التّنصيص 3/ 139، وأنوار الرّبيع 3/ 144. وبيانُ توجيهه بالأعلام:
«قُرّة» : قرّة بن خالد السّدوسيّ، وهوثِقة روى عن الحسَن وابن سيرين، وليس بتابعيّ.
«صلة» : صِلة بن أشيم العَدويّ، من كبار التّابعين، وهو زوج معاذة العدويّة، التي تروي عن عائشة أمّ المؤمنين، رضي الله عنها.
«جابر» : جابر بن عبد الله صاحب رسول الله (ص).
«الحسَن» : الحسن البصريّ؛ كان تابعيّاً كبيراً، رأى من أصحاب رسول الله نحواً من ثلاثمئة رجل. انظر خزانة الحمويّ 2/ 354 - 355.
(2)
والفرقُ الثّاني بينَهما أنَّ التّوريةَ تكونُ باللّفظة المشتركة، والتَّوجيهَ باللَّفظِ المصطلَحِ عليه.
(3)
انظر: التّلخيص ص 95.
(4)
له في ديوانه 2/ 987، والصّناعتين ص 223، وأمالي المرتضى 2/ 111، وتحرير التّحبير ص 542، وبديع القرآن ص 323، والإيضاح 6/ 21، وإيجاز الطّراز ص 471، وشرح الكافية البديعيّة ص 226، وخزانة الحمويّ 2/ 335، ومعاهد التّنصيص 2/ 227، ونفحات الأزهار ص 293، وأنوار الرّبيع 6/ 234. يريد وصْفَها بالهُزال والنُّحول فشرَع من الأغلظ إلى الأدقّ.
جَمَعَ بَيْنَ: (الْقَوْسِ، وَالسَّهْمِ، وَالْوَتَرِ).
3 -
وَقَدْ يَكُوْنُ بَيْنَ أَكْثَرَ، كَمَا هُوَ مَذْكُوْرٌ فِي الْمُطَوَّلِ (1)، فَلْيُرَاجَعْ.
- وَمِنْ مُرَاعَاةِ النَّظِيْرِ مَا يُسَمِّيْهِ بَعْضُهُمْ: (تَشَابُهَ الْأَطْرَافِ)(2).
وَهُوَ: أَنْ يُخْتَمَ الْكَلَامُ بِمَا يُنَاسِبُ ابْتِدَاءَهُ فِي الْمَعْنَى؛ نَحْوُ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]؛ فَإِنَّ اللَّطِيْفَ يُنَاسِبُ كَوْنَهُ غَيْرَ مُدْرَكٍ بِالْأَبْصَارِ، وَالْخَبِيْرَ يُنَاسِبُ كَوْنَهُ مُدْرِكاً لِلْأَبْصَارِ؛ لِأَنَّ الْمُدْرِكَ لِلشَّيْءِ يَكُوْنُ خَبِيْراً عَالِماً.
- وَيَلْحَقُ بِمُرَاعَاةِ النَّظِيْرِ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ غَيْرِ مُتَنَاسِبَيْنِ بِلَفْظَيْنِ يَكُوْنُ لَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَنَاسِبَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُوْنَا مَقْصُوْدَيْنِ هَهُنَا؛ نَحْوُ:{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرّحمن: 5 - 6]: يَنْقَادَانِ للهِ تَعَالَى فِيْمَا خُلِقَا لَهُ، فَالنَّجْمُ بِهَذَا الْمَعْنَى (3)، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاسِباً لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، لَكِنَّهُ قَدْ يَكُوْنُ بِمَعْنَى الْكَوْكَبِ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لَهُمَا. وَيُسَمَّى:(إِيْهَامَ التَّنَاسُبِ (4)) كَمِثْلِ مَا مَرَّ فِيْ إيْهَامِ التَّضَادِّ.
