الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَا تكون بِهِ الغَيبَة
تكون الغيبة بالقول، وتكون بغيره، قال الغزالي رحمه الله:(الذكر باللسان إنما حَرُم لأن فيه تفهيمَ الغيرِ نقصانَ أخيك وتعريفَه بما يكرهه، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول، والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة، وكل ما يُفهم المقصود فهو داخل في الغيبة، وهو حرام)(1) اهـ.
وقال الإمام النووي رحمه الله: (إن الغيبة: ذكرك الإنسانَ بما يكره، سواء ذكرته بلفظك أو في كتابتك، أو رمزت أو أشرت إليه بعينك، أو يدك أو رأسك، وضابطه: كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة، ومن ذلك المحاكاة، بأن يمشي متعارجًا أو مطأطئًا أو على غير ذلك من الهيئات، مريدًا حكاية هيئة من يتنقصه بذلك، فكل ذلك حرام بلا خلاف، ومن ذلك إذا ذكر مصنِّفُ كتابٍ شخصًا بعينه في كتابه قائلاً:" قال فلان كذا " مريدًا تنقصه والشناعة عليه، فهو حرام، فإن أراد بيان غَلَطه لئلا يُقَلَّد أو بيانَ ضعفه في العلم لئلا يُغترَّ به ويُقبلَ قوله، فهذا ليس غيبة، بل نصيحة واجبة يثاب عليها إذا أراد ذلك، وكذا إذا قال المصنف أو غيره:" قال قوم أو جماعة كذا، أو هذا غلط أو خطأ أو جهالة وغفلة ونحو ذلك "، فليس غيبة، إنما الغيبة ذكر الإنسان بعينه أو جماعة معينين.
ومن الغيبة المحرمة قولك: فعل كذا بعض الناس، أو بعض الفقهاء، أو
(1)" الإحياء "(3/ 142 - 143).
بعض من يدعي العلم، أو بعض المفتين، أو بعض من يُنسب إلى الصلاح أو يدعي الزهد، أو بعض من مَرَّ بنا اليوم، أو بعض من رأيناه، أو نحو ذلك، إذا كان المخاطبُ يفهمه بعينه لحصول التفهيم.
ومن ذلك: غيبة المتفقهين والمتعبدين، فإنهم يعرِّضُون بالغيبة تعريضًا يفهم به كما يفهم بالصريح، فيقال لأحدهم:" كيف حال فلان؟ "، فيقول:" الله يصلحنا، الله يغفر لنا، الله يصلحه، نسأل الله العافية، نحمد الله الذي لم يبتلنا بالدخول على الظلمة، نعوذ باللهِ من الشر، الله يعافينا من قلة الحياء، الله يتوب علينا "، وما أشبه ذلك مما يفهم منه تنقصه، فكل ذلك غيبة محرمة، وكذلك إذا قال:" فلان يُبتلى بما ابتُلينا به كلنا "، أو:" ما له حيلة في هذا، كلنا نفعله "، وهذه أمثلة، وإلا فضابط الغيبة: تفهيمُك الخاطبَ نقصَ إنسانٍ كما سبق) اهـ (1).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره، مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون، أو فيه بعض ما يقولون؛ لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس، واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة، وقد يغضبون فيغضب لغضبهم، فيخوض معهم.
ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى، تارة في قالَب ديانة وصلاح، فيقول:" ليس لي عادة أن أذكر أحدًا إلا بخير، ولا أحب الغيبة ولا الكذب، وإنما أخبركم بأحواله "، ويقول:" والله إنه مسكين "، أو: " رجل جيّد،
(1)" الأذكار النووية " ص (290 - 291).
ولكن فيه كيت وكيت " (1)، وربما يقول: " دعونا منه، الله يغفر لنا وله "، وإنما قصده استنقاصه وهضمًا لجنابه، ويُخرِجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة، يخادعون الله بذلك، كما يخادعون مخلوقًا، وقد رأينا منهم ألواناً كثيرة من هذا وأشباهه.
ومنهم من يرفع (2) غيره رياءً، فيرفع نفسه، فيقول:" لو (3) دعوت البارحة في صلاتي لفلان؛ لما بلغني عنه كيت وكيت "، ليرفع نفسه، ويضعه عند من يعتقده، أو يقول:" فلان بليد الذهن، قليل الفهم "، وقصده مدح نفسه، وإثبات معرفته، وأنه أفضل منه.
ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة، فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد، وإذا أثنى على شخص، أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح، أو في قالب حسد وفجور وقدح، ليسقط ذلك عنه.
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب، لِيُضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزإ به.
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، فيقول:" تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت! ومن فلان كيف وقع منه كيت؟! وكيف فعل كيت وكيت؟! " فيخرج اسمه في معرض تعجبه.
ومنهم من يُخرج [الغيبة مخرج](4) الاغتمام، فيقول: " مسكين فلان،
(1) أي أنه يتصنع إبداء الشفقة والرحمة على أخيه، ثم يتصنع بالدعاء له عند إخوانه، ومن ذلك أيضًا قوله:" فلان حبيب " أو " طيب القلب " ويقصد أنه يُستغفل.
(2)
كذا بالأصل، ولعل الصحيح " يضع " كما يبدو من السياق بعده.
(3)
كذا، على سبيل التمني، ويحتمل أن تكون:" لقد دعوت " إلخ على سبيل الخبر، والله أعلم.
(4)
ليست هذه الزيادة بالأصل، والسياق يقتضيها.
غمني ما جرى له، وما تم له "، فيظن من يسمعه أنه يغتم له، ويتأسف، وقلبه منطوٍ على التشفي به، ولو قدر لزاد على ما به، وربما يذكره عند أعدائه ليشتفوا به، وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه.
ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإِنكار منكر، فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول، وقصده غير ما أظهر، والله المستعان) (1) اهـ.
وقال الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى:
(إن علم إبليس أنك حذر خائف في كثير من أحوالك، لم يبدأ صاحبَك بالتزين له بالغيبة والكذب، إن علم أنك من ذلك نافر، وله مجانب، ولكن يدعكما، حتى إذا ذكرتما الله عز وجل، واستأنستْ قلوبكما، زين لكما فضول الكلام، والراحة إلى الدنيا، فإذا خُضتما في ذلك زين لكما الغيبة.
فإن كنتما من الخائفين في كثير من أموركما أجرى الغيبة من قبل الغضب لله عز وجل، أو التعجب، أو الإنكار، أو التوجع لمن تغتابانه.
وإن كنتما لا تقومان في الخوف ذلك المقام، أجرى بينكما الغيبة من قبل الغضب والغيظ والمكافأة لمن ذكركما، أو ذكر أحدكما، والآخر راضٍ بذلك) (2).
* * *
(1)" مجموع الفتاوى "(28/ 237 - 238).
(2)
" الرعاية " ص (315).