الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَالنَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِتَصَدُّقِهِ بِالْوَقْفِ إذْ لَا إيقَافَ وَاجِبٌ وَكَانَ مَنْشَأُ الْغَلَطِ وُجُوبَ دَفْعِهَا عَلَى النَّاظِرِ وَبِذَلِكَ لَمْ تَصِرْ صَدَقَةً وَاجِبَةً عَلَى الْمَالِكِ بَلْ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ وُجُوبُ اتِّبَاعِ شَرْطِ الْوَاقِفِ عَلَى النَّاظِرِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ الْإِيقَافُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَمَا إذَا كَانَ مَنْذُورًا كَأَنْ قَالَ: إنْ قَدِمَ أَبِي فَعَلَيَّ أَنْ أَقِفَ هَذِهِ الدَّارَ صَرَّحَ الْمُحَقِّقُ نَفْسُهُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ بِذَلِكَ وَأَوْرَدَ سُؤَالًا كَيْفَ يَلْزَمُ النَّذْرُ بِهِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ مَسْجِدًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ فَصْلِ النَّذْرِ رَجُلٌ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَقَالَ: إنْ وَجَدْته فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقِفَ أَرْضِي هَذِهِ عَلَى أَبْنَاءِ السَّبِيلِ فَوَجَدَهُ كَانَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ، فَإِنْ وَقَفَ أَرْضَهُ عَلَى مَنْ يَجُوزُ لَهُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ مِنْ الْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ جَازَ اهـ.
وَأَطْلَقَ الْحُكْمَ فِي بَنِي هَاشِمٍ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِزَمَانٍ، وَلَا بِشَخْصٍ لِلْإِشَارَةِ إلَى رَدِّ رِوَايَةِ أَبِي عِصْمَةَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى بَنِي هَاشِمٍ فِي زَمَانِهِ؛ لِأَنَّ عِوَضَهَا، وَهُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا لِإِهْمَالِ النَّاسِ أَمْرَ الْغَنَائِمِ وَإِيصَالَهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا وَإِذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ الْعِوَضُ عَادُوا إلَى الْمُعَوِّضِ وَلِلْإِشَارَةِ إلَى رَدِّ الرِّوَايَةِ بِأَنَّ الْهَاشِمِيَّ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاتَهُ إلَى هَاشِمِيٍّ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَقُيِّدَ بِمَوْلَى الْهَاشِمِيِّ؛ لِأَنَّ مَوْلَى الْغَنِيِّ يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ أَهْلٌ لَهَا لَكِنَّ الْغَنِيَّ مَانِعٌ، وَلَا مَانِعَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَالْحَدِيثُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ أَعْنِي مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَلِهَذَا قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ يَعْنِي فِي حِلِّ الصَّدَقَةِ وَحُرْمَتِهَا، وَإِلَّا فَمَوْلَى الْقَوْمِ لَيْسَ مِنْهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفُؤٍ لَهُمْ وَأَنَّ مَوْلَى الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ كَافِرًا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَإِنْ كَانَ مَوْلَى التَّغْلِبِيِّ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ لَا الْمُضَاعَفَةُ اهـ.