وَالْبَحْثِ: وَعَبَّرَ عَنْهُ الْقَزْوِيْنِيُّ بِـ (الْمَذْهَبِ الْكَلَامِيِّ) وَهُوَ: إِيْرَادُ حُجَّةٍ لِلْمَطْلُوْبِ عَلَى طَرِيْقَةِ أَهْلِ الْكَلَامِ. وَهُوَ أَنْ تَكُوْنَ بَعْدَ تَسْلِيْمِ الْمُقَدِّمَاتِ
(1) ص 644 - 647.
(2)
انظر: معجم المصطلحات البلاغيّة ص 322، وتحرير التّحبير ص 520.
(3)
المقصود بالنَّجم في الآية الكريمة: (النَّبْت الذي لا ساقَ له)؛ يُنظَر تفسير الجلالين ص 532.
(4)
انظر: معجم المصطلحات البلاغيّة وتطوّرها ص 219، والإيهام البلاغيّ ص 187.
مُسْتَلْزِمَةً لِلْمَطْلُوْبِ (1)؛ نَحْوُ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، وَاللَّازِمُ - وَهُوَ فَسَادُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ - بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ (2) خُرُوْجُهُمَا عَنِ النِّظَامِ الَّذِيْ هُمَا عَلَيْهِ، فَكَذَا الْمَلْزُوْمُ، وَهُوَ تَعَدُّدُ الْآلِهَةِ (3)، وَهَذِهِ الْمُلَازَمَةُ مِنَ الْمَشْهُوْرَاتِ الَّتِيْ يُكْتَفَى بِهَا فِي الْخِطَابِيَّاتِ دَوْنَ الْقَطْعِيَّاتِ الْمُعْتَبَرَةِ في الْبُرْهَانِيَّاتِ (4).
وَالتَّعْلِيْلِ: أَيْ: (حُسْنِ التَّعْلِيْلِ)، وَهُوَ: أَنْ يُدَّعَى لِوَصْفٍ عِلَّةٌ مُنَاسِبَةٌ لَهُ، بِاعْتِبَارٍ لَطِيْفٍ غَيْرِ حَقِيْقِيٍّ، أَيْ لَا يَكُوْنُ مَا اعْتُبِرَ عِلَّةً (5) لَهُ فِي الْوَاقِعِ؛ كَمَا إِذَا قُلْتَ:(قَتَلَ فُلَانٌ أَعَادِيَهُ؛ لِدَفْعِ ضَرَرِهِمْ)، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ حُسْنِ التَّعْلِيْلِ. وَهَذَا أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الَّتِي ادُّعِيَ لَهَا [عِلَّةٌ](6) مُنَاسِبَةٌ، إِمَّا ثَابِتَةٌ قُصِدَ بَيَانُ عِلَّتِهَا، أَوْ غَيْرُ ثَابِتَةٍ أُرِيْدَ إِثْبَاتُهَا.
وَالْأُوْلَى (7):
1 -
إِمَّا أَلَّا يَظْهَرَ لَهَا فِي الْعَادَةِ عِلَّةٌ؛ كَقَوْلِهِ: [الكامل]
(1) أي: أنْ يُدلِّلَ المتكلِّمُ على مطلوبِه بمقدِّماتٍ يستلزمُ التِّسليمُ بها التَّسليمَ بهذا المطلوب.
(2)
أي: بفساد السَّماوات والأرض.
(3)
أي: فكذا الملزومُ، وهو تعدُّدُ الآلهة باطلٌ أيضاً.
