الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جَمَاعَةٌ أَنَّ أَهْلَ بَلَدِ كَذَا رَأَوْا هِلَالَ رَمَضَانَ قَبْلَكُمْ بِيَوْمٍ فَصَامُوا، وَهَذَا الْيَوْمُ ثَلَاثُونَ بِحِسَابِهِمْ، وَلَمْ يَرَوْا هَؤُلَاءِ الْهِلَالَ لَا يُبَاحُ فِطْرُ غَدٍ، وَلَا تُتْرَكُ التَّرَاوِيحُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ لَمْ يَشْهَدُوا بِالرُّؤْيَةِ، وَلَا عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا حَكَوْا رُؤْيَةَ غَيْرِهِمْ، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا شَهِدَ عِنْدَهُ اثْنَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي لَيْلَةِ كَذَا وَقَضَى بِشَهَادَتِهِمَا جَازَ لِهَذَا الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي حُجَّةٌ، وَقَدْ شَهِدُوا بِهِ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّارِحُ عَلَى اعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ مِنْ وَاقِعَةِ الْفَضْلِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ حِينَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ بِالشَّامِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَلَمْ يَعْتَبِرْهُ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ مَا رَآهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ، وَلَا عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ وَلَئِنْ سَلِمَ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَلَئِنْ سَلِمَ فَهُوَ وَاحِدٌ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى الْقَاضِي، وَالْمَطَالِعُ جَمْعُ مَطْلِعٍ بِكَسْرِ اللَّامِ مَوْضِعُ الطُّلُوعِ كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ.
(بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَمَا لَا يُفْسِدُهُ)
الْفَسَادُ وَالْبُطْلَانُ فِي الْعِبَادَاتِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَهِيَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ انْدِفَاعُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِالْإِتْيَانِ بِالشَّرَائِطِ، وَالْأَرْكَانِ، وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ الْوَضْعِيَّةِ، وَقَدْ أُنْكِرَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا حُكْمُنَا بِهِ عَقْلِيٌّ عَلَى مَا عُرِفَ فِي تَحْرِيرِ الْأُصُولِ بِخِلَافِهِمَا فِي الْمُعَامَلَاتِ، فَإِنَّ تَرَتُّبَ أَثَرِ الْمُعَامَلَةِ مَطْلُوبَ التَّفَاسُخِ شَرْعًا هُوَ الْفَسَادُ، وَغَيْرُ مَطْلُوبِ التَّفَاسُخِ هُوَ الصِّحَّةُ، وَعَدَمُ تَرَتُّبِ الْأَثَرِ أَصْلًا هُوَ الْبُطْلَانُ (قَوْلُهُ فَإِنْ أَكَلَ الصَّائِمُ، أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا إلَى آخِرِهِ) لِحَدِيثِ الْجَمَاعَةِ إلَّا النَّسَائِيّ «مَنْ نَسِيَ، وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» وَالْمُرَادُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيُّ لَا اللُّغَوِيُّ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ الْإِمْسَاكِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ حَيْثُ أَمْكَنَ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ وَاجِبٌ خُصُوصًا قَدْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ «، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْك» وَعِنْدَ الْبَزَّارِ «فَلَا يُفْطِرْ» وَأُلْحِقَ الْجِمَاعُ بِهِ دَلَالَةً لِلِاسْتِوَاءِ فِي الرُّكْنِيَّةِ لَا قِيَاسًا فَانْدَفَعَ بِهِ الْقِيَاسُ الْمُقْتَضِي لِلْفِطْرِ لِفَوَاتِ الرُّكْنِ، وَحَقِيقَةُ النِّسْيَانِ عَدَمُ اسْتِحْضَارِ الشَّيْءِ وَقْتَ حَاجَتِهِ قَالُوا: وَلَيْسَ عُذْرًا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَفِي حُقُوقِهِ - تَعَالَى - عُذْرٌ فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ أَمَّا الْحُكْمُ فَإِنْ كَانَ مَعَ مُذَكِّرٍ، وَلَا دَاعِيَ إلَيْهِ كَأَكْلِ الْمُصَلِّي لَمْ يَسْقُطْ لِتَقْصِيرِهِ بِخِلَافِ سَلَامِهِ فِي الْقَعْدَةِ فَإِنَّهُ سَاقِطٌ لِوُجُودِ الدَّاعِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ مُذَكِّرٍ وَلَهُ دَاعٍ كَأَكْلِ الصَّائِمِ سَقَطَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُذَكِّرٌ، وَلَا دَاعٍ فَأَوْلَى بِالسُّقُوطِ كَتَرْكِ الذَّابِحِ التَّسْمِيَةَ، وَخَرَجَ مَا إذَا أَكَلَ نَاسِيًا فَذَكَّرَهُ إنْسَانٌ بِالصَّوْمِ، وَلَمْ يَتَذَكَّرْ فَأَكَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ فِي الصَّحِيحِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِأَنَّ هَذَا الْأَكْلَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي الدِّيَانَاتِ مَقْبُولٌ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى تَأَمُّلِ الْحَالِ لِوُجُودِ الْمُذَكِّرِ
ــ
[منحة الخالق]
أَوْلَى، وَإِذَا كَانَتْ الِاسْتِفَاضَةُ فِي حُكْمِ الثُّبُوتِ لَزِمَ الْعَمَلُ بِهَا هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِفَاضَةِ تَوَاتُرُ الْخَبَرِ مِنْ الْوَارِدِينَ مِنْ بَلْدَةِ الثُّبُوتِ إلَى الْبَلْدَةِ الَّتِي لَمْ يَثْبُتْ بِهَا لَا مُجَرَّدُ الِاسْتِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مَبْنِيَّةً عَلَى إخْبَارِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَثَلًا فَيَشِيعُ الْخَبَرُ عَنْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَا يَكْفِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: إذَا اسْتَفَاضَ الْخَبَرُ، وَتَحَقَّقَ فَإِنَّ التَّحْقِيقَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَا ذَكَرْنَا
(تَتِمَّةٌ) لَمْ يَذْكُرُوا عِنْدَنَا الْعَمَلَ بِالْأَمَارَاتِ الظَّاهِرَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ثُبُوتِ الشَّهْرِ كَضَرْبِ الْمَدَافِعِ فِي زَمَانِنَا وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهَا عَلَى مَنْ سَمِعَهَا مِمَّنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ الْمِصْرِ كَأَهْلِ الْقُرَى وَنَحْوِهَا كَمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا الْحَاكِمَ قَبْلَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ الشَّافِعِيَّةُ فَصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ فِي التُّحْفَةِ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالْإِمَارَةِ الظَّاهِرَةِ الدَّالَّةِ الَّتِي لَا تَتَخَلَّفُ عَادَةً كَرُؤْيَةِ الْقَنَادِيلِ الْمُعَلَّقَةِ بِالْمَنَائِرِ قَالَ: وَمُخَالَفَةُ جَمْعٍ فِي ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحَة اهـ.
[بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَمَا لَا يُفْسِدُهُ]
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِهِمَا فِي الْمُعَامَلَاتِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: يَعْنِي: الْفَسَادُ وَالْبُطْلَانُ فِي الْمُعَامَلَاتِ مُتَسَاوِيَانِ، وَفِي الْعِبَادَاتِ مُتَغَايِرَانِ وَقَوْلُهُ: مَطْلُوبَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِيَّةِ وَقَوْلُهُ: هُوَ الْفَسَادُ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ إنَّ يَعْنِي أَنَّ الْعَقْدَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْفَسْخِ فَاسِدٌ، وَغَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ لَهُ صَحِيحٌ، وَاَلَّذِي لَمْ يَنْعَقِدْ أَصْلًا بَاطِلٌ (قَوْلُهُ: إلَى آخِرِهِ) إنَّمَا أَتَى بِهَذِهِ الْغَايَةِ لِصِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ لَمْ يُفْطِرْ الَّذِي هُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ الِاسْتِدْلَال عَلَى عَدَمِ الْفِطْرِ فِيمَا ذَكَرَهُ فَقَطْ لَا فِيمَا عَطَفَ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ: أَوْ احْتَلَمَ أَوْ أَنْزَلَ بِنَظَرٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ الْجَمَاعَةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: الْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا كَفَّارَةَ» لِجَوَازِ أَنْ يُرَادَ بِالصَّوْمِ اللُّغَوِيُّ؛ لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ فِطْرِهِ يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ تَشَبُّهًا، وَبِهِ يُسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِمْ: إذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثَبَتَ فِي الْجِمَاعِ دَلَالَةً؛ إذْ لَفْظُ أَفْطَرَ يَعُمُّ مَا إذَا كَانَ بِالْجِمَاعِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ: فَسَدَ صَوْمُهُ فِي الصَّحِيحِ)
وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَذْكُرَهُ إنْ كَانَ شَيْخًا؛ لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ الصَّائِمُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَالسُّكُوتُ عَنْهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، وَلِأَنَّ الشَّيْخُوخَةَ مَظِنَّةُ الْمَرْحَمَةِ، وَإِنْ كَانَ شَابًّا يَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ يُكْرَهُ أَنْ لَا يُخْبِرَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْوَلْوَالِجِيَّ قَالَ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، وَلَوْ بَدَأَ بِالْجِمَاعِ نَاسِيًا فَتَذَكَّرَ إنْ نَزَعَ مِنْ سَاعَتِهِ لَمْ يُفْطِرْ، وَإِنْ دَامَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ثُمَّ قِيلَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: هَذَا إذَا لَمْ يُحَرِّكْ نَفْسَهُ بَعْدَ التَّذَكُّرِ حَتَّى أَنْزَلَ فَإِنْ حَرَّكَ نَفْسَهُ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ نَزَعَ ثُمَّ أَدْخَلَ، وَلَوْ جَامَعَ عَامِدًا قَبْلَ الْفَجْرِ وَطَلَعَ النَّزْعُ فِي الْحَالِ فَإِنْ حَرَّكَ نَفْسَهُ فَهُوَ عَلَى هَذَا نَظِيرُ مَا قَالُوا لَوْ أَوْلَجَ ثُمَّ قَالَ لَهَا: إنْ جَامَعْتُك فَأَنْت طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ إنْ نَزَعَ أَوْ لَمْ يَنْزِعْ، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ حَتَّى أَنْزَلَ لَمْ تَطْلُقْ، وَلَا تُعْتَقُ، وَإِنْ حَرَّكَ نَفْسَهُ طَلُقَتْ وَعَتَقَتْ وَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالْحَرَكَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَجِبُ لِلْأَمَةِ الْعُقْرُ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ أَصْبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُتَلَوِّمًا ثُمَّ أَكَلَ نَاسِيًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَنَوَى صَوْمًا ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَفِي الْبَقَّالِيِّ النِّسْيَانُ قَبْلَ النِّيَّةِ كَمَا بَعْدَهَا، وَصَحَّحَهُ فِي الْقُنْيَةِ قُيِّدَ بِالنَّاسِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُخْطِئًا أَوْ مُكْرَهًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ بِالنَّاسِي، وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَغْلِبُ وُجُودَهُ وَعُذْرُ النِّسْيَانِ غَالِبٌ، وَلِأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَالْإِكْرَاهُ مِنْ قِبَلِ غَيْرِهِ فَيَفْتَرِقَانِ كَالْمُقَيَّدِ وَالْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْأَدَاءِ بِالرَّأْسِ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ حَيْثُ يَقْضِي الْمُقَيَّدُ لَا الْمَرِيضُ
وَأَمَّا حَدِيثُ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» فَهُوَ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ، وَقَدْ أُرِيدَ الْحُكْمُ الْأُخْرَوِيُّ فَلَا حَاجَةَ إلَى إرَادَةِ الدُّنْيَوِيِّ؛ إذْ هُوَ لَا عُمُومَ لَهُ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَحَقِيقَةُ الْخَطَأِ أَنْ يَقْصِدَ بِالْفِعْلِ غَيْرَ الْمَحَلِّ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ الْجِنَايَةَ كَالْمَضْمَضَةِ تَسْرِي إلَى الْحَلْقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ صُورَةِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ هُنَا أَنَّ الْمُخْطِئَ ذَاكِرٌ لِلصَّوْمِ، وَغَيْرُ قَاصِدٍ لِلشُّرْبِ وَالنَّاسِي عَكْسُهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُخْطِئُ غَيْرَ ذَاكِرٍ لِلصَّوْمِ وَغَيْرَ قَاصِدٍ لِلشُّرْبِ لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ النَّاسِي هُنَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالْخَطَأِ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَتَمَامُهُ فِي تَحْرِيرِ الْأُصُولِ وَمِمَّا أُلْحِقَ بِالْمُكْرَهِ النَّائِمُ إذَا صُبَّ فِي حَلْقِهِ مَا يُفْطِرُ، وَكَذَا النَّائِمَةُ إذَا جَامَعَهَا زَوْجُهَا، وَلَمْ تَنْتَبِهْ، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَمَى إلَى رَجُلٍ حَبَّةَ عِنَبٍ فَدَخَلَتْ حَلْقَهُ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَمَا عَنْ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى فِيمَنْ اغْتَسَلَ وَدَخَلَ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ لَمْ يَفْسُدْ اهـ.