وَفِي آخِرِ مَبْسُوطِ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ مِنْ كِتَابِ الْكَسْبِ وَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي حَقِّ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَتَحِلُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ أَمْ لَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا كَانَ يَحِلُّ أَخْذُ الصَّدَقَةِ لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا، وَلَكِنْ كَانَتْ تَحِلُّ لِقَرَابَاتِهِمْ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَكْرَمَ نَبِيَّنَا بِأَنْ حَرَّمَ الصَّدَقَةَ عَلَى قَرَابَتِهِ إظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ وَقِيلَ بَلْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ تَحِلُّ لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ دَفَعَ بِتَحَرٍّ فَبَانَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ صَحَّ وَلَوْ عَبْدَهُ أَوْ مُكَاتَبَهُ لَا) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «لَك مَا نَوَيْت يَا زَيْدُ وَلَك مَا أَخَذْت يَا مَعْنُ» حِينَ دَفَعَهَا زَيْدٌ إلَى وَلَدِهِ مَعْنٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّحَرِّي الِاجْتِهَادَ بَلْ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِأَنَّهُ مَصْرِفٌ بَعْدَ الشَّكِّ فِي كَوْنِهِ مَصْرِفًا وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ بِاجْتِهَادٍ دُونَ ظَنٍّ أَوْ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ أَصْلًا أَوْ بِظَنٍّ أَنَّهُ بَعْدَ الشَّكِّ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ الْمَانِعُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ فَهُوَ عَلَى الْفَسَادِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَصْرِفٌ، وَلَوْ دَفَعَ إلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ مَصْرِفٌ يُجْزِئُهُ
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ صَلَّى بِاجْتِهَادٍ إلَى جِهَةٍ يَظُنُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ الْقِبْلَةَ حَيْثُ لَا تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا الْقِبْلَةُ بَلْ قَالَ الْإِمَامُ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ أَنَّ الصَّلَاةَ الْفَرْضَ بِغَيْرِ الْقِبْلَةِ مَعْصِيَةٌ، وَالْمَعْصِيَةُ لَا تَنْقَلِبُ طَاعَةً وَدَفْعُ الْمَالِ إلَى غَيْرِ الْفَقِيرِ قُرْبَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ بَعْدَ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَهَا
ــ
[منحة الخالق]
[دَفْعُ الزَّكَاةَ لَبَنِي هَاشِمٍ وَمَوَالِيهِمْ]
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدْ يُجَابُ وُجُوبُهُ بِالنَّذْرِ الْعَارِضِ لَا يُعَارَضُ اهـ.
وَكَذَا أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ مُرَادَهُ لَا إيجَابَ وَاجِبٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - اهـ وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ لَا يَدْفَعُ بَحْثَ الْمُحَقِّقِ؛ إذْ يَبْعُدُ حَمْلُ كَلَامِهِمْ عَلَى الْوَقْفِ الْمَنْذُورِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ بَلْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ تَحِلُّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ أَوْسَاخُ النَّاسِ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ اهـ.
وَفِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ عَنْ الْحَمَوِيِّ عَنْ ابْنِ بَطَّالٍ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَزْوَاجَهُ عليه الصلاة والسلام لَا يَدْخُلْنَ فِي الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ قَالَ ثُمَّ قَالَ الْحَمَوِيُّ: وَفِي الْمُغْنِي عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ إنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ قَالَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِنَّ.
[دَفَعَ الزَّكَاة بِتَحَرٍّ فَبَانَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ]