(4)
يُطلَقُ على هذا الفنِّ مصطلحاتٌ عدّةٌ؛ أشهرُها: المذهب الكلاميّ؛ كما في التّلخيص ص 103، أو الاحتجاج النَّظريّ كما في مقدِّمة تفسير ابن النَّقيب ص 285، أو إلجام الخصم بالحُجّة كما في البُرهان في علوم القرآن 3/ 468. ولعلَّ النَّاظمَ اضطُّرَّ بسبب الوزن والاختصار إلى تسمية هذا الفنّ بالبحث، وما وجدتُ مَن سمَّاه هكذا من قبلُ. ولا شَكَّ أنَّ العلاقةَ بينَ تسميةِ النَّاظم وبينَ حقيقةِ هذا الفنِّ ظاهرةٌ؛ لأنَّ هذا الفنَّ يقومُ على إيرادِ حُجَّةٍ على طريقةِ أهل البحث والكلام، وهناك علمٌ اسمُه علمُ البحث والمناظرة، وهو جزءٌ من علم المنطق، والمذهب الكلاميّ أصلاً يقومُ على سوقِ الكلام بحُجّة على طريقة أهل المناظرة والبحث والمنطق.
(5)
خبر يكون.
(6)
ليس في صل، ب، د، جز: بل زيادة اقتضاها السّياق.
(7)
أي: الثّابتة المقصود بيان عِلَّتها.
لَمْ يَحْكِ نَائِلَكَ السَّحَابُ، وَإِنَّمَا
…
حُمَّتْ بِهِ، فَصَبِيْبُهَا الرُّحَضَاءُ (1)
أَيِ: الْمَصْبُوْبُ مِنَ السَّحَابِ هُوَ عَرَقُ الْحُمَّى. فَنُزُوْلُ الْمَطَرِ مِنَ السَّحَابِ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ، لَا يَظْهَرُ لَهَا فِي الْعَادَةِ عِلَّةٌ، وَقَدْ عَلَّلَهُ الشَّاعِرُ: بِأَنَّهُ عَرَقُ حُمَّاهَا الْحَادِثَةِ بِسَبَبِ عَطَاءِ الْمَمْدُوْحِ.
2 -
أَوْ يَظْهَرَ لِتِلْكَ الصِّفَةِ عِلَّةٌ غَيْرُ الْعِلَّةِ الْمَذْكُوْرَةِ؛ لِيَكُوْنَ الْمَذْكُوْرُ غَيْرَ حَقِيْقَةٍ، فَيَكُوْنَ مِنْ حُسْنِ التَّعْلِيْلِ (2)؛ كَقَوْلِهِ:[الرّمل]
مَا بِهِ قَتْلُ أَعَادِيْهِ، وَلَكِنْ
…
يَتَّقِيْ إِخْلَافَ مَا تَرْجُو الذِّئَابُ (3)
فَإِنَّ قَتْلَ الْأَعْدَاءِ - فِي الْعَادَةِ - لِدَفْعِ مَضَرَّتِهِمْ، وَصُفُوِّ الْمَمْلَكَةِ عَنْ مُنَازَعَتِهِمْ، لَا لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ طَبِيْعَةَ الْكَرَمِ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ، وَمَحَبَّتَهُ صِدْقَ رَجَاءِ الرَّاجِيْنَ بَعَثَتْهُ عَلَى قَتْلِ أَعَادِيْهِ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْحَرْبِ صَارَتِ/ الذِّئَابُ تَرْجُو اتِّسَاعَ الرِّزْقِ عَلَيْهَا بِلُحُوْمِ مَنْ يَقْتُلُ مِنَ الْأَعَادِيْ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ وَصْفٌ بِكَمَالِ الْجُوْدِ، وَصْفٌ بِكَمَالِ الشَّجَاعَةِ، حَتَّى ظَهَرَ لِلْحَيَوَانَاتِ الْعُجْمِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَيِ الصِّفَةُ غَيْرُ الثَّابِتَةِ الَّتِي أُرِيْدَ إِثْبَاتُهَا:
1 -
إِمَّا مُمْكِنَةٌ؛ كَقَوْلِهِ: [البسيط]
(1) للمتنبّي في ديوانه 1/ 30، والوساطة ص 180، وأسرار البلاغة ص 278، والإيضاح 6/ 68، وإيجاز الطّراز ص 460، ونفَحات الأزهار ص 166. الرُّحَضَاء: هو عرَق يغسل الجلد لكثرته، وكثيراً ما يستعمل في عرَق الحُمّى والمرض (اللّسان: رحض).
