الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بين الرجل والمنهج
قال الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله:
(لابد من أمرين أحدهما أعظم من الآخر:
- وهو النصيحة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وكتابه ودينه، وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بَعَث الله به رسوله من الهدى والبينات.
والثاني: معرفةُ فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا بمبلغ علمهم، والحق في خلافها: لا يوجب اطِّراحَ أقوالهم جملةً، وتنقصهم والوقيعة فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصدُ السبيل بينهما، فلا نُؤثِّم ولا نَعْصِم .. بل نسلُكُ مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصحابة
…
ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح الله صدره للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: " جاهلٍ بمقدار الأئمة وفضلهم، أو: جاهلٍ بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قَدَمٌ صالحة وآثار حسنة -وهو من الإسلام وأهله بمكان- قد تكون منه الهفوة والزلة فيما هو فيها معذور، بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتَّبع فيها ، ولا
يجوز أن تُهدر مكانتُه وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين) (1) اهـ.
وقال أيضًا -رحمه الله تعالى-: (والفرق بين تجريد متابعة المعصوم صلى الله عليه وسلم، وإهدار أقوال العلماء وإلغائها: أن تجريد المتابعة ألا تُقَدِّم على ما جاء به قولَ أحدٍ ولا رأيه كائنًا من كان، بل تنظر في صحة الحديث أولاً، فإذا صح لك؛ نظرت في معناه ثانيًا، فإذا تبين لك لم تعدل عنه، ولو خالفك مَن بين المشرق والمغرب، ومعاذَ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها، بل لا بد أن يكون في الأمة من قال به، ولو لم تعلمه، فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله، بل اذهب إلى النص ولا تضعف، واعلم أنه قد قال به قائل قطعًا، ولكن لم يصل إليك، هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه، فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة)(2).
وقد أفاد وأجاد في الموازنة بين حق " الرجل " وحق " المنهج " الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى وهو يعقب على الدروس المستفادة من غزوة أحد فقال رحمه الله:
(
…
وهناك حقيقة أخيرة نتعلمها من التعقيب القرآني على مواقف الجماعة المسلمة، التي صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تمثل أكرم رجال هذه الأمة على الله، وهي حقيقة نافعة لنا في طريقنا إلى استئناف حياة اسلامية بعون الله.
إن منهج الله ثابت وقيمه وموازينه ثابتة، والبشر يبعدون أو يقربون من هذا
(1)" إعلام الموقعين "(3/ 294).
(2)
" الروح "(356 - 357).
المنهج، ويخطئون ويصيبون في قواعد التصور وقواعد التطبيق والسلوك، ولكن ليس شيء من أخطائهم محسوبًا على المنهج، ولا مغيرًا لقيمه وموازينه الثابتة.
وحين يخطئ البشر في التصور أو السلوك فإنه يصفهم بالخطأ، وحين ينحرفون عنه فإنه يصفهم بالانحراف، ولا يتغاضى عن خطئهم -مهما تكن منازلهم وأقدارهم- ولا ينحرف هو ليجاري انحرافهم.
ونتعلم نحن من هذا، أن تبرئه الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج، وأنه من الخير للأمة الإسلامية أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة، وأن يوصف المخطئون المنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه -أيًّا كانوا- وألا تبرر أخطاؤهم وانحرافاتهم أبدًا بتحريف المنهج وتبديل قيمه وموازينه، فهذا التحريف والتبديل أخطر على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ أو الانحراف
…
فالمنهج أكبر وأبقى من الأشخاص، والواقع التاريخي للإسلام ليس هو كل فعل وكل وضع صنعه المسلمون في تاريخهم، وإنما هو كل وضع وكل فعل صنعوه موافقًا تمام الموافقة للمنهج ومبادئه وقيمه الثابتة ..
