الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للمربي والحادي) (1) اهـ.
ويتضجر آخر من مسلكهم قائلاً: ( .. حتى إن المتحدث منا في أي مسألة من مسائل العلم لا يَعْدَم مخالفًا له، أو ناقدًا، أو ناقمًا، أو واضعًا اسم المتحدث في " ملفٍ " صنَّف فيه الناس أصنافًا، ووصم كل واحد منهم بوصمةِ تجريحٍ وتشريح)(2) اهـ.
وهاك صورًا من عدوانهم وتطاولهم:
- فهذا أحدهم يُعَبِّر العلماء بأنهم " فقهاء الحيض والنفاس ".
- وآخر يخاطبهم قائلاً: " متى تخرجون من فقه المراحيض ودورات المياه؟ ".
- وثالث يصف لجنة الفتوى في السعودية بأنها " فاتيكان المسلمين "، ويتكلم على أساس أن " تكفير " العلامة ابن باز من البديهيات التي لا تحتاج إلى نقاش (3).
- ورابع ينكر في أحد المؤتمرات على من يصفهم بأنهم: " العلماء من عينة المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع ".
- وخامس يضع نفسه في صف الحافظ ابن حجر العسقلاني ويقول متهكمًا: " هو ابن حجر، وأنا ابن زلط ".
- وسادس يمارس التكفير المُقَنَّع؛ باتهام هذا العالم بأنه " ماسوني "، وذاك الداعية بأنه " عميل " لكذا، أو جاسوس لكذا مما يرجفون.
أجل إنهم يصنعون بفتنتهم " توابيت " تُقبر فيها أنفاس الدعاة، وتوأد نفائس
(1)" فضائح الفتن " بتصرف ص (17).
(2)
" صفحات في أدب الرأي " ص (5).
(3)
انظر: " الرد الوافر " للحافظ ناصر الدين الدمشقي ص (11 - 13).
دعوتهم، ويرجف المرجفون بالشائعات المغرضة، وهم يعلمون أن أئمة الهدى منها برآء، والمرجفون في قرارة أنفسهم على أنفسهم شهداء {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19]، وقال جل وعلا:{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58]، وقال سبحانه:{أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} [المطففين4: 6]، وقال تعالى:{أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14].
وما بالقوم غيرة على الحق، وإنما هو الجهل العريض الذي يبدو لهم علمًا واسعًا، وإنما هو الكبر، والتيه، وبطر الحق، وغمط الناس منازلهم:
أضاع الفريضة والسُّنَّهْ
…
فتاه على الإنس والجِنَّهْ
كأن النارَ من دونه
…
وأفرده الله بالجَنَّه
إن منهج " هلك الناس "(1) الذي ينتهجه بعض الطَّغام ما هو إلا نَفَسٌ خارجي حروري وعيدي، وإن تدثر بدثار المغيرة على الحق والانتصار له.
عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ليس المؤمن بطعَّان، ولا لعَّان، ولا فاحش، ولا بذيء "(2).
وعن رجاء بن حيوة رحمه الله تعالى: أنه قال لرجل: " حَدِّثنا، ولا تحدثنا
(1) الإشارة إلى ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: " إِذا قال الرجل: هلك الناس؛ فهو أهلكهم " بضم الكاف وبفتحها، رواه مسلم -واللفظ له- والإمام أحمد، والبخاري في " الأدب المفرد "، وأبو داود، وانظر شرحه في " فيض القدير "(1/ 378).
(2)
رواه الترمذي رقم (1978)، والإمام أحمد في " المسند "(3839)، وابن حبان رقم (48 - موارد)، والبخاري في " الأدب المفرد " رقم (312)، والحاكم في " المستدرك "(1/ 12 - 13)، وصححه، ووافقه الذهبي.
عن متماوت ولا طعَّان ".