ــ
[منحة الخالق]
ظَاهِرُ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْفَسَادِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ النِّصَابِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُذَكِّرَهُ إنْ كَانَ شَيْخًا إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَمَنْ رَأَى صَائِمًا يَأْكُلُ نَاسِيًا إنْ رَأَى لَهُ قُوَّةً تُمْكِنُهُ أَنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ بِلَا ضَعْفٍ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ لَا يُخْبِرَهُ، وَإِنْ كَانَ بِحَالِ يَضْعُفُ بِالصَّوْمِ، وَلَوْ أَكَلَ يَتَقَوَّى عَلَى سَائِرِ الطَّاعَاتِ يَسَعُهُ أَنْ لَا يُخْبِرَهُ اهـ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَقَوْلُ الشَّارِحِ إنْ كَانَ شَابًّا ذَكَّرَهُ أَوْ شَيْخًا لَا جَرَى عَلَى الْغَالِبِ ثُمَّ هَذَا التَّفْصِيلُ جَرَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَفِي السِّرَاجِ عَنْ الْوَاقِعَاتِ إنْ رَأَى فِيهِ قُوَّةَ أَنْ يُتِمَّ الصَّوْمَ إلَى اللَّيْلِ ذَكَّرَهُ وَإِلَّا فَلَا وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُذَكِّرُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ، وَلَوْ قَضَاءً أَوْ كَفَّارَةً وَالنَّفَلِ فِي أَنَّهُ يُذَكِّرُهُ أَوَّلًا
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ الصَّائِمُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ تَعْلِيلُهُ بِذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَا يَفْعَلُهُ مَعْصِيَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَكَذَا النَّوْمُ عَنْ صَلَاةٍ كَمَا صَرَّحُوا أَنَّهُ يُكْرَهُ السَّهَرُ إذَا خَافَ فَوْتَ الصُّبْحِ لَكِنَّ النَّاسِيَ أَوْ النَّائِمَ غَيْرُ قَادِرٍ فَسَقَطَ الْإِثْمُ عَنْهُمَا لَكِنْ وَجَبَ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ حَالَهُمَا تَذْكِيرُ النَّاسِي، وَإِيقَاظُ النَّائِمِ إلَّا فِي حَقِّ الضَّعِيفِ عَنْ الصَّوْمِ مَرْحَمَةً لَهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ دَامَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَنْزَلَ) لَيْسَ الْإِنْزَالُ شَرْطًا فِي إفْسَادِ الصَّوْمِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِبَيَانِ حُكْمِ الْكَفَّارَةِ فِي قَوْلِهِ ثُمَّ قِيلَ إلَخْ نَبَّهَ عَلَيْهِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي الْإِمْدَادِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ عَلَى هَذَا) قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ: يَعْنِي فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ أَمَّا إفْسَادُ الصَّوْمِ فَيَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْمُكْثِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ (قَوْلُهُ: وَفِي الْبَقَّالِيِّ: النِّسْيَانُ قَبْلَ النِّيَّةِ كَمَا بَعْدَهَا) أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُتَلَوِّمِ لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الصَّائِمِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْقُنْيَةِ نَقَلَ التَّصْحِيحَ عَقِبَ مَسْأَلَةِ الْمُتَلَوِّمِ فَقَالَ بَعْدَ مَا رَمَزَ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ: وَالصَّحِيحُ فِي النِّسْيَانِ قَبْلَ النِّيَّةِ أَنَّهُ كَمَا بَعْدَهَا اهـ.
وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ رَمَضَانَ مُعَيَّنٌ لِلصَّوْمِ بِتَعْيِينِ الشَّارِعِ فَإِذَا أَكَلَ الْمُتَلَوِّمُ نَاسِيًا فِيهِ لَا يَضُرُّهُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَتْ رَمَضَانِيَّتُهُ وَكَانَ هُوَ مُتَلَوِّمًا فِي مَعْنَى الصَّائِمِ صَارَ كَأَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ النِّيَّةِ بِخِلَافِ النَّفْلِ فَإِنَّهُ لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا ثُمَّ نَوَى النَّفَلَ
فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُتَعَيِّنًا لِلصَّوْمِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَلِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ النِّيَّةُ لَا حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ النِّسْيَانُ وَلِذَا قَالَ فِي السِّرَاجِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فَإِنْ أَكَلَ الصَّائِمُ إذْ لَوْ أَكَلَ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ نَاسِيًا ثُمَّ نَوَى الصَّوْمَ لَمْ يُجْزِهِ اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَحَقِيقَةُ الْخَطَأِ أَنْ يَقْصِدَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَفِي الْفَتْحِ الْمُرَادُ بِالْمُخْطِئِ مَنْ فَسَدَ صَوْمُهُ بِفِعْلِهِ الْمَقْصُودِ دُونَ قَصْدِ الْفَسَادِ كَمَنْ تَسَحَّرَ عَلَى ظَنِّ عَدَمِ الْفَجْرِ أَوْ أَكَلَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ فِي الْفَجْرِ وَرَمَضَانَ اهـ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَظَاهِرٌ أَنَّ التَّسَحُّرَ لَيْسَ قَيْدًا بَلْ لَوْ جَامَعَ عَلَى هَذَا الظَّنِّ فَهُوَ مُخْطِئٌ اهـ.