وإلا فهو خطأ أو انحراف لا يحسب على الإسلام وعلى تاريخ الإسلام، إنما يحسب على أصحابه وحدهم، ويوصف أصحابه بالوصف الذي يستحقونه من خطأ أو انحراف أو خروج على الإسلام
…
إن تاريخ الإسلام ليس هو تاريخ المسلمين؛ ولو كانوا مسلمين بالاسم أو باللسان، إن تاريخ الإسلام هو تاريخ التطبيق الحقيقي للإسلام في تصورات الناس وسلوكهم، وفي أوضاع حياتهم، ونظام مجتمعاتهم، فالإسلام محور ثابت تدور حوله حياة الناس في إطار ثابت، فإذا هم خرجوا من هذا الإطار، أو إذا هم تركوا ذلك المحور بتاتًا، فما للإسلام وما لهم يومئذ؟ وما لتصرفاتهم وأعمالهم تحسب على الإسلام؟ بل ما
لهم يوصفون بأنهم مسلمون إذا خرجوا على منهج الإسلام وأبوا تطبيقه في حياتهم (1)؟ وهم إنما كانوا مسلمين؛ لأنهم يطبقون هذا المنهج في حياتهم لا لأن أسماءهم أسماء مسلمين، ولا لأنهم يقولون بأفواههم: إنهم مسلمون.
وهذا ما أراد الله سبحانه أن يعلمه للأمة الإسلامية، وهو يكشف أخطاء الجماعة المسلمة، ويسجل عليها النقص والضعف، ثم يرحمها بعد ذلك، ويعفو عنها، ويعفيها من جرائر النقص والضعف في حسابه وإن يكن أذاقها جرائر هذا النقص والضعف في ساحة الابتلاء
…
) (2) اهـ.
وعلَّق بعض المعاصرين قائلاً:
(إن الإسلام لا يعطي العصمة لأحد بعد رسول الله، ولكننا معشر المسلمين في الواقع نعطي هذه العصمة للرجال، ويصعب علينا أن نرى الشخصية الكبيرة التي نجلها تخطئ وتصيب، كما يصعب علينا أن نقول:" هذا الرأي من قوله خطأ، وهذا صواب ".
كما أننا -عمليًّا- لا يمكن أن نتعامل مع الشخصيات الإسلامية الكبيرة إلا على أساس التسليم لهم بكل شيء، أو رفض كل شيء.
وتحول هذا الأسلوب إلى منهج مقرر يتحدى القواعد النظرية الإسلامية التي يحفظها كل الناس، مثل ما نحفظ عن الإمام مالك قوله:" يؤخذ من قول كل أحد، ويُرَدُّ عليه إلا صاحب هذا القبر "، ويشير إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القول مثل القول الذي يكرره سيد رحمه الله بأسلوب هذا العصر في الكلام الذي
(1) هناك ضوابط دقيقة للحكم بخروج المسلم من الملة، قد حسمها العلماء منذ قرون فـ " لا جديد في أحكام الكفر والإيمان "، وتطبيق هذه الضوابط وظيفة القضاء الشرعي في المقام الأول.
(2)
" في ظلال القرآن "(4/ 533).
سبق، ولكن تطبيقه عمليًّا دونه خرط القتاد.
وفي الواقع إن تذوق العلم وحده، هو الذي يستطيع أن يعودنا الاحترام الصحيح لأهل العلم، بحيث نصل معه إلى درجة نقدر فيها العلم الذي عندهم، ونغفر لهم الخطأ الذي وقعوا فيه دون أن يصير خطؤهم غُلاً في أعناقنا، نأخذ ما أصابوا فيه، ونتجنب ما أخطأوا فيه دون أن نجعل خطأهم تحقيرًا لهم، ودون أن نجعل صوابهم عصمة لهم، فهذا الموقف هو الذي ينزه احترام أهل العلم من التحول إلى نوع من الأوثان ضرره أكثر من نفعه، وبهذا لا يتحول الأحبار والرهبان إلى أرباب) (1).
* * *
(1)" حتى يغيروا ما بأنفسهم " ص (172 - 173) بتصرف.