الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعن مبارك بن فَضالة، عن يونس بن عبيد قال:" لا تجد من البر شيئًا واحدًا يتبعه البر كله غيرَ اللسان، فإنك تجد الرجل يكثر الصيام، ويفطر على الحرام، ويقوم الليل، ويشهد بالزور بالنهار "، وذكر أشياء نحو هذا " ولكن لا تجده لا يتكلم إلا بحق، فيخالف ذلك عمله أبدًا "(1).
التاسع: كثرة ذكر الموت:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول صلى الله عليه وسلم: " أكثروا من ذكر هاذم اللذات "(2).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أتيت رسول صلى الله عليه وسلم عاشر عشرة، فقال رجل من الأنصار: " من أكيس الناس، وأكرم الناس يا رسول الله؟ "، فقال صلى الله عليه وسلم: " أكثرهم ذكرًا للموت، وأشدهم له استعدادًا، أولئك هم الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا، وكرامة الآخرة " (3).
قال الحسن: " ما رأيت عاقلاً قط، إلا أصبته من الموت حذرًا، وعليه حزينًا "، وكان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء، فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، ثم يبكون حتى كان بين أيديهم جَنازة، وقال أشعث:" كنا ندخل على الحسن، فإنما هو النار، وأمر الآخرة، وذكر الموت ".
وكتب بعض الحكماء إلى رجل من إخوانه: " يا أخي احذر الموت في هذه الدار؛ قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده ".
(1)" السابق "(6/ 291 - 292).
(2)
رواه الترمذي (6/ 594 - تحفة)، وقال:" حسن غريب "، والنسائي (4/ 4)، وابن ماجه (4258)، وابن حبان (2559، 2562)، والحاكم (4/ 321)، وقال:" صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في " الإرواء "(3/ 145) بشواهده- والهاذم هو القاطع.
(3)
رواه ابن ماجه (4259)، وابن أبي الدنيا، قال العراقي:" إسناده جيد "، وحسنه الألباني في " الصحيحة " رقم (1385).
وثمرة ذكر الموت أنه يرقق القلب، ويذيب قسوته، ويوقظه من غفلته، فيرجع العبد عن المعاصي، ويخرج من المظالم، ويقبل على الطاعات، ويكثر منها، لئلا يفجأه الموت الذي يقطعه عن أسباب النجاة، ويفوت عليه العمل الصالح، ورُوي عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتاني جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد عش ما شئت فإِنك ميت، وأحبب من شئت فإِنك مقارقه، واعمل ما شئت فإِنك مجزيّ به " الحديث (1).
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بصر بجماعة، فقال: " على ما اجتمع هؤلاء؟ " قيل: " على قبر يحفرونه "، ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدر بين يدي أصحابه مسرعاً حتى انتهى إلى القبر، فجثا عليه، قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بل الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: " أي إِخواني لمثل هذا اليوم فأعِدّوا " ((2).
وقال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم: " عظني "، فقال:" اضطجع، ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فجدَّ فيه الآن، وما تكره أن يكون فيك، فدعه الآن ".
اليوم تفعل ما تشاء وتشتهي
…
وغداً تموت وتُرفَعُ الأقلامُ
وقال أبو حازم سلمة بن دينار: " كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرك متى مت ".
وقد ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذكر الموت "، وبين " حفظ اللسان " كما في
(1) رواه أبو نعيم في " الحلية "(3/ 253)، والحاكم (4/ 324 - 325)، وصححه، ووافقه الذهبي، وحسَّنه المنذري في " الترغيب "(2/ 11)، والألباني في " الصحيحة " رقم (831).
(2)
رواه ابن ماجه (4195)، والإمام أحمد (4/ 294)، والخطيب في " التاريخ "(1/ 341)، وحسنه الألباني في " الصحيحة " رقم (1751).
قوله صلى الله عليه وسلم لمن جاءه، فقال:" عظني وأوجز "، فقال:" إِذا قمت في صلاتك، فصل صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه غداً " الحديث (1).
وقال صلى الله عليه وسلم: " من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى "(2) الحديث.
واغتاب رجل عند معروف الكرخي فقال: " اذكر القطن إذا وُضع على عينيك "(3).
* * *
(1) رواه ابن ماجه (4171)، والإمام أحمد (5/ 412)، وأبو نعيم في " الحلية "(1/ 462)، وحسنه الألباني في " الصحيحة " رقم (401).
(2)
رواه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه الإمام أحمد (1/ 387)، والترمذي (2458)، والحاكم (4/ 323)، والطبراني في " الكبير "(3/ 246)، وحسنه الألباني في " صحيح الجامع "(318/ 1).
(3)
" سير أعلام النبلاء "(9/ 341).