قُلْت: بَلْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي السِّرَاجِ وَبِهِ يُسْتَغْنَى عَنْ التَّكَلُّفِ لِتَصْوِيرِ الْخَطَأِ فِي الْجِمَاعِ بِمَا إذَا بَاشَرَهَا مُبَاشَرَةً فَاحِشَةً فَتَوَارَتْ حَشَفَتُهُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ: وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالْخَطَأِ جَائِزَةٌ) أَيْ عَقْلًا كَمَا
خِلَافُ الْمَذْهَبِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: النَّائِمُ إذَا شَرِبَ فَسَدَ صَوْمُهُ وَلَيْسَ هُوَ كَالنَّاسِي؛ لِأَنَّ النَّائِمَ ذَاهِبُ الْعَقْلِ وَإِذَا ذَبَحَ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ، وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ مَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ احْتَلَمَ أَوْ أَنْزَلَ بِنَظَرٍ) أَيْ لَا يُفْطِرُ لِحَدِيثِ السُّنَنِ «لَا يُفْطِرُ مَنْ قَاءَ، وَلَا مَنْ احْتَلَمَ، وَلَا مَنْ احْتَجَمَ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْجِمَاعُ صُورَةً لِعَدَمِ الْإِيلَاجِ حَقِيقَةً، وَلَا مَعْنَى لِعَدَمِ الْإِنْزَالِ عَنْ شَهْوَةِ الْمُبَاشَرَةِ؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّ مَنْ جَامَعَ فِي رَمَضَانَ قَبْلَ الصُّبْحِ فَلَمَّا خَشِيَ أَخْرَجَ فَأَنْزَلَ بَعْدَ الصُّبْحِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الِاحْتِلَامِ لِوُجُودِ صُورَةِ الْجِمَاعِ مَعْنًى قَالُوا الصَّائِمُ إذَا عَالَجَ ذَكَرَهُ حَتَّى أَمْنَى يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ والولوالجية وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ
وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ وَصَحَّحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِصِيغَةِ: وَالْأَصَحُّ عِنْدِي قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لِعَدَمِ الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى، وَهُوَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ الْمَأْخُوذَةَ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا مُبَاشَرَةَ الْغَيْرِ أَوَّلًا بِأَنْ يُرَادَ مُبَاشَرَةٌ هِيَ سَبَبُ الْإِنْزَالِ سَوَاءٌ كَانَ مَا بُوشِرَ مِمَّا يُشْتَهَى عَادَةً أَوْ لَا وَلِهَذَا أَفْطَرَ بِالْإِنْزَالِ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ وَالْمَيْتَةِ وَلَيْسَا مِمَّا يُشْتَهَى عَادَةً وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ عَدَمِ الْإِفْطَارِ بِالْإِنْزَالِ فِي الْبَهِيمَةِ فَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: إنَّ هَذَا الْقَوْلَ زَلَّةٌ مِنْهُ وَهَلْ يَحِلُّ الِاسْتِمْنَاءُ بِالْكَفِّ خَارِجَ رَمَضَانَ إنْ أَرَادَ الشَّهْوَةَ لَا يَحِلُّ لِقَوْلِهِ عليه السلام «نَاكِحُ الْيَدِ مَلْعُونٌ» ، وَإِنْ أَرَادَ تَسْكِينَ الشَّهْوَةِ يُرْجَى أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ وَبَالٌ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي رَمَضَانَ لَا يَحِلُّ مُطْلَقًا أَطْلَقَ فِي النَّظَرِ فَشَمِلَ مَا إذَا نَظَرَ إلَى وَجْهِهَا أَوْ فَرْجِهَا كَرَّرَ النَّظَرَ أَوْ لَا وَقَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ فَأَنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ لِوُجُودِ مَعْنَى الْجِمَاعِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُنْزِلْ حَيْثُ لَا يَفْسُدُ لِعَدَمِ الْمُنَافِي صُورَةً وَمَعْنًى، وَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِهِ أَوْ قَبَّلَ بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ وَالْمُصَاهَرَةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُنَاكَ أَدْبَرَ عَلَى السَّبَبِ عَلَى مَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -
وَاللَّمْسُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَالْمُصَافَحَةُ وَالْمُعَانَقَةُ كَالْقُبْلَةِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى كَمَالِ الْجِنَايَةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا الْعُقُوبَةُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لِجَبْرِ الْفَائِتِ، وَهُوَ قَدْ حَصَلَ فَكَانَتْ زَاجِرَةً فَقَطْ وَلِهَذَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ إذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْجِمَاعَ وَالْإِنْزَالَ، وَيُكْرَهُ إذَا لَمْ يَأْمَنْ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ لَيْسَ بِمُفْطِرٍ وَرُبَّمَا يَصِيرُ فِطْرًا بِعَاقِبَتِهِ فَإِنْ أَمِنَ اُعْتُبِرَ عَيْنُهُ وَأُبِيحَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ اُعْتُبِرَ عَاقِبَتُهُ وَيُكْرَهُ لَهُ وَالْمُبَاشَرَةُ كَالْقُبْلَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ وَاخْتَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهَا سَبَبٌ غَالِبٌ لِلْإِنْزَالِ، وَجَزَمَ بِالْكَرَاهَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافِ الْوَلْوَالِجِيِّ فِي فَتَاوِيهِ وَيَشْهَدُ لِلتَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُبْلَةِ الْحَدِيثُ مِنْ تَرْخِيصِهِ لِلشَّيْخِ وَنَهْيِهِ الشَّابَّ، وَالتَّقْبِيلُ الْفَاحِشُ كَالْمُبَاشَرَةِ الْفَاحِشَةِ، وَهُوَ أَنْ يَمْضُغَ شَفَتَيْهَا كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ قَبَّلَهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ قَبَّلَتْهُ وَوَجَدَتْ لَذَّةَ الْإِنْزَالِ، وَلَمْ تَرَ بَلَلًا فَسَدَ صَوْمُهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَكَذَا فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَالْمُرَادُ بِاللَّمْسِ اللَّمْسُ بِلَا حَائِلٍ فَإِنْ مَسَّهَا وَرَاءَ الثِّيَابِ فَأَمْنَى فَإِنْ وَجَدَ حَرَارَةَ جِلْدِهَا فَسَدَ، وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ مَسَّتْ زَوْجَهَا فَأَنْزَلَ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ
وَقِيلَ: إنْ تَكَلَّفَ لَهُ فَسَدَ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ أَيْضًا، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَلَوْ مَسَّ فَرْجَ بَهِيمَةٍ فَأَنْزَلَ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ فَإِنْ عَمِلَتْ الْمَرْأَتَانِ عَمَلَ الرِّجَالِ مِنْ الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ إنْ أَنْزَلَتَا فَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلَا فَلَا غُسْلَ، وَلَا قَضَاءَ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَصْبَحَ جُنُبًا لَا يَضُرُّهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ أَوْ ادَّهَنَ أَوْ احْتَجَمَ أَوْ اكْتَحَلَ أَوْ قَبَّلَ) أَيْ لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّ الِادِّهَانَ غَيْرُ مُنَافٍ لِلصَّوْمِ، وَلِعَدَمِ وُجُودِ الْمُفْطِرِ صُورَةً وَمَعْنًى وَالدَّاخِلُ مِنْ الْمَسَامِّ لَا مِنْ الْمَسَالِكِ فَلَا يُنَافِيهِ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، وَوَجَدَ بَرْدَهُ فِي كَبِدِهِ، وَإِنَّمَا كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ الدُّخُولَ فِي الْمَاءِ وَالتَّلَفُّفَ بِالثَّوْبِ الْمَبْلُولِ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الضَّجَرِ فِي إقَامَةِ الْعِبَادَةِ لَا؛ لِأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ الْإِفْطَارِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَكَذَا
ــ
[منحة الخالق]
فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ وَلِذَا سُئِلَ - تَعَالَى - عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَرَادَ تَسْكِينَ الشَّهْوَةِ) أَيْ الشَّهْوَةِ الْمُفْرِطَةِ الشَّاغِلَةِ لِلْقَلْبِ، وَكَانَ عَزَبًا لَا زَوْجَةَ لَهُ، وَلَا أَمَةَ أَوْ كَانَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إلَيْهَا لِعُذْرٍ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ (قَوْلُهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ) هِيَ أَنْ يُعَانِقَهَا، وَهُمَا مُتَجَرِّدَانِ، وَيَمَسَّ فَرْجُهُ فَرْجَهَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَهَذَا مَكْرُوهٌ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ إذَا بَلَغَتْ هَذَا الْمَبْلَغَ تُفْضِي إلَى الْجِمَاعِ غَالِبًا اهـ. تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنْ تَكَلَّفَ لَهُ فَسَدَ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: يَنْبَغِي تَرْجِيحُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى فِي سَبَبِيَّةِ الْإِنْزَالِ تَأَمَّلْ
الِاحْتِجَامُ غَيْرُ مُنَافٍ أَيْضًا، وَلِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِلصَّائِمِ إذَا كَانَ يُضْعِفُهُ عَنْ الصَّوْمِ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَخَافُهُ فَلَا بَأْسَ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَكَذَا الِاكْتِحَالُ، وَأَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَوْ لَا وَكَذَا لَوْ بَزَقَ فَوَجَدَ لَوْنَهُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي حَلْقِهِ أَثَرُهُ لَا عَيْنُهُ كَمَا لَوْ ذَاقَ شَيْئًا، وَكَذَا لَوْ صُبَّ فِي عَيْنِهِ لَبَنٌ أَوْ دَوَاءٌ مَعَ الدُّهْنِ فَوَجَدَ طَعْمَهُ، أَوْ مَرَارَتَهُ فِي حَلْقِهِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ كَهَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ مَصَّ الْهِلَيلَجَ وَجَعَلَ يَمْضُغُهَا فَدَخَلَ الْبُزَاقُ حَلْقَهُ، وَلَا يَدْخُلُ عَيْنُهَا فِي جَوْفِهِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ فَإِنْ فَعَلَ هَذَا بِالْفَانِيدِ أَوْ السُّكْرِ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَفِي مَآلِ الْفَتَاوَى لَوْ أَفْطَرَ عَلَى الْحَلَاوَةِ فَوَجَدَ طَعْمَهَا فِي فَمِهِ فِي الصَّلَاةِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَأَمَّا الْقُبْلَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا
(قَوْلُهُ أَوْ دَخَلَ حَلْقَهُ غُبَارٌ أَوْ ذُبَابٌ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ) يَعْنِي لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّ الذُّبَابَ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ فَشَابَهُ الدُّخَانُ وَالْغُبَارُ لِدُخُولِهِمَا مِنْ الْأَنْفِ إذَا طَبَّقَ الْفَمَ قُيِّدَ بِمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَصَلَ لِحَلْقِهِ دُمُوعُهُ أَوْ عَرَقُهُ أَوْ دَمُ رُعَافِهِ أَوْ مَطَرٌ أَوْ ثَلْجٌ فَسَدَ صَوْمُهُ لِتَيَسُّرِ طَبْقِ الْفَمِ وَفَتْحِهِ أَحْيَانَا مَعَ الِاحْتِرَازِ عَنْ الدُّخُولِ، وَإِنْ ابْتَلَعَهُ مُتَعَمِّدًا أَلْزَمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَاعْتِبَارُ الْوُصُولِ إلَى الْحَلْقِ فِي الدَّمْعِ وَنَحْوِهِ مَذْكُورٌ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا فِي الْخِزَانَةِ مِنْ تَقْيِيدِ الْفَسَادِ بِوِجْدَانِ الْمُلُوحَةِ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَنَفْيِ الْفَسَادِ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَطْرَةَ يَجِدُ مُلُوحَتَهَا فَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وَالتَّعْلِيلُ فِي الْمَطَرِ بِمَا ذَكَرْنَا أَوْلَى مِمَّا فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّبْيِينِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِإِمْكَانِ أَنْ تَأْوِيَهُ خَيْمَةٌ أَوْ سَقْفٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُسَافِرَ الَّذِي لَا يَجِدُ مَا يَأْوِيهِ لَيْسَ حُكْمُهُ كَغَيْرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: وَإِذَا نَزَّلَ الدُّمُوعَ مِنْ عَيْنَيْهِ إلَى فَمِهِ فَابْتَلَعَهَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ
وَفِي مُتَفَرِّقَاتِ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ إنْ تَلَذَّذَ بِابْتِلَاعِ الدُّمُوعِ يَجِبُ الْقَضَاءُ مَعَ الْكَفَّارَةِ، وَغُبَارُ الطَّاحُونَةِ كَالدُّخَانِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: الدَّمُ إذَا خَرَجَ مِنْ الْأَسْنَانِ وَدَخَلَ الْحَلْقَ إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْبُزَاقِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَإِنْ كَانَتْ لِلدَّمِ فَسَدَ، وَكَذَا إنْ اسْتَوَيَا احْتِيَاطًا ثُمَّ قَالَ الصَّائِمُ إذَا دَخَلَ الْمُخَاطُ أَنْفَهٌ مِنْ رَأْسِهِ ثُمَّ اسْتَشَمَّهُ وَدَخَلَ حَلْقَهُ عَلَى تَعَمُّدٍ مِنْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ رِيقِهِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى كَفِّهِ ثُمَّ يَبْتَلِعَهُ فَيَكُونَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَكَذَا الْمُخَاطُ وَالْبُزَاقُ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ أَوْ أَنْفِهِ فَاسْتَشَمَّهُ وَاسْتَنْشَقَهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَوْ ابْتَلَعَ رِيقَ غَيْرِهِ أَفْطَرَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ فِي مَسَائِلَ شَتَّى أَنَّهُ لَوْ ابْتَلَعَ بُزَاقَ غَيْرِهِ كَفَّرَ لَوْ صَدِيقَهُ وَإِلَّا لَا أَقَرَّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ
(قَوْلُهُ أَوْ أَكَلَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ) أَيْ لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ قَلِيلٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَجُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الرِّيقِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ الْمُصَنِّفُ بِالْقِلَّةِ مَعَ أَنَّ الْكَثِيرَ مُفْسِدٌ مُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ دُونَ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِزُفَرَ لِمَا أَنَّ الْكَثِيرَ لَا يَبْقَى بَيْنَ الْأَسْنَانِ، وَهُوَ مِقْدَارُ الْحِمَّصَةِ عَلَى رَأْيِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ أَوْ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْتَلِعَهُ مِنْ غَيْرِ رِيقٍ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الدَّبُوسِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْهُمَامِ وَمَا دُونَهُ قَلِيلٌ، وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا ابْتَلَعَهُ أَوْ مَضَغَهُ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ ابْتِلَاعَهُ أَوْ لَا كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقُيِّدَ بِأَكْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَهُ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ فَسَدَ صَوْمُهُ كَمَا لَوْ ابْتَلَعَ سِمْسِمَةً أَوْ حَبَّةَ حِنْطَةٍ مِنْ خَارِجٍ لَكِنْ تَكَلَّمُوا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَالْمُخْتَارُ الْوُجُوبُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَضَغَهَا حَيْثُ لَا يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهَا تَتَلَاشَى إلَّا إذَا كَانَ قَدْرَ الْحِمَّصَةِ فَإِنَّ صَوْمَهُ يَفْسُدُ، وَفِي الْكَافِي فِي السِّمْسِمَةِ قَالَ إنْ مَضَغَهَا لَا يَفْسُدُ إلَّا إنْ وَجَدَ طَعْمَهَا فِي حَلْقِهِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهَذَا حَسَنٌ جِدًّا فَلْيَكُنْ الْأَصْلُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ مَضْغَهُ
وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِمَا فِي الْكَافِي، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ يَوْمًا وَسَأَلَهُمْ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي صَائِمِ رَمَضَانَ إذَا ابْتَلَعَ سِمْسِمَةً وَاحِدَةً كَمَا هِيَ أَيُفْطِرُ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَكَلَ كَفًّا مِنْ سِمْسِمٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ وَاحِدَةٍ وَابْتَلَعَ كَمَا هِيَ قَالُوا:
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَطْرَةَ يَجِدُ مُلُوحَتَهَا) كَذَا فِي الْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ: فَالْأَوْلَى عِنْدِي الِاعْتِبَارُ بِوُجُودِ أَنَّ الْمُلُوحَةَ لِصَحِيحِ الْحِسِّ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: لَوْ دَخَلَ دَمْعُهُ أَوْ عَرَقُ جَبِينِهِ أَوْ دَمُ رُعَافِهِ حَلْقَهُ فَسَدَ صَوْمُهُ يُوَافِقُ مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ عَلَّقَ بِوُصُولِهِ إلَى الْحَلْقِ وَمُجَرَّدُ وِجْدَانِ الْمُلُوحَةِ دَلِيلٌ ذَلِكَ اهـ.
قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ: فِي الْخُلَاصَةِ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ لَا فِطْرَ أَمَّا فِي الْأَكْثَرِ فَإِنْ وَجَدَ الْمُلُوحَةَ فِي جَمِيعِ الْفَمِ وَاجْتَمَعَ شَيْءٌ كَثِيرٌ وَابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي تَعْلِيقِ الْحُكْمِ عَلَى وِجْدَانِ الْمُلُوحَةِ فِي جَمِيعِ الْفَمِ؛ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْقَطْرَةَ وَالْقَطْرَتَيْنِ لَيْسَا كَذَلِكَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ فَتَدَبَّرْ اهـ.
وَفِي الْإِمْدَادِ عَنْ الْمَقْدِسِيَّ الْقَطْرَةُ لِقِلَّتِهَا لَا يَجِدُ طَعْمَهَا فِي الْحَلْقِ لِتَلَاشِيهَا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: لِمَا أَنَّ الْكَثِيرَ لَا يَبْقَى) قَالَ فِي النَّهْرِ: مَمْنُوعٌ إذْ قَدَّرَ الْمُفْطِرُ مِمَّا يَبْقَى، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّارِحُ الْمُرَادُ بِمَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ الْقَلِيلُ اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ.
نَعَمْ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ قَالَ بِالْأُولَى أَمْ بِالْأَخِيرَةِ قَالُوا لَا بَلْ بِالْأُولَى قَالَ الْحَاكِمُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ فَعَلَى قِيَاسِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَجِبُ الْقَضَاءُ مَعَ الْكَفَّارَةِ إذَا ابْتَلَعَهَا كَمَا هِيَ اهـ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَذَكَرَ قَبْلَهَا، وَإِذَا ابْتَلَعَ حَبَّةَ الْعِنَبِ إنْ مَضَغَهَا قَضَى وَكَفَّرَ، وَإِنْ ابْتَلَعَهَا كَمَا هِيَ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ثُفْرُوقُهَا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا ثُفْرُوقُهَا قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مَعَ الْكَفَّارَةِ، وَقَالَ أَبُو سُهَيْلٍ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ مَعَ ذَلِكَ عَادَةً وَأَرَادَ بِالثُّفْرُوقِ هَا هُنَا مَا يَلْتَزِقُ بِالْعُنْقُودِ مِنْ حَبِّ الْعِنَبِ وَثُقْبَتُهُ مَسْدُودَةٌ بِهِ، وَإِنْ ابْتَلَعَ تُفَّاحَةً رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ ثُمَّ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ، وَهُوَ قَدْرُ الْحِمَّصَةِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَكَلَ بَعْضَ لُقْمَةٍ وَبَقِيَ الْبَعْضُ بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَشَرَعَ فِيهَا وَابْتَلَعَ الْبَاقِيَ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ مَا لَمْ تَبْلُغْ مِلْءَ الْفَمِ وَقَدْرَ الْحِمَّصَةِ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ بِخِلَافِ الصَّوْمِ (قَوْلُهُ أَوْ قَاءَ وَعَادَ لَمْ يُفْطِرْ) لِحَدِيثِ السُّنَنِ «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ، وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ» وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْعَوْدَ لِيُفِيدَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْقَيْءِ بِلَا عَوْدٍ لَا يُفْطِرُ بِالْأَوْلَى وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا مَلَأ الْفَمَ أَوْ لَا، وَفِيمَا إذَا عَادَ وَمَلَأَ الْفَمَ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِعَدَمِ وُجُودِ الصُّنْعِ وَلِعَدَمِ وُجُودِ صُورَةِ الْفِطْرِ، وَهُوَ الِابْتِلَاعُ، وَكَذَا مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَغَذَّى بِهِ بَلْ النَّفْسُ تَعَافُهُ.
(قَوْلُهُ، وَإِنْ أَعَادَهُ أَوْ اسْتَقَاءَ أَوْ ابْتَلَعَ حَصَاةً أَوْ حَدِيدًا قَضَى فَقَطْ) أَيْ أَعَادَ الْقَيْءَ أَوْ قَاءَ عَامِدًا وَابْتَلَعَ مَا لَا يُتَغَذَّى بِهِ، وَلَا يُتَدَاوَى بِهِ عَادَةً فَسَدَ صَوْمُهُ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَ فِي الْإِعَادَةِ فَشَمِلَ مَا إذَا لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِوُجُودِ الصُّنْعِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَفْسُدُ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ شَرْعًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِمِلْءِ الْفَمِ وَأَطْلَقَ فِي الِاسْتِقَاءِ فَشَمِلَ مَا إذَا لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَلَا يُفْطِرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لَكِنْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي كَافِيهِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ: وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيِّدْ الِاسْتِقَاءَ بِالْعَمْدِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ لِمَا قَدَّمَهُ أَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُفْطِرُ
وَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ ذِكْرَ الْعَمْدِ مَعَ الِاسْتِقَاءِ تَأْكِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الْعَمْدِ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ يُخْرِجُ النِّسْيَانَ إنْ مُتَعَمِّدًا لِفِطْرِهِ لَا مُتَعَمِّدًا لِلْقَيْءِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ صُوَرَ الْمَسَائِلِ اثْنَا عَشَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ أَوْ اسْتَقَاءَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَمْلَأَ الْفَمَ أَوْ لَا وَكُلٌّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَمَّا إنْ عَادَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَعَادَهُ أَوْ خَرَجَ، وَلَمْ يُعِدْهُ، وَلَا عَادَ بِنَفْسِهِ، وَأَنَّ صَوْمَهُ لَا يَفْسُدُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْجَمِيعِ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ فِي الْإِعَادَةِ بِشَرْطِ مِلْءِ الْفَمِ، وَفِي الِاسْتِقَاءِ بِشَرْطِ مِلْءِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَعَهَا تَفْرُوقُهَا إلَخْ) قَالَ فِي السِّرَاجِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ وَصَلَ تَفْرُوقُهَا إلَى الْجَوْفِ أَوَّلًا أَنْ لَا تَجِبَ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ وَصَلَ اللُّبُّ أَوَّلًا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ (قَوْلُهُ: وَأَرَادَ بِالتُّفْرُوقِ هَا هُنَا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ عَنْ الْقَامُوسِ: التُّفْرُوقُ بِالضَّمِّ قِمْعُ الثَّمَرَةِ أَوْ مَا يَلْتَزِقُ بِهِ قِمْعُهَا جَمْعُهُ تَفَارِيقُ.
