الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي أصل الأصول: " التوحيد " يدور عليه البحث والتأليف.
فكم من كلام أوجب ردة فقتلاً، أو أوجب قذفًا فجلدًا، أو أوجب كفارات، أو نُزعت بسببه حقوق فَرُدَّتْ مظالم إلى أهلها، أو إقرار أوجب بمفرده حكمًا، ولذا قالوا:" إقرار المرء على نفسه أقوى البينات ".
وهكذا من مناهج الشريعة المباركة الغراء؛ ولهذا تكاثرت نصوص الوحيين الشريفين في تعظيم شأن اللسان ترغيبًا وترهيبًا، وأفرد العلماء في جمع غفير من مفرداته المؤلفات؛ ففي الترغيب: الدعوة إلى الله على بصيرة، ونشر العلم بالدرس، وفضل الصدق، وكلمة الحق .....
وفي الترهيب: عن الغيبة، والنميمة، والكذب، وآفات اللسان الأخرى.
وقد جمعتُ في ذلك " معجم المناهي اللفظية "(1) وبسطت أصوله الشرعية في مقدمته) (2).
فضيلة الصمت:
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من صمت نجا "(3).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت "(4).
(1) انظره ص (9 - 14)
(2)
" تصنيف الناس بين الظن واليقين " ص (20 - 21).
(3)
رواه الترمذي (2501)، وقال:" غريب "، وأحمد (3/ 159)، والدارمي (2/ 299)، والطبراني في " الأوسط " ج 2، رقم (1956)، وقال المنذري (4/ 9):" رواته ثقات "، ونقل المناوي عن الزين العراقي قوله:" سند الترمذي ضعيف، وهو عند الطبراني بسند جيد " اهـ.
من " فيض القدير "(6/ 171)، وقال الحافظ في " الفتح ":" رواته ثقات " اهـ. (11/ 309)، وصححه الألباني في " الصحيحة " رقم (536).
(4)
رواه البخاري (10/ 445)، ومسلم رقم (47).
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنك لن تزال سالمًا ما سكتَّ، فإِذا تكلَّمْتَ كُتِبَ لَك أو عليك "(1).
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " من كثُر كلامُه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به "(2).
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم: " طويلَ الصمت، قليلَ الضحك "(3).
ووصف هندُ بنُ أبي هالة رضي الله عنه منطقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي رضي الله عنهما، فقال:" .... كان طويلَ السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلامَ ويختمه باسم الله تعالى، ويتكلم بجوامع الكلم، كلامه فَصْل، لا فضولَ ولا تقصير "(4).
وسأل الحسين بن علي رضي الله عنهما أباه عن مخرجه صلى الله عليه وسلم كيف كان يصنع فيه؟ فقال رضي الله عنه: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَخْزِنُ (5) لسانه إلا فيما يعنيه
…
" (6).
وقال أيضاً: " كان صلى الله عليه وسلم لا يذم أحدًا، ولا يَعيبه، ولا يطلب عورته (7)، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه "(8).
(1) عزاه الحافظ إلى الطبراني، وسكت عليه في " فتح الباري "(11/ 309).
(2)
" جامع العلوم والحكم " ص (161).
(3)
رواه الإمام أحمد في " مسنده "(5/ 86، 88) عن جابر بن سمرة رضي الله عنه، ورواه البيهقي بلفظ:" كان طويل الصمت "(7/ 52)، (10/ 240)، والبغوي في " شرح السنة "(13/ 256)، وحسنه الألباني في " المشكاة " رقم (5826).
(4)
" مختصر الشمائل المحمدية للترمذي " للألباني ص (20).
(5)
يخزن: يحبس.
(6)
" السابق " ص (23).
(7)
أي: لا يطلب عورة أحد، وهي ما يُستحيى منه إذا ظهر، والمعنى: لا يُظهر ما يريد الشخصُ ستره، ويخفيه عن الناس.