* وهذا أحدهم قد طوَّعت له نفسه أن يُطلق لسانه بشتم بعض العلماء، والإزراء بهم، فلا يراهم إلا من خلال منظار أسود قاتم لا يرى حسنة إلا وقد اصطبغت بالسواد، وكأنه لم يبق عالم يملأ عينيه، أو يحترمه، مع أنه يتعسف ويتهور في إطلاق التهم، ويجازف في توزيع الأحكام بالبدعة والضلال، ويندفع في تعميم أحكامه بصورة لا تشم رائحة الانضباط العلمي الدقيق، وهو يحسب أن انتصاره للحق ودفاعه عن عقيدة السلف يسوغان له الجفاء والتهور، وهاك بعضَ مقولاته:
* فمن ذلك: لَمْزُه الإمامَ الأعظم أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، فقد نقل في أحد كتبه تحت عنوان:" الكلام في أهل الرأي " عن البرذعي قوله: (سمعت أبا زرعة يقول: " كان أبو حنيفة جهميًّا، وكان محمد بن الحسن جهميًّا ") ثم نقل بعد كلامٍ قول الإمام أبي زرعة رحمه الله: (من يقول: " القرآن مخلوق " فهو كافر، يُعْنَى بما أسند الكفار؟! أي قوم هؤلاء؟!)(1).
فتراه حكى القول بتكفير أبي حنيفة، ولم ينكره، وكان عليه أن يحقق المسألة قبل المجازفة.
فعن محمد بن سابق قال: (سألت أبا يوسف، فقلت: أكان أبو حنيفة يقول: " القرآن مخلوق "؟ قال: " معاذ الله، ولا أنا أقوله "، فقلت: " أكان يرى رأي جهم؟ "، فقال: " معاذ الله، ولا أنا أقوله ")(2).
وعن أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي قال: (سمعت أبا يوسف
(1)" عقيدة الإمامين أبي حاتم وأبي زرعة " ص (118).
(2)
رواه البيهقي في " الأسماء والصفات " رقم (550)، وقال:" رواته ثقات "(1/ 611).
القاضي يقول: كلَّمت أبا حنيفة رحمه الله تعالى سنة جرداء في أن القرآن مخلوق أم لا؟ فاتفق رأيه ورأيي على أن من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر) (1) قال البيهقي: قال أبو عبد الله -يعني الحاكم-: " رواة هذا كلهم ثقات ".
وقال علي بن الحسن الكراعي: قال أبو يوسف: (ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر، فاتفق رأينا على أن من قال: " القرآن مخلوق "، فهو كافر)(2).
وروى الخطيب عن الإمام أحمد أنه قال: " لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق) (3).
وعن سعيد بن منصور قال: (سمعت ابن المبارك يقول: (والله ما مات أبو حنيفة وهو يقول بخلق القرآن، ولا يدين الله به)(4).
وعن محمد بن مقاتل قال: (سمعت ابن المبارك يقول: ذكر جهم في مجلس أبي حنيفة، فقال: ما يقول؟ قالوا: يقول: " القرآن مخلوق "، فقال: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف: 5] (5).
(1)" السابق " رقم (551)، وقال محققه:" إسناده ضعيف "(1/ 611).
(2)
" مختصر العلو للذهبي " رقم (159) ص (155)، وقال الألباني:" وهذا سند جيد ".
(3)
" تحقيق مختصر العلو " ص (156)، وعلق الألباني على هذا النص عن الإمام أحمد رحمه الله فقال:(وهذا هو الظن بالإمام أبي حنيفة رحمه الله وعلمه، فإن صح عنه خلافه، فلعل ذلك كان قبل أن يناظره أبو يوسف .. وهذا في الواقع من الأدلة الكثيرة على فضل أبي حنيفة؛ فإنه لم تأخذه العزة، ولم يستكبر عن متابعة تلميذه أبي يوسف حين تبين له أن الحق معه، فرحمه الله تعالى ورضي عنه) اهـ.
(4)
" شرح أصول اعتقاد أهل السنة "(2/ 269) رقم (471).
(5)
" السابق "(2/ 270) رقم (472).