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الْخُرُوجِ شَرْعًا) ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ مِلْءِ الْفَمِ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِخِلَافِ مَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ فَإِنَّ لَهُ حُكْمَ الْخَارِجِ، وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَحَدُهُمَا إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ وَعَادَ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ قَدْرَ الْحِمَّصَةِ لَمْ يُفْطِرْ إجْمَاعًا أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا صُنْعَ لَهُ فِي الْإِدْخَالِ، وَالثَّانِيَةُ إنْ كَانَ مَلْءَ الْفَمِ وَأَعَادَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ قَدْرَ الْحِمَّصَةِ فَصَاعِدًا أَفْطَرَ إجْمَاعًا أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلِأَنَّهُ مِلْءُ الْفَمِ فَكَانَ خَارِجًا، وَمَا كَانَ خَارِجًا إذَا أَدْخَلَهُ جَوْفَهُ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: قَدْ وُجِدَ مِنْهُ الصُّنْعُ، وَالثَّالِثَةُ: إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ وَأَعَادَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ أَفْطَرَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِمَا مَرَّ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُفْطِرُ لِمَا مَرَّ
وَالرَّابِعَةُ إذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ وَعَادَ بِنَفْسِهِ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ مِقْدَارَ الْحِمَّصَةِ فَصَاعِدًا أَفْطَرَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ صُورَةُ الْفِطْرِ، وَهُوَ الِابْتِلَاعُ بِصُنْعِهِ، وَلَا مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَغَذَّى بِهِ، وَلِأَنَّهُ كَمَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ خُرُوجِهِ فَكَذَا عَنْ عَوْدِهِ فَجُعِلَ عَفْوًا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيِّدْ الِاسْتِقَاءَ بِالْعَمْدِ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو) سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ وَالصَّوَابُ وُجُودُهُ (قَوْلُهُ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ صُوَرَ الْمَسَائِلِ اثْنَا عَشْرَ إلَخْ) قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى فَالْحَاصِلُ أَنَّهَا تَتَفَرَّعُ إلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ قَاءَ أَوْ اسْتِقَاءَ وَكُلٌّ إمَّا أَنْ يَمْلَأَ الْفَمَ أَوْ دُونَهُ وَكُلٌّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ إمَّا أَنْ خَرَجَ أَوْ عَادَ وَكُلٌّ إمَّا ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ أَوْ لَا، وَلَا فِي فِطْرٍ فِي الْكُلِّ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا فِي الْإِعَادَةِ وَالِاسْتِقَاءِ بِشَرْطِ الْمِلْءِ مَعَ التَّذَكُّرِ لَكِنْ صَحَّحَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَدَمَ الْفِطْرِ بِإِعَادَةِ الْقَلِيلِ وَعَوْدِ الْكَثِيرِ فَتَنَبَّهْ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْبَلْغَمِ أَمَّا هُوَ فَغَيْرُ مُفْسِدٍ مُطْلَقًا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِي الصَّاعِدِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْكَمَالُ وَغَيْرُهُ
(قَوْلُهُ: إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ فِي الْإِعَادَةِ بِشَرْطِ مِلْءِ الْفَمِ، وَفِي الِاسْتِقَاءِ بِشَرْطِ مِلْءِ الْفَمِ) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا سَقَطَ قَوْلُهُ: وَفِي الِاسْتِقَاءِ وَكَانَ يُغْنِيهِ عَلَى الْأُولَى أَنْ يَقُولَ فِي الْإِعَادَةِ أَوْ الِاسْتِقَاءِ بِشَرْطِ مِلْءِ الْفَمِ فِيهِمَا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْمُخْتَارِ لَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَقَوْلُهُ: وَأَنَّ وُضُوءَهُ يُنْتَقَضُ إلَّا فِيمَا إذَا لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَأَنَّ صَوْمَهُ لَا يَفْسُدُ وَهَذِهِ النُّسْخَةُ هِيَ الصَّوَابُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي أَنَّ وُضُوءَهُ يُنْتَقَضُ فِيمَا إذَا لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ بِزِيَادَةِ فِي وَإِسْقَاطِ
الْفَمِ، وَأَنَّ وُضُوءَهُ يَنْتَقِضُ إلَّا فِيمَا إذَا لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْهَا لَوْ قَاءَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ أَعَادَهُ إلَى جَوْفِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى قِيَاسِ الصَّوْمِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَفْسُدُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ تَفْسُدُ، وَإِنْ تَقَيَّأَ فِي صَلَاتِهِ إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ مِلْءُ الْفَمِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ فَصْلِ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ فَلَوْ قَاءَ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ قَصْدِهِ يَبْنِي إذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَإِنْ تَقَيَّأَ لَا يَبْنِي، وَهَذَا إذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبِنَاءِ اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي أَنْوَاعِ الْقَيْءِ وَالِاسْتِقَاءِ فَشَمِلَ مَا إذَا اسْتَقَاءَ بَلْغَمًا مِلْءَ الْفَمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ: لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ هُنَا أَحْسَنُ وَقَوْلُهُمَا فِي عَدَمِ النَّقْضِ بِهِ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ إنَّمَا أُنِيطَ بِمَا يَدْخُلُ أَوْ بِالْقَيْءِ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى طَهَارَةٍ وَنَجَاسَةٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَلْغَمِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتَعْبِيرِي بِالِاسْتِقَاءِ فِي الْبَلْغَمِ أَوْلَى مِمَّا فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْقَيْءِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَوْ اسْتَقَاءَ مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ مِلْءَ فِيهِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ أَوْ غَدْوَةٍ ثُمَّ نِصْفِ النَّهَارِ ثُمَّ عَشِيَّةٍ لَا يَلْزَمُهُ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَتَعْبِيرِي بِالِاسْتِقَاءِ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْقَيْءِ كَمَا فِي الشَّرْحِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اتِّحَادُ السَّبَبِ لَا الْمَجْلِسِ كَمَا فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ وَأَنْ يَكُونَ هُوَ الصَّحِيحَ كَمَا فِي النَّقْضِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا فِي الْخِزَانَةِ مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِالْمَرَّةِ الْأُولَى، وَأَمَّا إذَا ابْتَلَعَ مَا لَا يُتَغَذَّى بِهِ، وَلَا يُتَدَاوَى بِهِ كَالْحَصَاةِ وَالْحَدِيدِ فَلِوُجُودِ صُورَةِ الْفِطْرِ، وَلَا كَفَّارَةَ لِعَدَمِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ إيصَالُ مَا فِيهِ نَفْعُ الْبَدَنِ إلَى الْجَوْفِ فَقَصُرَتْ الْجِنَايَةُ، وَهِيَ لَا تَجِبُ إلَّا بِكَمَالِهَا فَانْتَفَتْ
وَفِي الْقُنْيَةِ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى بِتُرَابٍ أَوْ مَدَرٍ لِأَجْلٍ الْمَعْصِيَةِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ زَجْرًا لَهُ وَكَتَبَ غَيْرُهُ نَعَمْ الْفَتْوَى عَلَى ذَلِكَ وَبِهِ أَفْتَى أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالِابْتِلَاعِ دُونَ الْأَكْلِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ إيصَالِ مَا يَأْتِي فِيهِ الْمَضْغُ، وَهُوَ لَا يَتَأَتَّى فِي الْحَصَاةِ وَكَذَا كُلُّ مَا لَا يُتَغَذَّى بِهِ، وَلَا يُتَدَاوَى بِهِ كَالْحَجَرِ وَالتُّرَابِ وَالدَّقِيقِ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْأُرْزِ وَالْعَجِينِ وَالْمِلْحِ إلَّا إذَا اعْتَادَ أَكْلَهُ وَحْدَهُ، وَلَا فِي النَّوَاةِ وَالْقُطْنِ وَالْكَاغِدِ وَالسَّفَرْجَلِ إذَا لَمْ يُدْرِكْ، وَلَا وَهُوَ مَطْبُوخٌ، وَلَا فِي ابْتِلَاعِ الْجَوْزَةِ الرَّطْبَةِ، وَيَجِبُ لَوْ مَضَغَهَا أَوْ مَضَغَ الْيَابِسَةَ لَا إنْ ابْتَلَعَهَا، وَكَذَا يَابِسُ اللَّوْزِ وَالْبُنْدُقِ وَالْفُسْتُقِ إنْ ابْتَلَعَهُ لَا يَجِبُ، وَإِنْ مَضَغَهُ وَجَبَتْ كَمَا يَجِبُ فِي ابْتِلَاعِ اللَّوْزَةِ الرَّطْبَةِ؛ لِأَنَّهَا تُؤْكَلُ كَمَا هِيَ بِخِلَافِ الْجَوْزَةِ، وَابْتِلَاعُ التُّفَّاحَةِ كَاللَّوْزَةِ، وَالرُّمَّانَةُ وَالْبَيْضَةُ كَالْجَوْزَةِ، وَفِي ابْتِلَاعِ الْبِطِّيخَةِ الصَّغِيرَةِ وَالْخَوْخَةِ الصَّغِيرَةِ وَالْهَلِيلَجَةِ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ، وَتَجِبُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ النِّيء، وَإِنْ كَانَ مَيْتَةً مُنْتِنًا لَا إنْ دَوَّدَ فَلَا تَجِبُ
وَاخْتُلِفَ فِي الشَّحْمِ وَاخْتَارَ أَبُو اللَّيْثِ الْوُجُوبَ وَصَحَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ فَلَوْ كَانَ قَدِيدًا وَجَبَ بِلَا خِلَافٍ، وَتَجِبُ بِأَكْلِ كُلِّ الْحِنْطَةِ وَقَضْمِهَا لَا إنْ مَضَغَ قُمْحَةً لِلتَّلَاشِي
ــ
[منحة الخالق]
إلَّا وَعَلَيْهَا كَتَبَ الرَّمْلِيُّ فَقَالَ: لَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَائِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الصَّلَاةِ أَيْ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ ثُمَّ إنَّ النُّسَخَ هُنَا مُخْتَلِفَةٌ، وَالصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِمَا رَأَيْته فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنْ تَكُونَ الْعِبَارَةُ هُنَا هَكَذَا لَوْ قَاءَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ أَعَادَهُ إلَى جَوْفِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إلَخْ وَمَا قَبْلُ يَجِبُ مِنْ قَوْلِهِ وَأَطْلَقَ فِي أَنْوَاعِ الْقَيْءِ وَالِاسْتِقَاءِ فَشَمِلَ مَا إذَا اسْتَقَاءَ بَلْغَمًا مِلْءَ الْفَمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي انْتِفَاضِ الطَّهَارَةِ
وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ هُنَا أَحْسَنُ إلَى قَوْلِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَحَلُّهُ بَعْدَ تَمَامِ عِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ: وَتَعْبِيرِي بِالِاسْتِقَاءِ إلَخْ) مَوْجُودٌ فِي مَوْضِعَيْنِ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا بَعْدَ مَسْأَلَةِ الْبَلْغَمِ وَالثَّانِي بَعْدَ عِبَارَةِ الْخِزَانَةِ، وَهَذَا الثَّانِي سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ وَالْأَصْوَبُ وُجُودُهُ؛ لِأَنَّ الزَّيْلَعِيَّ عَبَّرَ بِالْقَيْءِ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اتِّحَادُ السَّبَبِ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ لِمَا أَنَّهُ يُفْطِرُ عِنْدَهُ بِمَا دُونَ مِلْءِ الْفَمِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ السَّبَبِ عَلَى قَوْلِهِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ.