(قَوْلُهُ: بِاجْتِهَادٍ بِدُونِ ظَنٍّ) أَيْ بِأَنْ اجْتَهَدَ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، وَقَوْلُهُ: أَوْ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ أَصْلًا أَيْ بَعْدَ الشَّكِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَهَا لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ إلَخْ، وَقَوْلُهُ: أَوْ بِظَنِّ أَنَّهُ بَعْدَ الشَّكِّ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ، الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ الشَّكِّ مِنْ تَصَرُّفِ النُّسَّاخِ؛ إذْ لَا مَوْقِعَ لِذِكْرِهِ هُنَا وَمَحَلُّهُ أَنْ يُذْكَرَ عَقِبَ قَوْلِهِ: أَصْلًا فَتَصِيرُ الْعِبَارَةُ هَكَذَا أَوْ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ أَصْلًا بَعْدَ الشَّكِّ أَوْ بِظَنِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَدَفَعَ الْمَالَ إلَى غَيْرِ الْفَقِيرِ قُرْبَةً إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: كَوْنُ الْإِعْطَاءِ لَا يَكُونُ بِهِ عَاصِيًا مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ فَقَدْ صَرَّحَ الْإِسْبِيجَابِيُّ بِأَنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ غِنَاهُ حُرِّمَ عَلَيْهِ الدَّفْعُ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْغَنِيِّ فِي كَلَامِ الْإِسْبِيجَابِيِّ مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَالِكَ نِصَابٍ أَوَّلًا بِأَنْ كَانَ يَمْلِكُ قُوتَ يَوْمِهِ فَقَطْ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالدَّفْعُ إلَيْهِ يَكُونُ هِبَةً، وَهِيَ جَائِزَةٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ آخِرَ الْبَابِ فَلَا يَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَصْرِفٌ، وَالْكَلَامُ فِيمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ مَصْرِفٍ فَالدَّفْعُ إلَيْهِ يَكُونُ هِبَةً كَمَا يَأْتِي آخِرَ
وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ أَنَّهُ مَصْرِفٌ أَمْ لَا فَهُوَ عَلَى الْجَوَازِ إلَّا إذَا تَبَيَّنَّ أَنَّهُ غَيْرُ مَصْرِفٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صَرَفَ الصَّدَقَةَ إلَى مَحَلِّهَا حَيْثُ نَوَى الزَّكَاةَ عِنْدَ الدَّفْعِ وَالظَّاهِرُ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِالْيَقِينِ حَتَّى لَوْ شَكَّ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْأَوَّلَ لَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَا دَفَعَهُ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ وَوَقَعَ تَطَوُّعًا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي كَوْنِهِ يَطِيبُ لِلْفَقِيرِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَطِيبُ قِيلَ: يَتَصَدَّقُ بِهِ لِخُبْثِهِ، وَقِيلَ: يَرُدُّهُ عَلَى الدَّافِعِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَأَطْلَقَ الْكَافِرَ فَشَمِلَ الذِّمِّيَّ وَالْحَرْبِيَّ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِمَا فِي الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ، وَفِي الْمُحِيطِ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَالْفَرْقُ عَلَى إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صِفَةُ الْقُرْبَةِ أَصْلًا
وَالْحَقُّ الْمَنْعُ فَقَدْ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى التُّحْفَةِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ، وَلَوْ مُسْتَأْمَنًا لَا يَجُوزُ، وَكَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ صِلَّتَهُ لَا تَكُونُ بِرًّا شَرْعًا؛ وَلِذَا لَمْ يَجُزْ التَّطَوُّعُ إلَيْهِ فَلَمْ يَقَعْ قُرْبَةً، وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ كَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَأَنَّ الْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ دَاخِلَانِ تَحْتَ الْعَبْدِ وَالْمُسْتَسْعَى كَالْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا حُرٌّ مَدْيُونٌ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَقُيِّدَ بِالزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ فَأَعْطَاهُمْ الْوَصِيُّ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ ضَامِنٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - فَاعْتُبِرَ فِيهَا الْوُسْعُ، وَالْوَصِيَّةُ حَقُّ الْعِبَادِ فَاعْتُبِرَ فِيهَا الْحَقِيقَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّائِمَ إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا يَضْمَنُ، وَلَا يَأْثَمُ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ
وَقِيَاسُهُ أَنَّ الْوَصِيَّ بِشِرَاءِ دَارٍ لِيُوقِفَهَا إذَا اشْتَرَى، وَنَقَدَ الثَّمَنَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا وَقْفُ الْغَيْرِ وَضَاعَ الثَّمَنُ أَنْ يَضْمَنَ الْوَصِيُّ، وَهِيَ وَاقِعَةٌ فِي زَمَانِنَا وَلِأَنَّهُ اخْتَلَطَ أَوَانِي طَاهِرَةٌ بِنَجَسِهِ أَوْ ثِيَابٌ كَذَلِكَ وَكَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلطَّاهِرِ فَتَحَرَّى فِيهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ أَوْ قَضَى الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ ظَهَرَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ بَطَلَ قَضَاؤُهُ، وَهُوَ الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ، وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ الْعِلْمَ بِالثَّوْبِ الطَّاهِرِ وَالْمَاءِ الطَّاهِرِ وَالنَّصِّ مُمْكِنٌ فَلَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ قَيَّدْنَا بِكَوْنِ الْغَلَبَةِ لِلطَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ لَوْ كَانَتْ لِلنَّجَسِ أَوْ اسْتَوَيَا لَا يَتَحَرَّى بَلْ يَتَيَمَّمُ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَفِي النِّهَايَةِ جَعَلَ هَذَا الْحُكْمَ مُخْتَصًّا بِالْأَوَانِي أَمَّا الثِّيَابُ النَّجِسَةُ إذَا اخْتَلَطَتْ بِالطَّاهِرَةِ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَتْ النَّجِسَةُ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيَةً وَتَبِعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ أَخَذَاهُ مِنْ مَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ مِنْ كِتَابِ التَّحَرِّي
وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَتَحَقَّقُ فِي الْأَوَانِي؛ لِأَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ لَهُ بَدَلٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ فَلَا يُضْطَرُّ إلَى التَّحَرِّي لِلْوُضُوءِ عِنْدَ غَلَبَةِ النَّجَاسَةِ لِمَا أَمْكَنَهُ إقَامَةُ الْفَرْضِ بِالْبَدَلِ حَتَّى لَوْ تَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ لِلشُّرْبِ عِنْدَ الْعَطَشِ وَعَدَمِ الْمَاءِ الطَّاهِرِ يَجُوزُ التَّحَرِّي لِلشُّرْبِ فِي مَسْأَلَةِ الثِّيَابِ الضَّرُورَةِ مَسَّتْ لِلتَّحَرِّي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّتْرِ بَدَلٌ
ــ
[منحة الخالق]
الْبَابِ، وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ وَقَبُولُهَا سُنَّةٌ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْإِسْبِيجَابِيِّ الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ دَفْعُ الزَّكَاةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَنِيِّ الْمُعْتَبَرُ وَوَجْهُ الْحُرْمَةِ حِينَئِذٍ عَدَمُ سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ بِهَذَا الدَّفْعِ فَإِذَا اجْتَزَأَ بِهِ يَكُونُ مَانِعًا لِلزَّكَاةِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ فِي الْفَرْقِ وَدَفْعُ الْمَالِ إلَى غَيْرِ الْفَقِيرِ قُرْبَةً غَيْرَ الزَّكَاةِ كَمَا لَا يَخْفَى فَأَنَّى يَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ (قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ الْكَافِرَ إلَخْ) قَالَ فِي كِفَايَةِ الْبَيْهَقِيّ دَفَعَ إلَى حَرْبِيٍّ خَطَأً ثُمَّ تَبَيَّنَ جَازَ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ
وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: اهـ.
قَالَ الْأَقْطَعُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلُهُ: الْآخَرُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ فِي مُشْكِلَاتِ خُوَاهَرْ زَادَهْ قَوْلُهُ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَيْ ذِمِّيٌّ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا أَوْ حَرْبِيًّا فَإِنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ اهـ.
وَنَصَّ فِي الْمُخْتَارِ عَلَى جَوَازِ الدَّفْعِ فِيمَا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ، وَإِطْلَاقُهُ فِي الْكَنْزِ بِقَوْلِهِ: أَوْ كَافِرٌ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالذِّمِّيِّ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ كَذَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ الشِّبْلِيِّ شَيْخِ الْمُؤَلِّفِ صَاحِبِ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ وَاقِعَةٌ فِي زَمَانِنَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّ الْوَصِيَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمِعْرَاجِ وُجِدَتْ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالدَّفْعِ إلَى الْفُقَرَاءِ، وَقَدْ أَعْطَى إلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَفِي الْوَاقِعَةِ لَمْ تُوجَدْ الْمُخَالَفَةُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ شِرَاءُ دَارٍ وَظُهُورُ أَنَّهَا وَقْفٌ لَا يُوجِبُ الْمُخَالَفَةَ كَالِاسْتِحْقَاقِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ نَوَادِرِ هِشَامٍ رَجُلٌ تَرَكَ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ أَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ نَسَمَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهَا الْوَصِيُّ بِأَلْفٍ وَأَعْتَقَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَصِيِّ. وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَالْوَصِيُّ ضَامِنٌ اهـ.