* ومن ذلك:
أنه نقل عن السلف تكفير الجهمية (1)، ثم عقَّب ذلك بالتنبيه على أن الأشاعرة من الجهمية، فينتج أن الأشاعرة كفار.
* وما أدق ما عبر به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين قال في سياق كلامه عن الأشعرية: (وأما في الصفات: فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم .. )(2) اهـ.
وقال رحمه الله أيضاً: (وأما الأشعرية فلا يرون السيف موافقة لأهل الحديث، وهم بالجملة أقرب المتكلمين إلى مذهب أهل السنة والحديث .. )(3) اهـ.
وقال شيخ الإسلام أيضًا في معرض ذكره لذم السلفِ أهلَ الكلام من الأشاعرة وغيرهم: (وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة
(1) ومقصود السلف: تكفير الجهمية المحضة (النفاة)، الذين ينفون الأسماء والصفات؛ لأنه يلزم من قولهم العدم، وهؤلاء هم الذين قال فيهم ابن القيم رحمه الله:" مشركو العرب خير من الجهمية ".
وفيهم قيل:
ألا إن جهمًا كافر بان كفره
…
ومن قال يومًا قول جهم فقد كفر
لقد ضل جهم حين سمَّى إلهه
…
سميعًا بلا سمع بصيرًا بلا بصر
والمعتزلة ليسوا جهمية محضة؛ لأنهم أثبتوا الأسماء، ونفوا الصفات، فهم في نفي الصفات فرع عن الجهمية، ويخالفونهم في إثبات الأسماء، وإذا سمَّي الأشاعرة والماتريدية جهمية فهذا الوصف نسبي بالنسبة إلى التحريف والتأويل.
(2)
" مجموع الفتاوى "(6/ 55).
(3)
" مجموع الفتاوى "(6/ 55).
والجماعة والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة (1) في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة (2) ونحوهم) (3) اهـ.
ودافع عنهم شيخ الإسلام، وقال في حق أبي إسماعيل الأنصاري صاحب " ذم الكلام ":(ويبالغ في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة)(4) اهـ.
وقال أيضًا في شأنهم: إنهم (ليسوا كفارا باتفاق المسلمين)(5).
وقال في معرض رده على أبي الحسين البصري المعتزلي: (وأيضًا فجمعك بين هؤلاء الصفاتية وبين المجوس والنصارى فيه من التحامل ما لا يخفى على منصف)(6).
وقال شيخ الإسلام في معرض الكلام عن الأشاعرة وتحذير العلماء منهم: (ثم إنه ما من هؤلاء إلا مَن له في الإسلام مساعٍ مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدف وعدل
(1) يعني نسبيًا، كما هو واضح من سياق كلام شيخ الإسلام، وإلا فهم فرقة منحرفة عن منهج السلف أهلِ السنة والجماعة، وانظر رسالة د. سفر الحوالي " منهج الأشاعرة في العقيدة ".
(2)
ولذلك مدح شيخُ الإسلام صلاحَ الدين الأيويي رحمه الله مع أنه كان يتبنى عقيدة الأشاعرة، فقال عن مصر:(ثم فتحها ملوك السنة مثل صلاح الدين، وظهرت فيها كلمة السنة المخالفة للرافضة) اهـ. " مجموع الفتاوى "(3/ 281).
(3)
" نقض التأسيس "(2/ 87).
(4)
" مجموع الفتاوى "(8/ 230).
(5)
" السابق "(35/ 101).
(6)
" درء التعارض "(5/ 42)
وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداءً من المعتزلة -وهم فضلاء عقلاء- احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخير الأمور أوساطها. وهذا ليس مخصوصًا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10] (1) اهـ.
وقال أيضًا في حقهم: (ولهم حسنات وفضائل وسعي مشكور، وخطؤهم بعد الاجتهاد مغفور) اهـ (2).
