الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
زجر الطالب الذى حاد عن الأدب
ما أكثر المواقف التربوية التي مارس فيها العلماء بصفتهم مربين ومرشدين حق النصح والتأديب والزجر مع بعض المتعلمين الذين قصَّروا في الأدب إرشادًا لهم وتقويمًا وتهذيبًا وهاك طرفًا من هذه الوقائع:
فعن أبي بكر الأثرم قال: سمعت أبا عبد اللِّه -يعني أحمد بن حنبل- فسئل عن إسحاق بن إسماعيل الذي كان يحدث في مدينة أبي جعفر ، فقال:" ما أعلم إلا خيرا، إلا أنه " -ثم حمل عليه بكلمة ذكرها- وقال: " بلغني أنه يذكر عبد الرحمن ابن مهدي وفلانا، وما أعجب هذا! " ثم قال وهو مغتاظ: " مالك أنت ويلك!! -ونحو هذا- ولذكر الأئمة ") (1).
وعن حمدان بن الأصبهاني، قال: كنت عند شريك، فأتاه بعض ولد المهدي، فاستند، فسأله عن حديث فلم يلتفت إليه، وأقبل علينا، ثم أعاد، فعاد بمثل ذلك، فقال:" كأنك تستخف بأولاد الخليفة؟ "، قال:" لا، ولكن العلم أزينُ عند أهله من أن تصْيِّعوه "، قال: فجثا على ركبتيه، ثم سأله، فقال شريك:" هكذا يطلب العلم "(2).
وعن سعيد بن بشير: كان مالك إذا سئل عن مسألة يظن أن صاحبها غير متعلم وأنه يريد المغالطة، زجره بهذه الآية:{وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)} [الأنعام: 9].
وقال عبد الرزاق: (بينا نحن في المسجد الحرام؛ فقيل لنا: " هذا مالك "، فلقيناه داخلاً من باب بني هاشم وعليه رداء وقميص صنعاني، فطاف بالبيت،
(1)" تاريخ بغداد "(6/ 335).
(2)
" سير أعلام النبلاء "(8/ 207).
وخرج ناحية الصفا، فصلى ركعتين، ثم احتبى، فلما فرغ؛ احتوشناه كما يصنع أصحاب الحديث، فلما جلسنا؛ قام من بيننا كالمغضب، فجئنا مشائخنا، فقالوا:" أي شيء كتبتم عن مالك؟ "، فأخبرناهم بالذي فعل، فقالوا:" الذي فعلتم لا يحتمله مالك "، فلما كان من الغد جئنا واحدًا واحدًا، وعلينا السكون، محدَّثَنا، وقال:" الذي فعلتم أمسِ فعلُ السفهاء ") (1).
وعن معاذ بن سعيد قال: (كنا عند عطاء بن أبي رباح، فتحدث رجل بحديث فاعترض له آخر في حديثه، فقال عطاء: " سبحان الله! ما هذه الأخلاق؟! ما هذه الأخلاق؟! إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به، فأريه أني لا أحسن منه شيئًا ")(2).
وتراه يصغي للحديث بسمعه
…
وبقلبه ولعله أدرى به
ورأى الفضيل قومًا من أصحاب الحديث يمرحون ويضحكون، فناداهم:" مَهْلاً يا ورثة الأنبياء، مهلاً " ثلاثًا " إنكم أئمة يقتدى بكم "(3).
وعن عبد الرحمن بن عمر قال: (ضحك رجل في مجلس عبد الرحمن بن مهدي، فقال: " من ضحك؟ "، فأشاروا إلى رجل، فقال: " تطلب العلم وأنت تضحك؟ لا حدثتكم شهرًا ")(4).
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: (ضحك رجل عند هشام الدستوائي، فقال له هشام: " يا فتى تطلب العلم وتضحك! "، قال: فقال: " أليس الله أضحك وأبكى؟! "، فقال هشام: " فابكِ إذَنْ ")(5).
(1)" ترتيب المدارك "(1/ 157).
(2)
ونظير هذا الخلق ما قال سفيان الثوري رحمه الله: " إن الرجل ليحدثني بالحديث قد سمعته أنا قبل أن تلده أمه، فيحملني حسنُ الأدب أن أسمعه منه " كما في " سير أعلام النبلاء "(5/ 86).
(3)
" سير أعلام النبلاء "(8/ 435).
(4)
" الجامع " للخطيب البغدادي (1/ 193).
(5)
" السابق "(1/ 157).
وعن أحمد بن سنان القطان قال: (كان عبد الرحمن بن مهدى لا يُتَحَدثُ في مجلسه ، ولا يُبْرى فيه قلم ، ولا يبتسْم أحد، فإن تحدث أو بَرَى قلمًا، صاح، ولبس نعليه، ودخل، وكذا يفعل ابن نمَيْر، وكان من أشد الناس في هذا، وكان وكيع أيضا في مجلسه كأنهم في صلاة، فإن أنكر من أمرهم شيئًا انتعل ودخل، وكان ابن نمير يغضب ويصيح، وكان إذا رأى من يبري قلمًا تغيَّر وجهه)(1).