وَأَيْضًا دَارُ الْوَقْفِ تَقْبَلُ الْبَيْعَ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى فَرَّقُوا بَيْنَ ضَمِّ الْحُرِّ إلَى الْعَبْدِ وَبَيْنَ ضَمِّ الْوَقْفِ إلَى الْمِلْكِ فَسَرَى الْبُطْلَانُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي قَالَ الشَّارِحُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فِي مَسْأَلَةِ ضَمِّ الْوَقْفِ إلَى الْمِلْكِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ضَمِّ الْحُرِّ إلَى الْعَبْدِ الْوَقْفِ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَإِنْ صَارَ لَازِمًا بِالْإِجْمَاعِ لَكِنَّهُ يَقْبَلُ الْبَيْعَ بَعْدَ لُزُومِ الْوَقْفِ إمَّا بِشَرْطِ الِاسْتِبْدَالِ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْمُفْتَى بِهِ أَوْ بِضِعْفِ غَلَّتِهِ كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا أَوْ بِوُرُودِ غَصْبٍ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُ انْتِزَاعُهُ فَلِلنَّاظِرِ بَيْعُهُ كَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَوْ بِقَضَاءِ قَاضٍ حَنْبَلِيٍّ بِبَيْعِهِ فَإِنَّ عِنْدَهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ لِيَشْتَرِيَ بِبَدَلِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ كَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ الْوَقْفُ كَالْحُرِّ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لِبَيْعِهِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ اهـ. فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إقَامَةِ الْفَرْضِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْأَوَانِي لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا نَجِسَةً لَا يُؤْمَرُ بِالتَّوَضُّؤِ بِهَا وَلَوْ فَعَلَ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ فَكَذَا إذَا كَانَتْ الْغَلَبَةُ لَهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الثِّيَابِ، وَإِنْ كَانَتْ الْكُلُّ نَجِسَةً يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ فِي بَعْضِهَا فَكَذَا إذَا كَانَتْ الْغَلَبَةُ لَهَا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّحَرِّيَ يَجْرِي فِي مَسَائِلَ مِنْهَا الزَّكَاةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَمِنْهَا الْقِبْلَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْهَا مَسَائِلُ الْمَسَالِيخِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالْمَيْتَةِ فَفِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ لِلْأَكْلِ يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا، وَفِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي إلَّا إذَا كَانَ الْحَلَالُ غَالِبًا، وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الزَّيْتِ إذَا اخْتَلَطَ بِوَدَكِ الْمَيْتَةِ
فَإِنْ كَانَ الْمُحَرَّمُ غَالِبًا أَوْ مُسَاوِيًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَصْلًا لِلْأَكْلِ، وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَلَالُ غَالِبًا فَفِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ يَجُوزُ الْأَكْلُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ، وَفِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ يَحْرُمُ الْأَكْلُ وَتَنَاوُلُهُ وَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِصْبَاحُ وَدَبْغُ الْجُلُودِ، وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الْمَوْتَى إذَا اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْكُفَّارِ فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَيُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ غَلَبَ مَوْتَى الْكُفَّارِ أَوْ تَسَاوَيَا لَا يُصَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ بِالْعَلَامَةِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنْهَا مَسْأَلَتَا الْأَوَانِي الْمُخْتَلِطَةِ وَالثِّيَابِ الْمُخْتَلِطَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتَا
وَأَمَّا التَّحَرِّي فِي الْفُرُوجِ فَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ وَاحِدَةً مِنْ جَوَارِيهِ بِعَيْنِهَا ثُمَّ نَسِيَهَا لَمْ يَسَعْهُ التَّحَرِّي لِلْوَطْءِ، وَلَا لِلْبَيْعِ وَمَنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ الدَّلَائِلِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسَائِلِ وَزِيَادَةِ التَّعْرِيفَاتِ فِي مَسَائِلِ التَّحَرِّي فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ التَّحَرِّي مِنْ الْمَبْسُوطِ أَوَّلَ الْجُزْءِ الرَّابِعِ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّحَرِّيَ فِي اللُّغَةِ الطَّلَبُ وَالِابْتِغَاءُ، وَهُوَ وَالتَّوَخِّي سَوَاءٌ إلَّا أَنَّ لَفْظَ التَّوَخِّي يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالتَّحَرِّي فِي الْعِبَادَاتِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ طَلَبُ الشَّيْءِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ غَيْرُ الشَّكِّ وَالظَّنِّ فَالشَّكُّ أَنْ يَسْتَوِيَ طَرَفَا الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَالظَّنُّ تَرَجُّحُ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَالتَّحَرِّي تَرَجُّحُ أَحَدِهِمَا بِغَالِبِ الرَّأْيِ، وَهُوَ دَلِيلٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى طَرَفِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَا يُوجِبُ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ وَيَلْحَقُ بِالتَّحَرِّي فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ مَا لَوْ كَانَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ جَالِسًا فِي صَفِّ الْفُقَرَاءِ يَصْنَعُ صَنِيعَهُمْ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ زِيُّ الْفُقَرَاءِ أَوْ سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ فَهَذِهِ الْأَسْبَابُ بِمَنْزِلَةِ التَّحَرِّي كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ أَيْضًا يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ غَنِيٌّ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ الْإِغْنَاءُ وَنُدِبَ عَنْ السُّؤَالِ) أَيْ كُرِهَ أَنْ يَدْفَعَ إلَى فَقِيرٍ مَا يَصِيرُ بِهِ غَنِيًّا وَنُدِبَ الْإِغْنَاءُ عَنْ سُؤَالِ النَّاسِ وَإِنَّمَا صَحَّ الْإِغْنَاءُ؛ لِأَنَّ الْغِنَى حُكْمُ الْأَدَاءِ فَيَتَعَقَّبُهُ لَكِنْ يُكْرَهُ لِقُرْبِ الْغِنَى مِنْهُ كَمَنْ صَلَّى وَبِقُرْبِهِ نَجَاسَةٌ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَوْلُهُ: فَيَتَعَقَّبُهُ صَرِيحٌ فِي تَعَقُّبِ حُكْمِ الْعِلَّةِ إيَّاهَا فِي الْخَارِجِ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَتَعَقَّبَهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ مَذْهَبِنَا مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْعِلَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا يَجُوزُ تَأَخُّرُهُ عَنْهَا بَلْ هُمَا كَالِاسْتِطَاعَةِ مَعَ الْفِعْلِ يَقْتَرِنَانِ وَأَجَابَا بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّ الْغِنَى حُكْمُ الْأَدَاءِ أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ عِلَّةُ الْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ عِلَّةُ الْغِنَى فَكَانَ الْغِنَى مُضَافًا إلَى الْأَدَاءِ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ كَالْإِعْتَاقِ فِي شِرَاءِ الْقَرِيبِ فَكَانَ لِلْأَدَاءِ شُبْهَةُ السَّبَبِ الْحَقِيقِيِّ، وَالسَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحُكْمِ حَقِيقَةً، وَمَا يُشْبِهُ السَّبَبَ مِنْ الْعِلَلِ لَهُ شُبْهَةُ التَّقَدُّمِ اهـ.
وَإِنَّمَا عَمَّمْنَا فِي الْمَدْفُوعِ، وَلَمْ نُقَيِّدْهُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِدِرْهَمَيْنِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَأْخُذُ وَاحِدًا، وَيَرُدُّ وَاحِدًا كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا يَصِيرُ غَنِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَأَكْثَرَ لِمَدْيُونٍ لَا يَفْضُلُ لَهُ بَعْدَ دَيْنِهِ نِصَابٌ لَا يُكْرَهُ وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعِيلًا إذَا وَزَّعَ الْمَأْخُوذَ عَلَى عِيَالِهِ لَمْ يُصِبْ كُلًّا مِنْهُمْ نِصَابٌ وَأَطْلَقَ فِي اسْتِحْبَابِ الْإِغْنَاءِ عَنْ السُّؤَالِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِأَدَاءِ قُوتِ يَوْمِهِ كَمَا وَقَعَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّ الْأَوْجَهَ النَّظَرُ إلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْأَحْوَالُ فِي كُلِّ فَقِيرٍ مِنْ عِيَالٍ وَحَاجَةٍ أُخْرَى كَدَيْنٍ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مِائَةٌ إلَخْ) عِبَارَةُ النَّهْرِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَكُرِهَ الْإِغْنَاءُ بِأَنْ يَدْفَعَ إلَى فَقِيرٍ مَا بِهِ يَصِيرُ غَنِيًّا إمَّا بِأَنْ يُعْطِيَهُ نِصَابًا أَوْ يُكْمِلَهُ لَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا فَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا كُرِهَ أَيْضًا كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ اهـ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ لَكِنْ الَّذِي رَأَيْته فِي الظَّهِيرِيَّةِ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَنَصُّهُ قُبَيْلَ كِتَابِ الصَّوْمِ قَالَ هِشَامٌ: سَأَلْت أَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْ الرَّجُلِ لَهُ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا فَتُصَدِّقَ عَلَيْهِ بِدِرْهَمَيْنِ قَالَ يَأْخُذُ وَاحِدًا وَيَرُدُّ وَاحِدًا اهـ.
