الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
خطر الطعن علي العلماء وشؤم الحط من أقدارهم
* الجناية على العلماء خرق في الدين، فمن ثَمَّ قال الطحاوي في " عقيدته ":" وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين -أهلِ الخير والأثر، وأهلِ الفقه والنظر- لا يُذكَرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء، فهو على غير السبيل "(1).
قال ابن المبارك: " من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته "(2).
وقال أبو سنان الأسدي: " إذا كان طالب العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس؛ متى يفلح؟! "(3).
وقال الإمام أحمد بن الأذرعي: " الوقيعة في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب "(4).
وعن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول:
" كفى بالمرء شرًّا أن لا يكون صالحًا، وهو يقع في الصالحين "(5).
(1)" شرح العقيدة الطحاوية " تحقيق الأرناؤوط (2/ 740).
(2)
" سير أعلام النبلاء "(8/ 408).
(3)
" ترتيب المدارك "(2/ 14 - 15).
(4)
" الرد الوافر " ص (197).
(5)
" شعب الإيمان " للبيهقي (5/ 316).
* والطاعنون في العلماء لا يضرون إلا أنفسهم، وهم يستجلبون لها بفعلتهم الشنيعة أخبث الأوصاف {بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] وهم من شرار عباد الله؛ بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن عبد الرحمن بن غَنْم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خيار عباد الله الذين إِذا رُؤوا ذُكر الله، وشرار عباد الله المشَّاؤون بالنميمة، المفرِّقون بين الأحبَّة، الباغون للبرآء العنت "(1).
- وهم مفسدون في الأرض، وقد قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81].
- وهم عرضة لحرب الله تعالى، القائل في الحديث القدسي:" من عادى لي وليًّا، فقد آذنته بالحرب "(2).
- وهم متعرضون لاستجابة دعوة العالم المظلوم عليهم، فدعوة المظلوم -ولو كان فاسقًا- ليس بينها وبين الله حجاب، فكيف بدعوة ولي الله الذي قال فيه:" ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه "(3)؟!
قال الإمام الحافظ أبو العباس الحسن بن سفيان لمن أثقل عليه: " ما هذا؟! قد احتملتك وأنا ابن تسعين سنة، فاتق الله في المشايخ، فربما استجيبت فيك دعوة "(4).
ولما أنكر السلطان على الوزير نظام الملك صرف الأموال الكثيرة في جهة
(1) رواه الإمام أحمد في " مسنده "(4/ 227)، وهو محتمل للتحسين، انظر:" غاية المرام " للألباني رقم (434)، و " الضعيفة " رقم (1861).
(2)
رواه البخاري في " صحيحه "(7/ 190) وابن ماجه رقم (3989).
(3)
رواه البخاري في " صحيحه "(7/ 190) وابن ماجه رقم (3989).
(4)
" سير أعلام النبلاء "(14/ 159).
طلبة العلم، أجابه:
" أقمت لك بها جُندًا لا تُرَدُ سهامهم بالأسحار "، فاستصوب فعله، وساعده ليه (1).
وقيل: إن أولاد يحيى -أي ابن خالد البرمكي- قالوا له وهم في القيود مسجونين: " يا أبة صرنا بعد العز إلى هذا؟! " قال: " يا بَنِيَّ دعوة مظلوم غَفلنا عنها، لم يغفُل الله عنها "(2).
وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من ذنب أجدرَ أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يَدَّخِر له في الآخرة: مثلُ البغي، وقطيعة الرحم "(3).
يا صاحب البغي إن البغي مَصْرَعَةٌ
…
فاعدل فخير فعال المرء أعدله
فلو بغى جبل يومًا على جبل
…
لاندكَّ منه أعاليه وأسفله (4)
* وبما أن الجزاء من جنس العمل؛ فليبشر الطاعن في العلماء المستهزئ بهم؛ بعاقبةٍ من جنس فعله:
فعن إبراهيم رحمه الله قال: " إني أجد نفسي تُحدِّثني بالشيء، فما يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أبْتَلَى به ".
وقال عمرو بن شرحبيل: " لو رأيت رجلاً يرضع عنزًا فضحكت منه؛
(1) انظر: " تحفة الطالبين " ص (115 - 117)، و " المنهاج السوي " ص (74 - 76).
(2)
" سير أعلام النبلاء "(9/ 90).
(3)
رواه أبو داود رقم (4902)، والترمذي رقم (2513)، وصححه.
(4)
" فيض القدير "(5/ 314).
لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع ".
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: " البلاء موكَّل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أُحَوَّل كلبًا ".
وقد حكي أن رجلاً كان يجرئ تلامذته على الطعن في العلماء وإهانتهم، وذات يوم تكلم بكلام لم يرق أحد تلامذته، فقام إليه فصفعه على رؤوس الأشهاد {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الأنفال: 51]، قال خالد بن زهير الهذلي:
فلا تَجزعَنْ مِن سنة أنت سِرتَها
…
فأولُ راضٍ سنةً مَن يَسيرُها
* وَليُعْلَم أنه يُخشى على من تلذذ بغيبة العلماء والقدح فيهم أن يُبتلى بسوء الخاتمة عياذًا بالله منها، فهذا القاضي الفقيه الشافعي محمد بن عبد الله الزبيدي (ولد سنة عشر وسبعمائة)(شرح التنبيه في أريعة وعشرين مجلدًا، درَّس وأفتى، وكثرت طلابه ببلاد اليمن، واشتهر ذكره، وبعد صيته، قال الجمال المصري: " إنه شاهده عند وفاته وقد إندلع (1) لسانه واسودَّ، فكانوا يرون أن ذلك بسبب كثرة وقيعته في الشيخ محيي الدين النووي رحمهم الله جميعًا " (2).
إن السعيد لَمن له من غيره عظةٌ
…
وفي التجارب تحكيمٌ ومُعتبَرُ
ثم الخائض في أعراض العلماء ظلمًا وعَدْوًا إن حُمل عنه ذلك، واقتُدي به فيه، فقد شنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، والدال
(1) اندلع اللسان: خرج من الفم واسترخى، وسقط على العنفقة، وهي الشعيرات بين الشفة السفلى والذقن.
(2)
" الدرر الكامنة "(4/ 106).
على الشر كفاعله، والسعيد من إذا مات ماتت معه سيئاته، قال تعالى:{وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12].
وما من كاتب إلا سيلقى
…
غداة الحشر ما كتبت يداهُ
فلا تكتب بكفك غير شيء
…
يسرك في القيامة أن تراهُ
وروي عن الإمام أحمد أنه قال: " لحوم العلماء مسمومة، من شمَّها مرض، ومن أكلها مات "(1).
وعن مخلد قال: حدثنا بعض أصحابنا قال: ذكرت يوما عند الحسن بن ذكوان رجلاً بشيء، فقال:" مَهْ! إلا تذكر العلماء بشيء، فيميت الله قلبك ".
لحوم أهل العلم مسمومة
…
ومن يعاديهم سريع الهلاك
فكن لأهل العلم عونًا، وإن
…
عاديتهم يومًا فخذ ما أتاك
قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى:
(واعلم يا أخي -وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته- أن لحوم العلماء -رحمة الله عليهم- مسمومة، وعادة الله في هَتْك أستار منتقصيهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناولُ لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لِنَعش العلم خلق ذميم)(2).
وقال أيضًا رحمه الله: ( .. ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلْب؛ ابتلاه الله تعالى
(1)" المعيد في أدب المفيد والمستفيد " ص (71).
(2)
" تبيين كذب المفتري " ص (28).