قُلْت: مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ التَّفْرِيعُ لَكَانَ يَنْبَغِي اعْتِبَارُ اتِّحَادِ السَّبَبِ وَالْمُرَادُ بِالتَّفْرِيعِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَوْدِ وَالْإِعَادَةِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مَا قُلْنَا قَوْلُهُ بَعْدُ أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِالْمَرَّةِ الْأُولَى تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا ابْتَلَعَ إلَخْ) أَيْ وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَقَطْ إذَا ابْتَلَعَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالْمِلْحُ إلَّا إذَا اعْتَادَ أَكْلَهُ وَحْدَهُ) كَذَا فِي الْفَتْحِ قَالَ وَقِيلَ يَجِبُ فِي قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْجَوْهَرَةِ كَمَا فِي النَّهْرِ وَكَذَا فِي السِّرَاجِ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ وَجَعَلَهُ الْمُخْتَارَ وَنَقَلَهُ فِي الْإِمْدَادِ عَنْ الْمُبْتَغَى وَنَقَلَ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ اخْتِيَارَ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ تَفْصِيلٍ قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ اعْتِمَادُهُ التَّفْصِيلَ بَيْنَ مَنْ اعْتَادَ أَكْلَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَعْتَدْ (قَوْلُهُ: رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالْأَقْيَسُ فِي الْهَلِيلَجَةِ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهُ يُتَدَاوَى بِهَا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَمِنْ ثَمَّ جَزَمَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ بِوُجُوبِهَا بِأَكْلِ الطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ (قَوْلُهُ: لَا إنْ مَضَغَ قَمْحَةً لِلتَّلَاشِي) أَيْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الْفَسَادُ فَهُوَ ثَابِتٌ لَوْ وَجَدَ طَعْمَهَا فِي حَلْقِهِ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْكَافِي وَالْفَتْحِ.
وَلَا تَجِبُ بِأَكْلِ الشَّعِيرِ إلَّا إذَا كَانَ مَقْلِيًّا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَتَجِبُ بِالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ، وَكَذَا بِغَيْرِهِ عَلَى مَنْ يَعْتَادُ أَكْلَهُ كَالْمُسَمَّى بِالطِّفْلِ لَا عَلَى مَنْ لَا يَعْتَادُهُ، وَلَا بِأَكْلِ الدَّمِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَإِنْ أَكَلَ وَرَقَ الشَّجَرِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ كَوَرَقِ الْكَرْمِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ كَوَرَقِ الْكَرْمِ إذَا عَظُمَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ أَكَلَ قُشُورَ الرُّمَّانِ بِشَحْمَتِهَا أَوْ ابْتَلَعَ رُمَّانَةً فَلَا كَفَّارَةَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَكَلَ مَعَ الْقِشْرِ، وَلَوْ أَكَلَ قِشْرَ الْبِطِّيخِ إنْ كَانَ يَابِسًا وَكَانَ بِحَالٍ يُتَقَذَّرُ مِنْهُ فَلَا كَفَّارَةَ، وَإِنْ كَانَ طَرِيًّا لَا يُتَقَذَّرُ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ
وَإِنْ أَكَلَ كَافُورًا أَوْ مِسْكًا أَوْ زَعْفَرَانًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِذَا أَكَلَ لُقْمَةً كَانَتْ فِي فِيهِ وَقْتَ السَّحَرِ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ لَا رِوَايَةَ لَهَا فِي الْأُصُولِ قَالَ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ: إنْ كَانَتْ لُقْمَةَ غَيْرِهِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ لُقْمَتَهُ فَابْتَلَعَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ فَمِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا إنْ بَرَدَتْ فَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مُسْتَقْذَرَةً، وَإِنْ لَمْ تَبْرُدْ وَجَبَتْ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَخْرُجُ لِأَجْلِ الْحَرَارَةِ ثُمَّ تَدْخُلُ ثَانِيًا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ جَامَعَ أَوْ جُومِعَ أَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا غِذَاءً أَوْ دَوَاءً قَضَى وَكَفَّرَ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ) أَمَّا الْقَضَاءُ فَلِاسْتِدْرَاكِ الْمَصْلَحَةِ الْفَائِتَةِ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلِتَكَامُلِ الْجِنَايَةِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا لَمْ يُنْزِلُ؛ لِأَنَّ الْإِنْزَالَ شِبَعٌ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ يَتَحَقَّقُ دُونَهُ، وَقَدْ وَجَبَ الْحَدُّ بِدُونِهِ، وَهُوَ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَمَا فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ أَوْلَى، وَشَمِلَ الْجِمَاعَ فِي الدُّبُرِ كَالْقُبُلِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ بِالِاتِّفَاقِ كَذَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ لِتَكَامُلِ الْجِنَايَةِ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَإِنَّمَا ادَّعَى أَبُو حَنِيفَةَ النُّقْصَانَ فِي مَعْنَى الزِّنَا مِنْ حَيْثُ عَدَمُ فَسَادِ الْفِرَاشِ بِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِهِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: أَوْ جُومِعَ لِيُفِيدَ بَعْدَ التَّنْصِيصِ عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ الطَّائِعِ امْرَأَةً أَوْ رَجُلًا إلَى أَنَّ الْمَحَلَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُشْتَهًى عَلَى الْكَمَالِ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لَوْ جَامَعَ بَهِيمَةً أَوْ مَيْتَةً وَلَوْ أَنْزَلَ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى فَظَاهِرُ مَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِوَطْئِهَا
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَمُ الْوُجُوبِ مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا فِي الْغُسْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِوَطْئِهَا إلَّا بِالْإِنْزَالِ كَالْبَهِيمَةِ، وَجَعَلُوا الْمَحَلَّ لَيْسَ مُشْتَهًى عَلَى الْكَمَالِ، وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مُطْلَقًا، وَفِي الْقُنْيَةِ فَأَمَّا إتْيَانُ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَقُيِّدَ بِالْعَمْدِ لِإِخْرَاجِ الْمُخْطِئِ وَالْمُكْرَهِ فَإِنَّهُ، وَإِنْ فَسَدَ صَوْمُهُمَا لَا تَلْزَمُهُمَا الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ حَصَلَتْ الطَّوَاعِيَةُ فِي وَسَطِ الْجِمَاعِ بَعْدَمَا كَانَ ابْتِدَاؤُهُ بِالْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا حَصَلَتْ بَعْدَ الْإِفْطَارِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ: إلَّا إذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ مِنْهَا فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: الْمَرْأَةُ إذَا أَكْرَهَتْ زَوْجَهَا فِي رَمَضَانَ عَلَى الْجِمَاعِ فَجَامَعَهَا مُكْرَهًا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ فِي ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُصُولِهِ إلَى الْمَسْلَكِ الْمُعْتَادِ؛ إذْ لَوْ وَصَلَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا كَفَّارَةَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَأَشَارَ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ كَأَكْلِهِ عَمْدًا بَعْدَ أَكْلِهِ نَاسِيًا مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ إلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ إلَّا بِإِفْسَادِ صَوْمٍ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: إلَى أَنَّ الْمَحَلَّ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَشَارَ قَالَ فِي النَّهْرِ، وَفِي الْإِشَارَةِ بَعْدَ ظَاهِرٍ اهـ وَأَجَابَ عَنْهُ الرَّمْلِيُّ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُطْلَقٌ فَيَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ عَلَى التَّنْصِيصِ عَلَى الْوُجُوبِ إلَخْ اهـ.