وَهُوَ كَذَلِكَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُنْتَقَى فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي عَلَى الدُّرَرِ ذَكَرَ مَا فِي النَّهْرِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: جَازَ إعْطَاؤُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِدُونِ الْكَرَاهَةِ وَفَوْقَ الْمِائَتَيْنِ مَعَ الْكَرَاهَةِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ
وَقَدْ رَاجَعْت الْمَنْظُومَةَ وَدُرَرَ الْبِحَارِ فَلَمْ أَجِدْ هَذَا الْخِلَافَ نَعَمْ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ بِلَفْظِ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ الْمِائَتَيْنِ إلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ يُكْرَهُ عِنْدَنَا فَأَفَادَ أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَلَكِنْ عَلَى هَذَا يَرِدُ عَلَى الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ كَرَاهَةِ دَفْعِ مَا يَصِيرُ بِهِ غَنِيًّا فَالْأَظْهَرُ مَا سَلَكَهُ فِي النَّهْرِ تَأَمَّلْ.
وَثَوْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَى بِهِ فُلُوسًا فَفَرَّقَهَا فَقَدْ قَصَّرَ فِي أَمْرِ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ كَانَ أَوْلَى مِنْ التَّفْرِيقِ
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ نَقْلُهَا إلَى بَلَدٍ آخَرَ لِغَيْرِ قَرِيبٍ وَأَحْوَجَ) أَمَّا الصِّحَّةُ فَلِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِالْمَكَانِ، وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاذٍ الْمَشْهُورُ «خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ» فَلَا يَنْفِي الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَا إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، أَوْ لِأَنَّهُ وَرَدَ لِبَيَانِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَا طَمَعَ لَهُ فِي الصَّدَقَاتِ وَلِأَنَّهُ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْيَمَنِ:«ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ - وَهُمَا الصِّغَارُ مِنْ الثِّيَابِ - آخُذْهُ مِنْكُمْ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ» وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنْ كَانَ فِي زَمَنِهِ فَهُوَ تَقْرِيرٌ، وَإِنْ كَانَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ فَذَاكَ إجْمَاعٌ لِسُكُوتِهِمْ عَنْهُ، وَعَدَمُ الْكَرَاهَةِ فِي نَقْلِهَا لِلْقَرِيبِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ أَجْرَيْ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَلِلْأَحْوَجِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا سَدُّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِ فَمَنْ كَانَ أَحْوَجَ كَانَ أَوْلَى، وَلَيْسَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ مُنْحَصِرًا فِي هَاتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَقَلَهَا إلَى فَقِيرٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ أَوْرَعَ وَأَصْلَحَ كَمَا فَعَلَ مُعَاذٌ رضي الله عنه لَا يُكْرَهُ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: التَّصَدُّقُ عَلَى الْعَالِمِ الْفَقِيرِ أَفْضَلُ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَلَا يُكْرَهُ نَقْلُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ إلَى فُقَرَاءِ دَارِ الْإِسْلَامِ؛ وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي نَوَادِرِ الْمَبْسُوطِ رَجُلٌ مَكَثَ فِي دَارِ الْحَرْبِ سِنِينَ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ مَالِهِ الَّذِي خَلَّفَ هَا هُنَا وَمَالٍ اسْتَفَادَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَكِنْ تُصْرَفُ زَكَاةُ الْكُلِّ إلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ فُقَرَاءَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ فُقَرَاءِ دَارِ الْحَرْبِ اهـ.
وَكَذَا لَا يُكْرَهُ نَقْلُ الزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ مُطْلَقًا وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: لَا يُكْرَهُ أَنْ يَنْقُلَ زَكَاةَ مَالِهِ الْمُعَجَّلَةَ قَبْلَ الْحَوْلِ لِفَقِيرٍ غَيْرِ أَحْوَجَ وَمَدْيُونٍ اهـ.