(2)
إذْ لو كانت علّتُها هي المذكورةَ، لكانت المذكورة عُلّةً حقيقية، فلا يكون من حسن التّعليل. انظر: المطوّل ص 669.
(3)
للمتنبّي في ديوانه 1/ 134، وأسرار البلاغة ص 296، والإيضاح 6/ 69، ومعاهد التّنصيص 3/ 53، وبلا نسبة في إيجاز الطّراز ص 460.
يَا وَاشِياً حَسُنَتْ فِيْنَا إِسَاءَتُهُ
…
نَجَّى حِذَارُكَ إِنْسَانِيْ مِنَ الْغَرَقِ (1)
فَإِنَّ اسْتِحْسَانَ إِسَاءَةِ الْوَاشِي مُمْكِنٌ، لَكِنْ لَمَّا خَالَفَ الشَّاعِرُ النَّاسَ فِيْهِ - إِذْ لَا تَسْتَحْسِنُهُ النَّاسُ - عَقَّبَ الشَّاعِرُ اسْتِحْسَانَ إِسَاءَةِ الْوَاشِي بِأَنَّ حِذَارَهُ مِنَ الْوَاشِي نَجَّى إِنْسَانَهُ مِنَ الْغَرَقِ فِي الدُّمُوْعِ؛ حَيْثُ تَرَكَ الْبُكَاءَ خَوْفاً مِنْهُ.
2 -
أَوْ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ: كَقَوْلِهِ: [البسيط]
لَوْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةُ الْجَوْزَاءِ خِدْمَتُهُ
…
لَمَا رَأَيْتَ عَلَيْهَا عِقْدَ مُنْتَطِقِ (2)
فَنِيَّةُ الْجَوْزَاءِ خِدْمَةَ الْمَمْدُوْحِ صِفَةٌ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، قُصِدَ إِثْبَاتُهَا.
وَأُلْحِقَ بِحُسْنِ التَّعْلِيْلِ مَا بُنِيَ عَلَى الشَّكِّ، وَلَمْ يُجْعَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِيْهِ ادِّعَاءً وَإِصْرَاراً، وَالشَّكُّ يُنَافِيْهِ؛ كَقَوْلِهِ:[الطّويل]
كَأَنَّ السَّحَابَ الْغُرَّ غَيَّبْنَ تَحْتَهَا
…
حَبِيْباً، فَمَا تَرْقَا لَهُنَّ مَدَامِعُ (3)
(1) لمسلم بن الوليد في ديوانه ص 328، وتحرير التّحبير ص 311، والمصباح ص 241، والإيضاح 6/ 71، ومعاهد التّنصيص 3/ 54، والقول البديع ص 199، ونفحات الأزهار ص 167، وأنوار الرّبيع 3/ 31 - 6/ 140، وبلا نسبة في نهاية الأرب 7/ 97، وإيجاز الطّراز ص 461.
(2)
هو بيت مترجَم عن الفارسيّة، مُغفَل النّسبة في أسرار البلاغة ص 278، ونهاية الأرب 7/ 97، والإيضاح 6/ 71، وإيجاز الطّراز ص 461، ومعاهد التّنصيص 3/ 67، والقول البديع ص 200، ونفحات الأزهار ص 167. ونسبَه التَّفتازانيُّ - وهماً- للقزوينيّ في المطوّل ص 670. والانتطاق: تجمّع الكواكب حول الجوزاء.