وإذا راجعنا المواقف العملية لشيخ الإسلام ابن تيمية مع مخالفيه من أهل القبلة ندرك كيف جمع رحمه الله بين تعظيم الحق، ورحمة الخلق:
فقد كان شيخ الإسلام رحمه الله كثيرًا ما يثني على الإمام تقي الدين السبكي، قال ابنه رحمهما الله:(وكان -أي ابن تيمية- لا يعظم أحدًا من أهل العصر كتعظيمه له)(3)، وذكر في ترجمة علاء الدين الباجي علي بن محمد بن عبد الرحمن -وكان أشعريًّا - أنه: (لما رآه ابن تيمية عظمه، ولم يجر بين يديه
(1)" درء التعارض "(2/ 102 - 103)، وانظره أيضًا (8/ 275)، و " مجموع الفتاوى "(4/ 12 - 13)، (557/ 5 - 558)، (99/ 13).
(2)
انظر: " النبوات " ص (220).
(3)
" طبقات الشافعية "(10/ 194).
بلفظة، فأخذ الشيخ علاء الدين يقول:" تكلم نبحث معك "، وابن تيمية يقول:" مثلي لا يتكلم بين يديك، أنا وظيفتي الاستفادة منك ") (1).
* ومن ذلك إنكاره على من يزعم أنه سني ثم يترحم على بعض المبتدعة، مع أن الترحم على المسلم جائز في الأصل ولو كان مبتدعًا (2) أو فاسقًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(فكل مسلم لم يُعلم أنه منافق جاز الاستغفار له والصلاة عليه، وإن كان فيه بدعة أو فسوق)(3).
وقال رحمه الله: (المسلمون المظهرون للإسلام قسمان: إما مؤمن، وإما منافق، فمن عُلم نفاقه لم تجز الصلاة عليه والاستغفار له، ومن لم يُعلم ذلك منه صُلِّي عليه، وإذا علم شخص نفاق شخص لم يصل عليه، وصلى عليه من لا يعلم نفاقه
…
) (4).
وقال رحمه الله في المبتدعة: (وإذا لم يكونوا كفارًا لم يكونوا منافقين، فيكونون من المؤمنين، فيُستغفر لهم، ويُترحم عليهم، وإذا قال المؤمن: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10]، يقصد كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوله فخالف السنة، أو أذنب ذنبًا؛ فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان، فيدخل في العموم (5) ، وإن كان من الثنتين والسبعين فرقة، فإنه ما من فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا كفارًا، بل مؤمنين فيهم ضلال وذنب يستحقون به الوعيد كما يستحق عصاة المؤمنين) (6) اهـ.
(1)" السابق "(10/ 342).
(2)
وقد ترحم الإمام أحمد على ولاة الأمور الذين كانوا يقولون بقول الجهمية، واستغفر لهم، لعلمه بأنهم تأولوا فأخطأوا، وقلَّدوا من قال لهم ذلك، أفاده شيخ الإسلام في " مجموع الفتاوى "(23/ 348 - 349)، وانظره:(12/ 488 - 501).
(3)
" منهاج السنة "(235/ 5 - 237).
(4)
" منهاج السنة "(235/ 5 - 237).
(5)
كما يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: " من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات، كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة " رواه الطبراني في " الكبير " عن عبادة رضي الله عنه، وحسنه الألباني.
(6)
" منهاج السنة "(5/ 240 - 241).
* ومن ذلك قوله: (قال ابن حجر دي شرح البخاري -يسر الله من أهل السنة من يشرحه-:
قوله: " ينزل ربنا " أنكر ذلك الجمهور، لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى عن ذلك!! وقال قوم بتأويلها، وبه أقول) (1) اهـ.
وقد أوهم بذلك أن القائل: " وبه أقول " هو الحافظ ابن حجر، والذي في " الفتح ": أن الحافظ أورد قول السلف، ثم قول الخلف، ثم نقل عن القاضي ابن العربي رحمه الله تعالى قوله:(وقال قوم بتأويلها، وبه أقول)(2)، ومصدر هذا النقل هو كتابه " عارضة الأحوذي " (2/ 234) لكن عبارته:(ومنهم من تأوله وفسره، وبه أقول).