(8)
" السابق " ص (25).
وعن يزيد بن أبي حبيب قال: " إن المتكلم لينتظر الفتنة، وإن المنصت لينتظر الرحمة "(1).
وقد قيل: " ما ندم حليم ولا ساكت ".
وقال الفضيل: " خصلتان تُقَسِّيان القلب: كثرةُ الكلام، وكثرة الأكل "(2).
وعن سفيان قال: " طول الصمت مفتاح العبادة ".
وعن محمد بن النضر الحارثي قال: كان يُقال: " كثرة الكلام تُذْهِبُ الوقَار "(3).
وعن أبي الذَّيال قال: " تعلم الصمت ما تتعلم الكلام، فإن يكن الكلام يهديك، فإن الصمت يقيك، ولك في الصمت خصلتان: تأخذ به من علم مَن هو أعلم منك، وتدفع به عنك من هو أجدل منك "(4).
وقال إبراهيم بن الأشعث: (سمعت الفضيل يقول: من استوحش من الوحدة، واستأنس بالناس، لم يسلم من الرياء، ولا حجَّ ولا جهاد أشدُّ من حبس اللسان، وليس أحد أشدَّ غمًّا ممن سجن لسانه)(5).
وقال إبراهيم بن أدهم: " إذا اغتممت بالسكوت، فتذكر سلامتك من زلل اللسان "(6).
وعن مروان بن محمد قال: قيل لإبراهيم بن أدهم: " إن فلانًا يتعلم النحو "، فقال:" هو إلى أن يتعلم الصمت أحوج "(7).
(1)" جامع بيان العلم وفضله "(1/ 549).
(2)
" سير أعلام النبلاء "(8/ 440).
(3)
" الصمت " رقم (52) ص (68).
(4)
" السابق "(1/ 550).
(5)
" سير أعلام النبلاء "(8/ 436).
(6)
" حلية الأولياء "(8/ 20).
(7)
" السابق "(8/ 16).
وقال رياح القيسي: قال لي عتبة الغلام: " يا رياح! إن كنت كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمت، فبئس الناظرُ لها أنا، يا رياح .. إن لي موقفًا يُغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول "(1).
وقال طاوس: " لساني سَبُع، إن أرسلته أكلني "(2).
وعن شيخ من قريش قال: (قيل لبعض العلماء: " إنك تطيل الصمت "، فقال: " إني رأيتُ لساني سبعًا عقورًا، أخاف أن أخَلّيَ عنه فَيَعْقِرَني ")(3).
قال بعضهم: (رأيت مالكًا صامتًا لا يتكلم، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالاً، إلا أن يكلمه إنسان فيسمع منه، ثم يجيبه بشيء يسير، فقيل له في ذلك، فقال: " وهل يكب الناس في جهنم إلا هذا؟ " وأشار إلى لسانه ")(4).
وعن أبي بكر بن عياش قال: " أدنى نفع السكوت السلامة، وكفى به عافية، وأدنى ضرر المنطق الشهرة، وكفى بها بلية "(5).
ما إن ندمت على سكوتي مرة
…
ولقد ندمت على الكلام مرارا
وعن إبراهيم قال: " كانوا يجلسون، فأطولهم سكوتًا أفضلهم في أنفسهم "(6).
وعن محارب قال: " صحبنا القاسم بن عبد الرحمن فغلبنا بثلاث: بكثرة الصلاة، وطول الصمت، وسخاء النفس "(7).
(1)" صفة الصفوة "(3/ 372).
(2)
" الإحياء "(3/ 125).
(3)
" الصمت " لابن أبي الدنيا رقم (699) ص (300).
(4)
" ترتيب المدارك "(1/ 179).
(5)
" سير أعلام النبلاء "(8/ 501).
(6)
" الحلية "(4/ 224)، " الزهد " لابن أبي عاصم رقم (55) ص (38).
(7)
" الزهد " لابن أبي عاصم رقم (79) ص (46).