الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعن سفيان الثوري قال: " العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه؛ وإلا ارتحل "(1)، وعنه رحمه الله قال:" العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شُغلوا، فإذا شُغلوا فُقدوا، فإذا فُقدوا طلبوا، فإذا طُلبوا هربوا "(2).
وقد ختم الله كثيرًا من الآيات الداعية إلى الفضائل بقوله تعالى: (إِن كنتُمْ تَعْلَمُون)، (لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُون) إشارة إلى أن العلم باعث على العمل بها، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم:" لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا " الحديث (3).
ويُعرف العالم:
* بجده في طلب العلم، واجتهاده في التفقه في الدين، والتلقي عن المشايخ وملازمتهم زمنًا طويلاً معتبرًا، قال إبراهيم بن الأشعث:" إذا وجدتم الرجل معروفًا بشدة الطلب، ومجالسة الرجال؛ فاكتبوا عنه "(4).
* بشيوخه؛ من هم، وكيف هم؟ ثم بشهادتهم له، أو إجازتهم إياه. قال الإمام مالك رحمه الله:(لا ينبغي للرجل يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من كان أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك، ولو نهياني لانتهيت)(5)، وقال أيضًا: (ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للتحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل، وأهل
(1)" السابق " رقم (1274).
(2)
" السابق " رقم (1249).
(3)
رواه البخاري (8/ 210 - 211)، ومسلم رقم (2359).
(4)
" الرحلة في طلب الحديث " ص (91).
(5)
انظر: " حلية الأولياء "(6/ 316)، و " الفقيه والمتفقه "(2/ 154).
الجهة من المسجد، فإن رأوه أهلاً لذلك جلس، وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني موضع لذلك) (1) اهـ.
* باستقامته على منهج أهل السنة والجماعة، وهدي السلف الصالح، وبراءته من البدع الضالة.
* بآثاره من الإنتاج العلمي والتصنيف، والدروس والفتاوى، وكذا تلاميذه.
* بتميزه بالعبادة والتنسك والتورع والخشوع، والمروءة ومحاسن الأخلاق.
* برسوخ قدمه في مواطن الشبهات حين تضل الأفهام، وتتزلزل الأقدام، قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:(إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر؛ ما أزالت يقينه، ولا قدحت فيه شكًا، لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات، بل إذا وردت عليه ردَّها حرسُ العلم مغلولة مغلوبة)(2) اهـ.
* بمواقفه العلمية والعملية، وثباته في الفتن والابتلاءات، وأخذه بحظ وافر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعايشته لأحوال مصره، وتفاعله مع أحداث عصره، فهؤلاء العلماء المحتسبون الذين وصفهم الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله بأنهم:
(لم يتخلفوا في كهوف " القَعَدة " الذين صرفوا وجوههم عن آلام أمتهم، وقالوا:" هذا مغتسل بارد وشراب "، وكأنما عناهم -أي القعدة- شوقي بقوله:
(1)" الديباج المذهَّب في علماء المذهب " لابن فرحون ص (21).
(2)
" مفتاح دار السعادة "(1/ 140).
وقد يموت كثير لا تُحِسَّهُم
…
كأنهم من هوان الخطب ما وُجدوا
بل نزلوا ميدان الكفاح، وساحة التبصير بالدين) اهـ.
* بأن يوضع له القبول في الأرض:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إِن الله إِذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: " إِني أحب فلانًا فأحِبَّه "، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: " إِن الله يحب فلانًا فأحبوه "، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبولُ في الأرض "(1) الحديث.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
(مَروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " وجبت "، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: " وجبت "، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: " هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض " (2)، وفي رواية:" المؤمنون شهداء الله في الأرض "(3).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( .. ومن له في الأمة لسانُ صدق
(1) رواه البخاري (13/ 461) في التوحيد، ومسلم رقم (2637)، والترمذي رقم (3160)، وزاد: " فذلك قول الله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96].
(2)
رواه البخاري (3/ 181)، ومسلم رقم (949)، وأحمد (3/ 179)، والترمذي رقم (1058)، والنسائي (4/ 49 - 50).
(3)
رواه البخاري (5/ 185).
عام بحيث يُثْنَى عليه، ويُحمد في جماهير أجناس الأمة، فهؤلاء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى) (1) اهـ.
* * *
(1)" مجموع الفتاوى "(11/ 43).