(3)
لأبي تمّام في ديوانه 4/ 580، والموازنة ق 2 ج 2 ص 652، والوساطة ص 378، وأسرار البلاغة ص 289، وتحرير التّحبير ص 311، ونهاية الأرب 7/ 97، والإيضاح 6/ 72، ومعاهد التّنصيص 3/ 69. ترقا: أصلها ترقأ أي: تجفّ، وحذفت الهمزة للتّخفيف. والضّميرفي (تحتها) يعود على «بلاقع» قبله:
رُباً شَفَعَتْ ريحُ الصَّبا بنَسيمِها
…
إلى الغَيثِ حتّى جادَها وهْو هامِعُ
عَلَّلَ - عَلَى سَبِيْلِ الشَّكِّ - نُزُوْلَ الْمَطَرِ مِنَ السَّحَابِ؛ بِأَنَّهَا غَيَّبَتْ حَبِيْباً تَحْتَ تِلْكَ الرُّبَا، فَهِيَ تَبْكِيْ عَلَيْهِ.
وَالتَّعْلِيْقِ: وَعَبَّرَ عَنْهُ الْقَزْوِيْنِيُّ بِـ (التَّفْرِيْعِ) وَهُوَ: أَنْ يُثْبَتَ لِمُتَعَلَّقِ أَمْرٍ حُكْمٌ بَعْدَ إِثْبَاتِهِ لِمُتَعَلَّقٍ لَهُ آخَرَ، عَلَى وَجْهٍ يُشْعِرُ بِالتَّفْرِيْعِ وَالتَّعْقِيْبِ؛ كَقَوْلِهِ:[البسيط]
أَحْلَامُكُمْ لِسَقَامِ الْجَهْلِ شَافِيَةٌ
…
كَمَا دِمَاؤُكُمْ تَشْفِيْ مِنَ الْكَلَبِ (1)
وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ: شِبْهُ جُنُوْنٍ يَحْدُثُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَضِّ الْكَلْبِ الْكَلِبِ، وَلَا دَوَاءَ لَهُ أَنْجَعُ مِنْ شُرْبِ دَمِ مَلِكٍ، فَفَرَّعَ عَلَى وَصْفِهِمْ بِشِفَاءِ أَحْلَامِهِمْ مِنْ دَاءِ الْجَهْلِ وَصْفَهُمْ بِشِفَاءِ دِمَائِهِمْ مِنْ دَاءِ الْكَلَبِ، يَعْنِيْ: أَنْتُمْ مُلُوْكٌ وَأَشْرَافٌ وَأَرْبَابُ الْعُقُوْلِ الرَّاجِحَةِ (2).
* * *
(1) للكُمَيت يمدح آلَ البيت في ديوانه 1/ 73، والحيوان 5/ 343، والعمدة 2/ 636، ومنهاج البلغاء ص 59، وكفاية الطّالب ص 189، وتحرير التّحبير ص 165، وبديع القرآن ص 96، والإيضاح 6/ 74، ومعاهد التّنصيص 3/ 88، وأنوار الرّبيع 6/ 111، وبلا نسبة في إيجاز الطّراز ص 457. وكانتِ العربُ تَزْعُمُ أنّ الرّجلَ الكَلِبَ يَعَضُّ إنساناً آخرَ، فيأتون مَلِكاً أو رجلاً شريفاً فيقطُرُ لهم من دَمِ إصبعِه فيَسْقُونَ ذلك الكَلِبَ فيبرَأ. انظر الحيوان 5/ 342 - 343، واللّسان: كلب. ومثله بيت أبي البُرج - في الدّلائل:
بُناةُ مَكارمٍ وأُساةُ كَلْمٍ
…
دماؤُهُمُ مِن الكلَبِ الشّفاءُ
(2)
يُنظَرُ مصطلَحُ (التَّعليق) في معجم المصطلحات البلاغيّة ص 388، والبديع في نقد الشّعر ص 85، والتَّحرير والتَّحبير ص 443. ويُنظَر (التَّفريع) في معجم المصطلحات البلاغيّة ص 396، والعُمدة 2/ 636، والتّلخيص ص 104 - 105. ويمكنُ الاطّلاعُ على (الاستتباع) في معجم المصطلحات البلاغيّة ص 63.