ثم ما إخالك أخي القارئ إلا وقد زلزلتك وصدمتك تلك الاعتراضية الاستفزازية المثيرة للمشاعر، أعني قوله " يسَّر الله من أهل السنة من يشرحه " التي تنضح بالجحود والكفران والتنكر لجهد دؤوب امتد ثنتين وثلاثين سنة كان ثمرته " فتح الباري بشرح صحيح البخاري " الذي هو " قاموس السنة " بحق، والذي أدى به الحافظ دينًا كان في عنق الأمة، فإذا بهذا الإنسان يجحد هذا الجميل، ويتنكر لهذا المعروف، فيلغيه بجرة قلم، فأين هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من لم يشكر الناس، لم يشكر الله "(3)، وهل ثمَّ هجرة بعد " الفتح "؟!
(1)" عقيدة أبي حاتم " ص (131).
(2)
فتأمل رحمك الله هذا التقصير، وقارنه بدقة فضيلة الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان -أيده الله وزاده توفيقًا- في كتابه (الردود والتعقبات على ما وقع للإمام النووي في " شرح صحيح مسلم " من التأويل في الصفات وغيرها من المسائل المهمات) ص (105).
(3)
رواه الإمام أحمد (2/ 258)، (3/ 32)، والترمذي، رقم (1955)، وغيرهما عن أبي سعيد ، وانظر:" الصحيحة " رقم (417).
* ومن ذلك: عموم قوله:
( .. ولا يجوز قراءة كتب أهل البدع والمعاصي ولا شراؤها ولا بيعها، وإن أحرقها أحد فهي هدر -كما جزم كثير من أهل العلم فيما ذكره ابن القيم وغيره في أحكام السياسة الشرعية)(1) اهـ.
ففهم بعض من يلوذون بهذا المنهاج من عموم هذا الكلام ما دفعهم إلى إحراق " فتح الباري "؛ لأنه " هدر " بزعمهم لما فيه من تأويل ونحوه.
وهذا الكلام إنما يصح في كتب الضلال كالسحر والكهانة والتنجيم، والعقائد الشركية الفاسدة، والأفكار الصوفية المنحرفة، أما الكتب النافعة التي غلب عليها الخير والفائدة بما فيها من العلم والتحقيق فلا حرج من الانتفاع بها، وإن تلبس مصنفوها ببعض المآخذ التي يمكن الاحتراز منها والتنبيه عليها، وبخاصة إذا كان قارئها طالب علم متمكنًا، عنده من الوعي والفهم ما يقيه هذه المآخذ.
ومن أمثلة ذلك: " فتح الباري "، وسائر كتب الحافظ ابن حجر رحمه الله، وكذا مصنفات الإمام النووي رحمه الله " كالمجموع شرح المهذب "، و " شرح صحيح مسلم "، وغيرها من كتبه المباركة، وكذا " الجامع لأحكام القرآن " للقرطبي، وغيرها من دواوين العلوم الخادمة والمخدومة على حدٍ سواء، ولو عُمِّمَ أسلوبُ هذا الإنسان، وهُجِرَ العالِمُ ومصنفاتُه لمثل هذا لما كاد يبقى معنا أحد، ولصرنا كدودة القز تطوي على نفسها بنفسها حتى تموت.
من ذا الذي ما ساء قط
…
ومن له الحسنى فقط؟!
قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (من قواعد الشرع
(1)" عقيدة أبي حاتم " ص (111).
والحكمة أيضًا: أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يُحتمل منه ما لا يحتمل لغيره، ويُعفى عنه ما لا يُعفى عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل، فإنه لا يحتمل أدنى خبث) (1) اهـ.
* ومن ذلك ما في كتبه من لمز العلماء، بل الدعاء على بعضهم، فلا يقتصر على أداء واجب بيان الحق وإبطال الباطل، بل يزيد على ذلك أن يسلقهم بألسنة حداد:
فقد قال في حق الإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله: (وفي عقيدته بلايا، الأصل والشرح كلاهما)(2)، ويتهكم من العلامة الألباني؛ لأنه خرج أحاديث " شرح الطحاوية " قائلاً:(وما أدري ما هذا! أفرغت عقائد أهل السنة حتى يكون هذا؟!).
