الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ورسوله -وهو مما يختص به العلماء- ردُّ الأهواء المضلة بالكتاب والسنة، وبيانُ دلالتهما على ما يخالف الأهواءَ كلها، وكذلك ردُّ الأقوال الضعيفة من زَلات العلماء، وبيانُ دلالة الكتاب والسنة على ردِّها) (1) هـ.
ومع أهمية التنبيه إلى زلة العالم، فإن هذا لا يستلزم هجره وإطراح ما عدا ذلك من علومه النافعة، كما يفعل الغلاة من المنتسبين إلى طلب العلم، وفي هذا يقول العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى:
(فهذه الآراء المغلوطة لم تكن سببًا في الحرمان من علوم هؤلاء الأجلة، بل ما زالت مناراتٍ يُهتدى بها في أيدي أهل الإسلام، وما زال العلماء على هذا المشرع ينبهون على خطإ الأئمة مع الاستفادة من علمهم وفضلهم، ولو سلكوا مسلك الهجر لهُدِّمت أصول وأركان، ولتقلص ظل العلم في الإسلام، وأصبح الاختلال واضحًا للعيان، والله المستعان)(2) اهـ.
ثالثًا:
أن يَلتمس العذر للعالم، ويُحسِن الظن به، ويقيله عثرته:
قال الإمام السبكي رحمه الله: (فإذا كان الرجل ثقة مشهودًا له بالإيمان والاستقامة، فلا ينبغي أن يحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تُعُوِّد منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله)(3).
وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:
(والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما: أعظم الباطل، وبريد بها الآخر: محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إِليه،
(1)" جامع العلوم والحكم "(1/ 223 - 224) ط. مؤسسة الرسالة.
(2)
" تصنيف الناس بين الظن واليقين " ص (91).
(3)
" قاعدة في الجرح والتعديل " ص (93).
ويناظر عنه) (1) اهـ.
وأسند البخاري في كتاب الشروط من " صحيحه " قصة الحديبية ومسيرَ النبي صلى الله عليه وسلم إليها، وفيها:
(وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلتُه، فقال الناس: " حَلْ حَلْ " (2)، فألَحَّت (3)، فقالوا:" خلأت (4) القصواء "، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل " إلخ الحديث.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فقه هذا الحديث: (جواز الحكم على الشيء بما عُرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يُعهد منه مِثلُها، لا يُنسب إليها، ويُرد على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله؛ لأن خلأ القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحًا، ولم يعاتبهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك لعذرهم في ظنهم)(5) اهـ.
قال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: (فقد أعذر النبي صلى الله عليه وسلم غير المكلَّف من الدواب باستصحاب الأصل، ومن قياس الأولى إذا رأينا عالمًا عاملاً، ثم وقعت منه هِنة أو هفوة، فهو أولى بالإعذار، وعدم نِسبته إليها والتشنيع عليه بها- استصحابًا للأصل، وغمر ما بدر منه في بحر علمه وفضله، وإلا كان المعنِّف قاطعًا للطريق رِدءًا للنفس اللوامة، وسببًا في حرمان العالَم من علمه، وقد نُهينا أن يكون أحدُنا عونًا للشيطان على أخيه)(6) اهـ.
(1)" مدارج السالكين "(3/ 521).
(2)
حل حل: كلمة تقال للناقة إذا تركت السير، يقال:" حلحلت فلانًا ": إذا أزحته عن موضعه.
(3)
ألَّحت: تمادت على عدم القيام، وهو من الإلحاح.
(4)
الخلاء للإبل، والحران للخيل، والقصواء: اسم ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(5)
" فتح الباري "(5/ 335).
(6)
" تصنيف الناس " ص (80 - 81).
ثم نقل قول الصنعاني رحمه الله تعالى: (وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله وتجتنب) اهـ.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: " من أقال مسلمًا أقال الله عثرته "(1).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إِلا الحدود "(2).
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (ذوو الهيئات الذين يُقالون عثراتهم الذين ليسوا يُعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة)(3).
وقال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله: (لو رُفعت صغائر الأولياء إلى الأئمة والحكام لم يجز تعزيرهم عليها، بل يقيل عثرتهم، ويستر زلتهم، فهم أولى من أقيلت عثرته، وسُترت زلته)(4).
وقال الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله: (الظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان مستورًا مشهورًا بالخير حتى كبا به جواده، ونبا غضب صبره، وأُديل عليه شيطانه، فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل تقال
(1) أخرجه أبو داود رقم (3460)، وابن ماجه رقم (2199)، والبيهقي (6/ 27)، وصححه ابن حبان (1103)، والحاكم (2/ 45)، وابن حزم، وابن دقيق العيد.
(2)
أخرجه الإمام أحمد (6/ 181)، والبخاري في " الأدب المفرد " رقم (465)، وأبو داود رقم (3475)، وابن حبان في " صحيحه "(1520)، وصححه الألباني في " الصحيحة " رقم (638).
(3)
أخرجه البيهقي في " السنن "(8/ 334).
(4)
" قواعد الأحكام "(1/ 150).