الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفراغ الذي لم يبادر صاحبه إلى ملئه بالعمل الصالح.
قال صلى الله عليه وسلم: " نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ "(1).
وقال الحسن البصري: " نفسك إن لم تشغلها بالحق؛ شغلتك بالباطل ".
فالطاعن في أهل الحق فارغ، وأهل الحق مشغولون بحقهم، ويقول المثل العربي:" ويل للشجي من الخلي، وويل للعالم من الجاهل "، والشجي هو المشغول، والخلي هو الفارغ.
(وكم موسوعة كان يمكن أن يؤلفها فضول القول الذي قيل أثناء الفتن والمجادلات والخلافات، وكم ساعة عمل ضائعة هدرها الوقت المستهلك في استنباط الظنون؟!)(2).
السبب الثاني عشر: الجحود وعدم الإِنصاف:
ومن مظاهره: تنكر الطالب لشيخه الذي طالما أفاده، وعلَّمه، وأحسن إليه لأجل زلة زلَّها، أو غضبة غضبها، فيجحد كل ما مضى من إحسانه إليه، ويقول كما تقول كافرات العشير:" ما رأيت منك خيرًا قط "، ويطلق لسانه في ذم شيخه والتشنيع عليه، ويقول الشاعر في مثل هذا:
فيا عجبًا لمن رَبيْتُ طفلاً
…
أُلَقِّمُه بأطرافِ البنانِ
أعلِّمُه الرمايةَ كلَّ يومٍ
…
فلما استد ساعدُه رماني
أعلمه الفتوةَ كل حينٍ
…
فلما طرَّ شاربه جفاني
أعلمه الرواية كل وقتٍ
…
فلما صار شاعِرَها هجاني
(1) رواه الإمام أحمد (1/ 344)، والبخاري (11/ 229)، والترمذي رقم (2304).
(2)
انظر: " فضائح الفتن " ص (8).
قال الشافعي رحمه الله: " الحر مَن راعى وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة ".
صحبةُ يومٍ نسبٌ قريب
…
وذِمّة يعرفها اللبيب
وكان محمد بن واسع يقول: " لا يبلغ العبد مقام الإحسان حتى يحسن إلى كل من صحبه ولو ساعة "، وكان إذا باع شاة يوصي بها المشتري، ويقول:" قد كان لها معنا صحبة ".
وكان الأولى بالجاحد الكفور أن يتمثل ما قاله الضيف الكريم لمضيفه الذي أحسن إليه؛ فقد (كان الرجل شجرةُ عنب كثيرة الثمر، فكان غارسها إذا مَرَّ به صديق له؛ اقتطف عنقودًا ودعاه، فيأكله، وينصرف شاكرًا.
فلما كان اليوم العاشر؛ قالت امرأة صاحب الشجرة لزوجها: " ما هذا من أدب الضيافة، ولكن أرى إن دعوتَ أخاك، فأكل النصف، مددتَ يدك معه مشاركًا، إيناسًا له، وتبسطًا، وإكرامًا "، فقال:" لأفعلن ذلك غدًا ".
فلما كان الغد؛ وانتصف الضيف في أكله؛ مدَّ الرجل يده وتناول حَبَّة، فوجدها حامضة لا تساغ، وتفلها، وقطب حاجبيه، وأبدى عجبه من صبر ضيفه على أكل أمثالها، فقال الضيف:" قد أكلتُ من يدك من قبلُ على مَرِّ الأيام حُلوًا كثيرًا، ولم أحبَّ أن أريك من نفسي كراهة لهذا، تشوب في نفسك عطاءك السالف "(1).
ومن مظاهر الجحود: الرجوع عن التعديل والتزكية إلى التجريح والذم لمحض الهوى وشهوات الأنفس، قال الزعفراني. (حجَّ بشر المريسي، فلما قدم قال:
(1) انظر: " الإمتاع والمؤانسة " لأبي حيان التوحيدي (2/ 121).