قال الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله:
" ويجب على الطالب ألا يقرأ حتى يأذن له المحدث " ثم ساق بسنده إلى محمد بن عبد الله بن المطلب الشيبانى، قال:(تقدمت إلى أبي بكر بن مجاهد لأقرأ عليه، فتقدم إليه رجل وافر اللحية، كبير الهامة، فابتدأ ليقرأ، فقال: ترفَّق يا خليلي، سمعت محمد بن الجهم السِمَّري يقول: سمعت الفراء يقول: " أدب النفس، ثم أدب الدرس ")(2).
وهذا محدث: (أعنفوا عليه في دق الباب؛ فلم يحدثهم)(3).
ودخل الحافظ ابن وارة الرازي (ت 270 هـ) -وكان فيه زَهْو وخيلاء - على الإمام الشاذَكوني، وهو أحد أئمة الحديث، فقعد يَتَقَعَّرُ في كلامه، قال الشاذكوني: فقلت له: " من أي بلد أنت؟ "، قال:" من أهل الري، ألم يأتك خبري؟ ألم تسمع بنبئي؟ أنا ذو الرحلتين ".
قلت: من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن من الشعر حكمة " فقال: " حدثني بعض أصحابنا "، قلت:" من؟ " قال: " أبو نُعيم، وقَبيصة "(4)، قلت: " يا غلام، ائتني
(1)" السابق "(1/ 193).
(2)
" الجامع " للخطيب (1/ 303).
(3)
" الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم (1/ 267).
(4)
هما الإمامان الجليلان.
بالدِّرَّة " (1) فأتاني بها، فأمرته، فضربه بها خمسين، وقلت: " أنت تخرج من عندي، وما آمن أن تقول: حدثني بعض غلماننا " (2).
وإنما أنكر الإمام الشاذكوني رحمه الله تعالى على الحافظ ابن وارة قوله: " حدثني بعض أصحابنا " وكان ينبغي أن يقول: " حدثني بعض شيوخنا "، أو نحو ذلك.
وقال الحافظ الذهبي: (قال زكريا الساجي: جاء ابن وارة إلى أبي كُريب، وكان في ابن وارة بَأوٌ -أي كبْر وتِيه- فقال لأبي كريب: " ألم يبلغك خبري؟ ألم يأتك نبئي؟ أنا ذو الرحلتين، أنا محمد بن مسلم بن وارة "، فقال: " وارة؟ وما وارة؟ وما أدراك ما وارة؟ قم، فوالله لا حدثتُك، ولا حدثت قومًا أنت فيهم ")(3).
وذكر البرهان البقاعي أنه سأله بعض العجم أن يقرأ عليه، فأذن له، فجلس متربعًا، فامتنع من إقرائه، وقال له:" أنت أحوج إلى الأدب، منك إلى العلم الذي جئت تطلبه "(4).
و (حُكي عن الشمس الجوهري أنه لما شرع في الاشتغال بالعلم طاف على أكابر علماء بلده، فلم يعجبه منهم أحد، لحدَّة فهمه، حتى إذا جاء إلى شيخ الإسلام يحيى المناوي، فجلس بين يديه -وفي ظنه أنه يلحقه بمن تقدم- فشرع في القراءة، فتأمل الشيخ، فوجد إصبعًا من أصابع رجله مكشوفة، فانتهره، وقال له: " بحال أنت قليل الأدب، لا يجيء منك في الطلب، غطِّ إصبعك، واستعمل الأدب! " (5) فحُمَّ لوقته، وزال عنه ما كان يجده من الاستخفاف
(1) أي: العصا.
(2)
" نزهة الفضلاء "(936/ 2).
(3)
" نزهة الفضلاء "(2/ 936).
(4)
" فيض القدير "(1/ 225).
(5)
وقد ذكر بعض المصنفين ضمن آداب المتعلم أنه يجلس بين يدي أستاذه (متأدبًا بسكون، =
بالناس ، ولزم دروسه حتى صار رأسًا عظيمًا في العلم) (1).
وعن أبي عبد الرحمن الحَوْضي قال: (سأل رجل عفان بن مسلم عن حديث، فحدَّثه، فقال: " زدني في السماع، فان في سمعي ثقلاً "، فقال له عفان: " الثِّقلُ في كل شيء منك ، ليس هو في سمعك بَسْ)(2).
* * *
= وإطراق رأس، وخضوع، وتواضع، وخشوع، وجلوس الافتراش أو التورك، ويحسن هنا الإقعاء المستحب على بطونها، ويتعاهد تغطية أقدامه، وإرخاء ثيابه، ولا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة، ولا يعطي الشيخ جنبه، ولا ظهره) اهـ. من " العميد في أدب المفيد والمستفيد " ص (137)، وانظر أيضًا:" تذكرة السامع والمتكلم " لا بن جماعة ص (97، 98).
(1)
" فيض القدير "(1/ 225).
(2)
" الجامع " للخطيب (1/ 196).