الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واسطة، وخصه بالمعجزات القاهرة الباهرة.
ثم إنه عليه الصلاة والسلام مع هذه المناصب الرفيعة والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع، وذلك يدل على كونه عليه الصلاة والسلام آتيا في طلب العلم بأعظم أنواع المبالغة، وهذا هو اللائق به، لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر، كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان طلبه لها أشد، وكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأشد.
الحادي عشر:
أنه تعالى قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ} فأثبت كونه تبعًا له أولاً، ثم طلب ثانيًا أن يعلمه، وهذا منه ابتداء بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية طلب منه التعليم.
الثاني عشر:
أنه تعالى قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ} فلم يطلب على تلك المتابعة على التعليم شيئًا، كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه ولا غرض لي إلا طلب العلم) (1) اهـ.
وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:
(تأمل أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم مع الله، وخطابهم وسؤالهم، كيف تجدها كلها مشحونة بالأدب قائمة به؟
قال المسيح عليه السلام: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [المائدة: 116]، ولم يقل: لم أقله، وفرق بين الجوابين في حقيقة الأدب، ثم أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسره، فقال:{تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} ثم برأ نفسه عن علمه بغيب
(1)" التفسير الكبير "(10/ 352 - 353) بتصرف.
ربه وما يختص به سبحانه، فقال:{وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} ثم أثنى على ربه، ووصفه بتفرده بعلم الغيوب كلها، فقال:{إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أمره ربه به -وهو محض التوحيد-، فقال:{مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 117]، ثم أخبر عن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم، وأنه بعد وفاته لا اطلاع له عليهم، وأن الله عز وجل وحده هو المنفرد بعد الوفاة بالاطلاع عليهم، فقال:{وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ثم وصفه بأن شهادته-سبحانه- فوق كل شهادة وأعم، فقال:{وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد} .
ثم قال: ({إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: 118]، وهذا من أبلغ الأدب مع الله في مثل هذا المقام، أي: شأن السيد رحمة عبيده والإحسان إليهم، وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدًا لغيرك، فإذا عذبتهم -مع كونهم عبيدك- فلولا أنهم عبيد سوء من أبخس العبيد، وأعتاهم على سيدهم، وأعصاهم له: لم تعذبهم، لأن قربة العبودية تستدعي إحسان السيد إلى عبده ورحمته، فلماذا يعذب أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، وأعظم المحسنين إحسانًا عبيدَه؟ لولا فرط عُتُوهم، وإباؤهم عن طاعته، وكمال استحقاقهم للعذاب.
وقد تقدم قوله: {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} أي هم عبادك، وأنت أعلم بسرهم وعلانيتهم، فإذا عذبتهم؛ عذبتهم على علم منك بما تعذبهم عليه، فهم عبادك وأنت أعلم بما جنوه واكتسبوه، فليس في هذا استعطاف لهم، كما يظنه الجهال، ولا تفويض إلى محض المشيئة والملك المجرد عن الحكمة، كما تظنه القدرية، وإنما هو إقرار واعتراف وثناء عليه سبحانه بحكمته وعدله، وكمال علمه بحالهم، واستحقاقهم للعذاب.
ثم قال: {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ولم يقل: " الغفور الرحيم " وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى، فإنه قاله في وقت غضب الرب عليهم، والأمر بهم إلى النار، فليس هو مقام استعطاف ولا شفاعة، بل مقام براءة منهم، فلو قال:" فإنك أنت الغفور الرحيم "؛ لأشعر باستعطافه رَبَّه على أعدائه الذين قد اشتد غضبه عليهم، فالمقام مقام موافقة الرب في غضبه على مَنْ غضب الرب عليهم، فعدل عن ذكر الصفتين اللتين يسأل بهما عطفه ورحمته ومغفرته إلى ذكر العزة والحكمة، المتضمنتين لكمال القدرة وكمال العلم.
والمعنى: إن غفرت لهم؛ فمغفرتك تكون عن كمال القدرة والعلم، ليست عن عجز عن الانتقام منهم، ولا عن خفاء عليك بمقدار جرائمهم، وهذا لأن العبد قد يغفر لغيره لعجزه عن الانتقام منه، ولجهله بمقدار إساءته إليه، والكمال: هو مغفرة القادر العالم، وهو العزيز الحكيم، وكان ذكر هاتين الصفتين في هذا المقام عينَ الأدب في الخطاب.
وفي بعض الآثار " حملة العرش أربعة: اثنان يقولان: " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك "، واثنان يقولان: " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك "، ولهذا يقترن كل من هاتين الصفتين بالأخرى، كقوله {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [النساء: 12] وقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149].
وكذلك قول إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء78: 80]، ولم يقل:" وإذا أمرضني " حفظا للأدب مع الله.
وكذلك قول الخضِر عليه السلام في السفينة: {أَفَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا}
[الكهف:79]، ولم يقل:" فأراد ربك أن أعيبها "، وقال في الغلامين:{فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} [الكهف: 82] ".
وكذلك قول مؤمني الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الجن: 10]، ولم يقولوا:" أراده ربهم "، ثم قالوا {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} .
وألطف من هذا قول موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، ولم يقل:" أطعمني ".
وقول آدم عليه السلام: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] ولم يقل " رب قدرْتَ عليّ وقضيتَ عليَّ ".
وقول أيوب عليه السلام: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] ولم يقل: " فعافني، واشفني ".