ولم يسلم من جرأته حتى شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد نقل عنه رحمه الله قوله:" إن الإرجاء بدعة لفظية "، ثم قال:" وهذا تهوين من شأنها، وليس بصواب، بل هي بدعة حقيقية لفظًا ومعنى ".
والجواب عن ذلك: أن سياق كلام شيخ الإسلام يبين أنه رحمه الله لم يقصد بذلك كل المرجئة، وإنما فرقة واحدة منهم وهم " مرجئة الفقهاء "، فإن الخلاف معهم لفظي من حيث اتفاقُ الجميع على أن أهل الكبائر متوعدون بالنار (3)، أما الزعم بأن العمل ليس من الإيمان؛ فهو خطأ بين ، بل بدعة (لا سيما وقد صار
(1)" مفتاح دار السعادة "(1/ 176).
(2)
" من هي الطائفة المنصورة " مخطوط ص (4).
(3)
" الإيمان " بتحقيق الألباني ص (281 - 282).
ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببًا لخطإٍ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء) (1) اهـ.
ويعلق على قول الزركشي: (والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم -يعني أنها واجبة- في العمر مرة
…
) إلخ قائلاً: (هذا من الجفاء، قبَّح الله من قال به .. )(2).
ويدعو عليه قائلاً: (لا جزاه الله خيرًا)(3)، ويقول في سياق الكلام على من ينكر صفة العلو:(ومن قال بخلاف ذلك فهو جهمي أضل من الحمار كائنًا من كان)(4)، فهل الحق محتاج إلى هذه الأساليب في نصرته؟!
ومع الإقرار بوجود مؤاخذات على كتاب " جند الله ثقافة وأخلاقًا " بل على منهج مؤلفه -سامحه الله- بصفة عامة، إلا أنْ المُومَى إليه غلا حين انتقد عليه أنه نصح بقراءة " الإحياء "، و " ختصر فقهي على مذهب "، فعلق قائلاً:" ولا أكون قد غاليت إذا قلت: إن من تثقف بهذه الكتب كان من جند الشيطان "(5)، و " الإحياء " كتاب مشحون بالضلالات والبدع التي يجب التحذير منها، ولكن حنانيك! " ما هكذا تورَدُ يا سعدُ الإبل ".
ويعلق على قول الذهبي في شأن ابن الجوزي: (إذا رضي الله عنه فلا اعتبار بهم) فيقول: (قلت: هذه مجازفة قبيحة من الذهبي)(6) اهـ.
وعلق على قول العلامة الألباني حفظه الله: " شبابنا يبدعون العلماء " قائلاً:
(1)" السابق " ص (377)، وانظر:" مجموع الفتاوى "(12/ 485)، (3/ 357).
(2)
حاشيته على " الأزهية فى أحكام الأدعية " ص (143)، (8)، (75)، (48) على التوالي.
(3)
حاشيته على " الأزهية فى أحكام الأدعية " ص (143)، (8)، (75)، (48) على التوالي.
(4)
حاشيته على " الأزهية فى أحكام الأدعية " ص (143)، (8)، (75)، (48) على التوالي.
(5)
حاشيته على " الأزهية فى أحكام الأدعية " ص (143)، (8)، (75)، (48) على التوالي.
(6)
مقدمة " المقتنى العاطر من صيد الخاطر " ص (هـ).
" وهذا كذب صريح "(1).
وقال في سياق آخر: (وهذا الادعاء صرح به الألباني وغيره مرارًا، وفضحت أمره في " النصيحة " في أمر هجر المبتدعة
…
) (2) اهـ.
فأين أنت يا أمير المؤمنين عمر (3)، ما أحوجنا إليك وإلى دِرتك!
(1)" من هم المبتدعة؟ " ص (38).
(2)
" من هي الطائفة المنصورة؟ " ص (3).
(3)
راجع ص (291 - 292).