فَاسْتَثْنَى عَلَى هَذَا سِتَّةً، هَذَا وَالْمُعْتَبَرُ فِي الزَّكَاةِ مَكَانُ الْمَالِ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَفِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ مَكَانُ الرَّأْسِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ مُرَاعَاةً لِإِيجَابِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ وُجُودِ سَبَبِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَصَحَّحَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ يُؤَدِّي حَيْثُ هُوَ، وَلَا يَعْتَبِرُ مَكَانَ الرَّأْسِ مِنْ الْعَبْدِ وَالْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّةِ الْمَوْلَى حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْعَبْدُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ فَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا تَرَى فَوَجَبَ الْفَحْصُ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالرُّجُوعُ إلَيْهَا، وَالْمَنْقُولُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِمَكَانِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ لَا بِمَكَانِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ مُوَافِقًا لِتَصْحِيحِ الْمُحِيطِ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبَ؛ وَلِهَذَا اخْتَارَهُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَحَكَى الْخِلَافَ فِي الْبَدَائِعِ فَعَنْ مُحَمَّدٍ يُؤَدِّي عَنْ عَبِيدِهِ حَيْثُ هُوَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ حَيْثُ هُمْ، وَحَكَى الْقَاضِي فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَسْأَلُ مَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ) أَيْ لَا يَحِلُّ سُؤَالُ قُوتِ يَوْمِهِ لِمَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ لِحَدِيثِ الطَّحَاوِيِّ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَإِنَّهُ يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا ظَهْرُ غِنًى قَالَ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِهِ مَا يُغَذِّيهِمْ وَمَا يُعَشِّيهِمْ» قَيَّدْنَا بِسُؤَالِ الْقُوتِ؛ لِأَنَّ سُؤَالَ الْكِسْوَةِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا لَا يُكْرَهُ وَقَيَّدْنَا بِالسُّؤَالِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ لِمَنْ مَلَكَ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ جَائِزٌ بِلَا سُؤَالٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَقُيِّدَ بِمَنْ لَهُ الْقُوتُ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ لِمَنْ لَا قُوتَ يَوْمِهِ لَهُ جَائِزٌ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْقَوِيُّ الْمُكْتَسِبُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ سُوَالُ الْقُوتِ لَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ بِصِحَّتِهِ وَاكْتِسَابِهِ عَلَى قُوتِ الْيَوْمِ فَكَأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ الْغَازِيَ فَإِنَّ طَلَبَ الصَّدَقَةِ جَائِزٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا مُكْتَسِبًا لِاشْتِغَالِهِ بِالْجِهَادِ عَنْ الْكَسْبِ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِهِ طَالِبُ الْعِلْمِ لِاشْتِغَالِهِ عَنْ الْكَسْبِ بِالْعِلْمِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى أَبِيهِ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مُكْتَسِبًا كَمَا لَوْ كَانَ زَمِنًا، وَإِذَا حَرُمَ السُّؤَالُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَ قُوتَ يَوْمِهِ فَهَلْ يَحْرُمُ الْإِعْطَاءُ لَهُ إذَا عُلِمَ حَالُهُ قَالَ الشَّيْخُ أَكْمَلُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ وَأَمَّا الدَّفْعُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ السَّائِلِ عَالِمًا بِحَالِهِ فَحُكْمُهُ فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَأْثَمَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْحَرَامِ لَكِنَّهُ يُجْعَلُ هِبَةً وَبِالْهِبَةِ لِلْغَنِيِّ أَوْ لِمَنْ لَا يَكُونُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لَا يَكُونُ آثِمًا اهـ. وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ
ــ
[منحة الخالق]
قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَكُرِهَ نَقْلُهَا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: فَأَمَّا كَرَاهَةُ النَّقْلِ لِغَيْرِ هَذَيْنِ فَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» وَلِأَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ حَقِّ الْجِوَارِ فَكَانَ أَوْلَى اهـ.
أَقُولُ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ (قَوْلُهُ: وَالْمَنْقُولُ فِي النِّهَايَةِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ مَنْ صَرَّحَ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَعَ أَنَّهُ فِي النِّهَايَةِ وَكَذَا فِي الْعِنَايَةِ صَرَّحَ بِأَنَّهُ أَيْ مَا فِي الْمَبْسُوطِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا نَقَلَ عِبَارَتَهُمَا فِي الشرنبلالية