وَكَانَ مُرَادُهُ أَنَّ تَقْيِيدَ الْمَفْعُولِ بِهِ الطَّائِعَ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ كَلَامِ الْمَتْنِ، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ عَمْدًا مُخْرِجٌ لِلْمُكْرَهِ فَلْيُتَأَمَّلْ مَا مُرَادُهُ
وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْجِمَاعَ إدْخَالُ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ كَمَا فِي السِّرَاجِ، وَالصَّغِيرَةُ غَيْرُ الْمُشْتَهَاةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ افْتِضَاضُهَا لَا يُمْكِنُ جِمَاعُهَا إذْ لَا إدْخَالَ بِدُونِ افْتِضَاضٍ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لَوْ جَامَعَ بَهِيمَةً أَوْ مَيْتَةً إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: اقْتِصَارُهُ عَلَى نَفْيِ الْكَفَّارَةِ يُوهِمُ وُجُوبَ الْقَضَاءِ وَلَوْ لَمْ يُنْزِلْ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا أَنَّ جِمَاعَ الْبَهِيمَةِ وَالْمَيْتَةِ بِلَا إنْزَالٍ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلصَّوْمِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ بَلْ، وَلَا نَقْضَ الْوُضُوءِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَلِابْنِ مَلَكٍ وَتَوْفِيقِ الْعِنَايَةِ شَرْحِ الْوِقَايَةِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: الْوَجْهُ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا، وَحَكَى الْإِجْمَاعَ فِيهِ قَالَ فِي النَّهْرِ: وَقِيلَ لَا تَجِبُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ الْوَجْهُ وَعَلَّلَ لَهُ بِمَا هُنَا، وَقَالُوا فِي الْغُسْلِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ إفْضَاءٍ فَهِيَ مِمَّنْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا، وَإِلَّا فَلَا بَقِيَ لَوْ وَطِئَ الصَّغِيرُ امْرَأَتَهُ هَلْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لَمْ أَرَهُمْ صَرَّحُوا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ فِي الْغُسْلِ أَنَّهَا تَجِبُ، وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمُتُونِ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: غُلَامٌ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ جَامَعَ امْرَأَتَهُ الْبَالِغَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِوُجُودِ السَّبَبِ، وَهُوَ مُوَارَاةُ الْحَشَفَةِ بَعْدَ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ، وَلَا غُسْلَ عَلَى الْغُلَامِ لِانْعِدَامِ الْخِطَابِ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ بَالِغًا، وَالْمَرْأَةُ صَغِيرَةً فَالْجَوَابُ عَلَى الْعَكْسِ، وَجِمَاعُ الْخَصِيِّ يُوجِبُ الْغُسْلَ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ لِمُوَارَاةِ الْحَشَفَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ إلَى قَوْلِهِ وَأَشَارَ) يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ: وَأَشَارَ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ إلَخْ)
تَامٍّ قَطْعًا حَتَّى لَوْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، وَنَوَى قَبْلَ الزَّوَالِ ثُمَّ أَفْطَرَ لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الصَّوْمِ شُبْهَةً، وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا لَوْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ ثُمَّ أَفْطَرَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ أُخْبِرَ بِأَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ فَأَكَلَ ثُمَّ ظَهَرَ خِلَافُهُ لَا كَفَّارَةَ مُطْلَقًا، وَبِهِ أَخَذَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ، وَلَوْ أُخْبِرَ بِطُلُوعِهِ فَقَالَ: إذَا لَمْ أَكُنْ صَائِمًا آكُلُ حَتَّى أَشْبَعَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ أَكْلَهُ الْأَوَّلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَكْلَهُ الْآخَرَ بَعْدَ الطُّلُوعِ فَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ جَمَاعَةً وَصَدَّقَهُمْ لَا كَفَّارَةَ
وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْدِ فِي مِثْلِ هَذَا لَا تُقْبَلُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَإِذَا أَفْطَرَتْ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يَوْمُ حَيْضِهَا فَلَمْ تَحِضْ الْأَظْهَرُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ كَمَا لَوْ أَفْطَرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يَوْمُ مَرَضِهِ أَوْ أَفْطَرَ بَعْدَ إكْرَاهِهِ عَلَى السَّفَرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ ثُمَّ عُفِيَ عَنْهُ أَوْ شَرِبَ بَعْدَ مَا قُدِّمَ لِيَقْتُلَ ثُمَّ عُفِيَ عَنْهُ، وَلَمْ يَقْتُلْ وَمِمَّا يُسْقِطُهَا حَيْضُهَا أَوْ نِفَاسُهَا بَعْدَ إفْطَارِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَكَذَا مَرَضُهَا وَكَذَا مَرَضُهُ بَعْدَ إفْطَارِهِ عَمْدًا بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَحَ نَفْسَهُ بَعْدَ إفْطَارِهِ عَمْدًا فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا لَوْ سَافَرَ بَعْدَ إفْطَارِهِ عَمْدًا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَصْبَحَ مُقِيمًا صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ إذَا صَارَ فِي آخِرِ النَّهَارِ عَلَى صِفَةٍ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَلَوْ جَامَعَ مِرَارًا فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ وَاحِدٌ، وَلَمْ يُكَفِّرْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِلزَّجْرِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِوَاحِدَةٍ فَلَوْ جَامَعَ وَكَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ مَرَّةً أُخْرَى فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى فِي ظَاهِرِ الرَّاوِيَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الزَّجْرَ لَمْ يَحْصُلْ بِالْأَوَّلِ
وَلَوْ جَامَعَ فِي رَمَضَانَيْنِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأُولَى فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ قَالَ فِي الْأَسْرَارِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَكَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ أَفْطَرَ فِي يَوْمٍ فَأَعْتَقَ ثُمَّ فِي آخَرَ فَأَعْتَقَ ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ اسْتَحَقَّتْ الرَّقَبَةُ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ يُجْزِئُهُ وَلَوْ اسْتَحَقَّتْ الثَّالِثَةُ فَعَلَيْهِ إعْتَاقُ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ لَا يُجْزِئُ عَمَّا تَأَخَّرَ، وَلَوْ اسْتَحَقَّتْ الثَّانِيَةُ أَيْضًا فَعَلَيْهِ وَاحِدَةٌ لِلثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَكَذَا لَوْ اسْتَحَقَّتْ الْأُولَى تَنْزِيلًا لِلْمُسْتَحِقِّ مَنْزِلَةَ الْمَعْدُومِ، وَلَوْ اسْتَحَقَّتْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ دُونَ الثَّانِيَةِ أَعْتَقَ وَاحِدَةً لِلثَّالِثِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ كَفَتْ عَنْ الْأُولَى
وَالْأَصْلُ أَنَّ الثَّانِيَ يُجْزِئُ عَمَّا قَبْلَهُ لَا عَمَّا بَعْدَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْبَدَائِعِ وَأَفَادَ بِالتَّشْبِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ مُرَتَّبَةٌ فَالْوَاجِبُ الْعِتْقُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الْمَرْوِيِّ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ فَلَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا فِي خِلَالِ الْمُدَّةِ بَطَلَ مَا قَبْلَهُ وَلَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ سَوَاءٌ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ أَوْ لَا وَكَذَا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ لِلنَّصِّ عَلَى التَّتَابُعِ إلَّا لِعُذْرِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِدُ شَهْرَيْنِ عَادَةً لَا تَحِيضُ فِيهِمَا لَكِنَّهَا إذَا تَطَهَّرَتْ تُصَلِّي بِمَا مَضَى فَإِنْ لَمْ تُصَلِّ اسْتَقْبَلَتْ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَكَذَا صَوْمُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُتَتَابِعٌ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ بِخِلَافِ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَصَوْمِ الْمُتْعَةِ وَكَفَّارَةِ الْحَلْقِ وَكَفَّارَةِ جَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَتَابِعٍ، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ شُرِعَ فِيهَا عِتْقٌ فَإِنَّ صَوْمَهُ مُتَتَابِعٌ، وَمَا لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا عِتْقٌ فَهُوَ مُخَيَّرٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ يَنْوِي أَوَّلَ يَوْمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ جَازَ، وَإِنْ كَانَا مِنْ رَمَضَانَيْنِ يَنْوِي قَضَاءَ رَمَضَانَ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ
وَالصَّحِيحُ الْإِجْزَاءُ، وَلَوْ صَامَ الْفَقِيرُ إحْدَى وَسِتِّينَ لِلْكَفَّارَةِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الْيَوْمَ لِلْقَضَاءِ جَازَ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَصَارَ كَأَنَّهُ نَوَى الْقَضَاءَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَسِتِّينَ يَوْمًا عَنْ الْكَفَّارَةِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَعَلَّلَهُ
ــ
[منحة الخالق]
أَيْ الْآتِي فِي آخِرِ فَصْلِ الْعَوَارِضِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) ؛ لِأَنَّهُ بِنِيَّةِ النَّهَارِ لَا يَكُونُ صَائِمًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَبِهَذِهِ الشُّبْهَةِ النَّاشِئَةِ مِنْ الدَّلِيلِ انْدَرَأَتْ الْكَفَّارَةُ اهـ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ جَائِزٌ فَيَكُونُ جَانِيًا عَلَى صَوْمٍ صَحِيحٍ اهـ.
ابْنُ مَلَكٍ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ أَفْطَرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يَوْمُ مَرَضِهِ) جَعَلَهُ مُشَبَّهًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْحَيْضِ فَإِنَّ فِيهَا اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ، وَالصَّحِيحُ الْوُجُوبُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة قُلْت: لَكِنْ صَحَّحَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ سُقُوطَ الْكَفَّارَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَشَبَّهَهُمَا بِمَنْ أَفْطَرَ، وَأَكْبَرُ ظَنِّهِ أَنَّ الشَّمْسَ غَرَبَتْ ثُمَّ ظَهَرَ عَدَمُهُ (قَوْلُهُ: وَمِمَّا يُسْقِطُهَا حَيْضُهَا أَوْ نِفَاسُهَا بَعْدَ إفْطَارِهَا) فِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ثُمَّ حَاضَتْ امْرَأَتُهُ أَوْ مَرِضَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَقَطَ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَنَا اهـ.
وَهَكَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى وَلَعَلَّ الصَّوَابَ سَقَطَ عَنْهَا بِضَمِيرِ الْمَرْأَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَأَفَادَ بِالتَّشْبِيهِ إلَخْ) أَقُولُ: هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنَّ الْمَسِيسَ فِي أَثْنَائِهَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مُطْلَقًا عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لِلْآيَةِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ وَالْقَتْلِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ فِيهِمَا إلَّا الْفِطْرُ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَتَأَمَّلْ فَقَدْ زَلَّتْ بَعْضُ الْأَقْدَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ رَمْلِيٌّ
فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الَّذِي يَصُومُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ يَبْدَأُ بِالْقَضَاءِ، وَفِيهِ إشْكَالٌ لِلْمُحَقِّقِ مَذْكُورٌ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ نَوَى قَضَاءَ رَمَضَانَ وَالتَّطَوُّعَ كَانَ عَنْ الْقَضَاءِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَإِنَّ عِنْدَهُ يَصِيرُ شَارِعًا فِي التَّطَوُّعِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ إذَا نَوَى التَّطَوُّعَ وَالْفَرْضَ لَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا عِنْدَهُ، وَلَوْ نَوَى قَضَاءَ رَمَضَانَ وَكَفَّارَةَ الظِّهَارِ كَانَ عَنْ الْقَضَاءِ اسْتِحْسَانًا
وَفِي الْقِيَاسِ يَكُونُ تَطَوُّعًا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِي الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ مَنْ أَكَلَ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ عِيَانًا عَمْدًا شُهْرَةً يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الِاسْتِحْلَالِ اهـ.