وقول يوسف لأبيه وإخوته: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف: 100] ولم يقل: " أخرجنى من الجب " حفظًا للأدب مع إخوته، وتَفَتيا عليهم: أن لا يخجلهم بما جرى في الجب، وقال:{وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} ولم يقل: " رفع عنكم جهد الجوع والحاجة "، أدبًا معهم، وأضاف ما جرى إلى السبب، ولم يضفه إلى المباشر الذي هو أقرب إليه منه، فقال:{مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} ، فأعطى الفتوة والكرم والأدب حقه، ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلا للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
ومن هذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل: أن يستر عورته ، وإن كان خاليًا لا يراه أحد (1)، أدبًا مع الله، على حسب القرب منه، وتعظيمه وإجلاله، وشدة الحياء منه، ومعرفة وقاره).
إلى أن قال رحمه الله تعالى: (وجرت عادة القوم أن يذكروا في هذا المقام قوله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم، حين أراه ما أراه:{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17]، وأبو القاسم القشيري صدر باب الأدب بهذه الآية، وكذلك غيره.
وكأنهم نظروا إلى قول مَن قال من أهل التفسير: إن هذا وصف لأدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام، إذ لم يلتفت جانبًا، ولا تجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب، والإخلالُ به: أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله، أو يتطلع أمام المنظور، فالالتفات زيغ، والتطلع إلى ما أمام المنظور: طغيان ومجاوزة، فكمال إقبال الناظر على المنظور: أن لا يصرف بصره عنه يَمنة ولا يَسرة، ولا يتجاوزه.
هذا معنى ما حصلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه.
وفي هذه الآية أسرار عجيبة، وهي من غوامض الآداب اللائقة بأكمل البشر صلى الله عليه وسلم: تواطأ هناك بصره وبصيرته، وتوافقا وتصادقا فيما شاهده بصره، فالبصيرة مواطئة له، وما شاهدته بصيرته فهو أيضًا حق مشهود بالبصر، فتواطأ في حقه مشهد البصر والبصيرة.
(1) يشير إلى ما رواه معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: " احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ") الحديث، وفيه:(قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: " الله أحق أن يستحيا منه من الناس ") رواه الامام أحمد (5/ 3 - 4)، وأبو داود رقم (4017)، والترمذي (2794)، و (2769)، وحسنه، والحاكم (4/ 180)، وصححه، ووافقه الذهبي.
ولهذا قال سبحانه وتعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم11: 12]، أي ما كذَب الفؤاد ما رآه ببصره.
ولهذا قرأها أبو جعفر " ما كذب الفؤاد ما رأى " -بتشديد الذال- أي لم يكذّب الفؤاد البصر، بل صدقه وواطأه، لصحة الفؤاد والبصر، أو استقامة البصيرة والبصر، وكون المرئي المشاهد بالبصر والبصيرة حقًا، وقرأ الجمهور {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} بالتخفيف، وهو متعد، و (مَا رَأَى) مفعوله ، أي ما كذب قلبُه ما رأته عيناه، بل واطأه ووافقه، فلمواطاة قلبه لقالَبه، وظاهره لباطنه، وبصره لبصيرته: لم يكذب الفؤاد البصر، ولم يتجاوز البصر حَدَّه فيطغى، ولم يمل عن المرئي فيزيغ؛ بل اعتدل البصر نحو المرئي، ما جاوزه ولا مال عنه، كما اعتدل القلب في الإقبال على الله، والإعراض عما سواه، فإنه أقبل على الله بكليته ، وللقلب زيغ وطغيان، كما للبصر زيغ وطغيان، وكلاهما منتفٍ عن قلبه وبصره، فلم يزغ قلبه التفاتًا عن الله إلى غيره، ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه.
وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه.
فإن عادة النفوس، إذا أقيمت في مقام عال رفيع: أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه، ألا ترى أن موسى صلى الله عليه وسلم لما أقيم في مقام التكليم والمناجاة؛ طلبت نفسه الرؤية؟ ونبينا صلى الله عليه وسلم لما أقيم في ذلك المقام؛ وفاه حقه، فلم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أقيم فيه ألبتة؟
ولأجل هذا ما عاقه عائق، ولا وقف به مراد، حتى جاوز السموات السبع حتى عاتب موسى ربه فيه، وقال:" يقول بنو إسرائيل: إِني كريم الخلق على الله، وهذا قد جاوزني وخَلَّفني علوًا، فلو أنه وحدهـ؟ ولكن معه كل أمته ".
وفي رواية للبخاري: " فلما جاوزته بكى. قيل: ما يبكيك؟ قال: أبكي أن غلامًا بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي "، ثم جاوزه علوًا فلم تعقه إرادة، ولم تقف به دون كمال العبودية همة.
ولهذا كان مركوبه في مَسْراه يسبق خطوه الطرفَ، فيضع قدمه عند منتهى طرفه، مشاكلاً لحال راكبه، وبُعْدِ شأوه، الذي سبق العالم أجمع في سيره، فكان قدم البراق لا يختلف عن موضع نظره، كما كان قدمه صلى الله عليه وسلم لا يتأخر عن محل معرفته.
فلم يزل صلى الله عليه وسلم في خفارة كمال أدبه مع الله سبحانه، وتكميل مراتب عبوديته له، حتى خرق حجب السموات، وجاوز السبع الطباق، وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين، فانصبَّت إليه هناك أقسام القُرَب انصبابًا، وأنقشعت عنه سحائب الحجب ظاهرًا وباطنًا حجابًا حجابًا، وأقيم مقامًا غبطه به الأنبياء والمرسلون، فإذا كان في المعاد أقيم مقامًا من القرب ثانيًا، يغبطه به الأولون والآخرون، واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع الله، ما زاغ البصر عنه وما طغى، فأقامه في هذا العالم على أقوم صراط من الحق والهدى، وأقسم بكلامه على ذلك في الذكر الحكيم، فقال تعالى:{يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يس1: 4]، فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط يسأله السلامة لأتباعه وأهل سنته، حتى يجوزونه إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم) اهـ (1).
* * *
(1)" مدارج السالكين "(2/ 378 - 384).