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الذَّنْبَ أَعْنِي ذَنْبَ الْإِفْطَارِ عَمْدًا لَا يَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّفْكِيرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَبِإِيجَابِ الْإِعْتَاقِ عُرِفَ أَنَّ التَّوْبَةَ غَيْرُ مُكَفِّرَةٍ لِهَذِهِ الْجِنَايَةِ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُونَ وَشَبَّهَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِجِنَايَةِ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا حَيْثُ لَا يَرْتَفِعَانِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ بَلْ يَرْتَفِعَانِ بِالْحَدِّ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الِارْتِفَاعِ عَدَمُهُ ظَاهِرًا أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ فَيَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ بِدُونِ تَكْفِيرٍ؛ لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا يَرْتَفِعُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَأَمَّا الْقَاضِي بَعْدَ مَا رُفِعَ الزَّانِي إلَيْهِ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ التَّوْبَةَ بَلْ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِارْتِفَاعِهِ بِدُونِ تَكْفِيرٍ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَعَبَّرَ بِمَنْ الْمُفِيدَةِ لِلْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ مَنْ جَامَعَ أَوْ جُومِعَ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَلِهَذَا صَرَّحَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِالْوُجُوبِ عَلَى الْجَارِيَةِ فِيمَا لَوْ أَخْبَرَتْ سَيِّدَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَالِمَةً بِطُلُوعِهِ فَجَامَعَهَا مَعَ عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ
وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: إذَا لَزِمَ الْكَفَّارَةُ عَلَى السُّلْطَانِ، وَهُوَ مُوسِرٌ بِمَالِهِ الْحَلَالِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَبَعَةٌ لِأَحَدٍ يُفْتِي بِإِعْتَاقِ الرَّقَبَةِ، وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ: يُفْتَى بِصِيَامِ شَهْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَفَّارَةِ الِانْزِجَارُ وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ إفْطَارُ شَهْرٍ وَإِعْتَاقُ رَقَبَةٍ فَلَا يَحْصُلُ الزَّجْرُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا كَفَّارَةَ بِالْإِنْزَالِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ كَالْفَخِذِ وَالْإِبْطِ وَالْبَطْنِ لِانْعِدَامِ الْجِمَاعِ صُورَةً وَفَسَدَ صَوْمُهُ لِوُجُودِهِ مَعْنًى كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّقْبِيلِ وَعَمَلِ الْمَرْأَتَيْنِ كَذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَفِي الْمُغْرِبِ الْفَرْجُ قُبُلُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَوْلُهُ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ كِلَاهُمَا فَرْجٌ يَعْنِي فِي الْحُكْمِ اهـ.
بِلَفْظِهِ يَعْنِي لَا فِي اللُّغَةِ (قَوْلُهُ وَبِإِفْسَادِ صَوْمٍ غَيْرِ رَمَضَانَ) أَيْ لَا كَفَّارَةَ فِي إفْسَادِ صَوْمٍ غَيْرِ أَدَاءِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ فِي رَمَضَانَ أَبْلَغُ فِي الْجِنَايَةِ لِهَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ لَا قِيَاسًا؛ إذْ هُوَ مُمْتَنِعٌ لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَلَا دَلَالَةً؛ لِأَنَّ إفْسَادَ غَيْرِهِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، وَلُزُومُ إفْسَادِ الْحَجِّ النَّفْلِ وَالْقَضَاءِ بِالْجِمَاعِ لَيْسَ إلْحَاقًا بِإِفْسَادِ الْحَجِّ الْفَرْضِ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ ابْتِدَاءً لِعُمُومِ نَصِّ الْقَضَاءِ وَالْإِجْمَاعِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا احْتَقَنَ أَوْ اسْتَعَطَ أَوْ أُقْطِرَ فِي أُذُنِهِ أَوْ دَاوَى جَائِفَةً أَوْ آمَّةً بِدَوَاءٍ، وَوَصَلَ إلَى جَوْفِهِ أَوْ دِمَاغِهِ أَفْطَرَ) لِقَوْلِهِ عليه السلام «الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ الِاسْتِقَاءِ أَوْ الْفِطْرِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَعُودُ شَيْءٌ، وَإِنْ قَلَّ حَتَّى لَا يُحِسَّ بِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَإِنْ قُلْت: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَارِجَ لَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ أَصْلًا إلَّا فِي الِاسْتِقَاءِ، وَالْحَصْرُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ قُلْتُ لَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّ إفْسَادَهُمَا الصَّوْمَ بِاعْتِبَارِ مُنَافَاتِهِمَا الْأَهْلِيَّةَ لَهُ شَرْعًا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ بَعْدَ النِّيَّةِ لَا يُفْسِدَانِ الصَّوْمَ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُنَافِيَانِ أَهْلِيَّةَ الْأَدَاءِ، وَإِنَّمَا يُنَافِيَانِ النِّيَّةَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَالرَّاوِيَةُ بِالْفَتْحِ فِي احْتَقَنَ وَاسْتَعَطَ أَيْ وَضَعَ الْحُقْنَةَ فِي الدُّبُرِ وَصَبَّ السَّعُوطَ، وَهُوَ الدَّوَاءُ فِي الْأَنْفِ وَبِالضَّمِّ فِي أُقْطِرَ وَالْجَائِفَةُ اسْمٌ لِجِرَاحَةٍ وَصَلَتْ إلَى الْجَوْفِ وَالْآمَّةُ الْجِرَاحَةُ وَصَلَتْ إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ وَأَطْلَقَ فِي الْإِقْطَارِ فِي الْأُذُنِ فَشَمِلَ الْمَاءَ وَالدُّهْنَ، وَهُوَ فِي الدُّهْنِ بِلَا خِلَافٍ
وَأَمَّا الْمَاءُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ فَيَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ بِدُونِ تَكْفِيرٍ) فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ تَسْقُطَ الْكَفَّارَةُ بِالتَّوْبَةِ أَيْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا اللُّزُومِ كَلَامُ الْهِدَايَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَ إيجَابَ الْإِعْتَاقِ مُعَرِّفًا لِعَدَمِ تَكْفِيرِ التَّوْبَةِ لِلذَّنْبِ فَإِنَّ مُفَادَهُ أَنَّهُ لَوْ كَفَّرَتْهُ لَمْ يَجِبْ مَالٌ فَالظَّاهِرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا يَرْتَفِعُ) قَالَ أَبُو السُّعُودِ مُحَشِّي مِسْكِينٍ قَيَّدَهُ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَزْنِيِّ بِهَا زَوْجٌ فَإِنْ كَانَ فَلَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِهِ لِكَوْنِهِ حَقَّ عَبْدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إبْرَائِهِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: بِالْوُجُوبِ عَلَى الْجَارِيَةِ) أَيْ وُجُوبِ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ الْفِطْرِ فِيهِ) أَيْ فِي الِاسْتِقَاءِ (قَوْلُهُ: حَتَّى لَا يَحُسَّ بِهِ) أَيْ فَلَا يَكُونُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مَخْصُوصًا بِحَدِيثِ الِاسْتِقَاءِ (قَوْلُهُ: وَبِالضَّمِّ فِي أَقْطَرَ) قَالَ
فَاخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ عَدَمَ الْإِفْطَارِ بِهِ سَوَاءٌ دَخَلَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَدْخَلَهُ وَصَرَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ بِأَنَّهُ لَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ مُطْلَقًا عَلَى الْمُخْتَارِ مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْفِطْرُ صُورَةً، وَلَا مَعْنًى لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ بِوُصُولِهِ إلَى الدِّمَاغِ، وَجَعَلَ السَّعُوطَ كَالْإِقْطَارِ فِي الْأُذُنِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّهُ إنْ خَاضَ الْمَاءَ فَدَخَلَ أُذُنَهُ لَا يُفْسِدُ، وَإِنْ صَبَّ الْمَاءَ فِي أُذُنِهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُفْسِدُ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ بِفِعْلِهِ وَرَجَّحَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ حُكْمُ الْغُسْلِ، وَهُوَ صَائِمٌ إذَا دَخَلَ الْمَاءُ فِي أُذُنِهِ، وَفِي عُمْدَةِ الْفَتَاوَى لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ
فَلَوْ دَخَلَ الْمَاءُ فِي الْغُسْلِ أَنْفَهُ أَوْ أُذُنَهُ وَوَصَلَ إلَى الدِّمَاغِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ اهـ.
وَلَوْ شَدَّ الطَّعَامَ بِخَيْطٍ وَأَرْسَلَهُ فِي حَلْقِهِ وَطَرَفُ الْخَيْطِ فِي يَدِهِ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ إلَّا إذَا انْفَصَلَ، وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ أَنَّ الصَّائِمَ إذَا اسْتَقْصَى فِي الِاسْتِنْجَاءِ حَتَّى بَلَغَ مَبْلَغَ الْمِحْقَنَةِ فَهَذَا أَقَلُّ مَا يَكُونُ، وَلَوْ كَانَ يُفْسِدُ صَوْمَهُ، وَالِاسْتِقْصَاءُ لَا يُفْعَلُ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ دَاءً عَظِيمًا، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ أَدْخَلَ خَشَبَةً أَوْ نَحْوَهَا وَطَرَفًا مِنْهَا بِيَدِهِ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِقْرَارَ الدَّاخِلِ فِي الْجَوْفِ شَرْطٌ لِفَسَادِ الصَّوْمِ، وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي اسْتِهِ أَوْ أَدْخَلَتْ الْمَرْأَةُ فِي فَرْجِهَا هُوَ الْمُخْتَارُ إلَّا إذَا كَانَتْ الْأُصْبُعُ مُبْتَلَّةً بِالْمَاءِ أَوْ الدُّهْنِ فَحِينَئِذٍ يَفْسُدُ لِوُصُولِ الْمَاءِ أَوْ الدُّهْنِ وَقِيلَ إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَشَتْ الْفَرْجَ الدَّاخِلَ فَسَدَ صَوْمُهَا وَالصَّائِمُ إذَا أَصَابَهُ سَهْمٌ وَخَرَجَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ وَلَوْ بَقِيَ النَّصْلُ فِي جَوْفِهِ يَفْسُدُ صَوْمُهُ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ: وَإِنْ بَقِيَ الرُّمْحُ فِي جَوْفِهِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْفِعْلُ، وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مَا فِيهِ صَلَاحُهُ
وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ، وَأَمَّا الْوَجُورُ فِي الْفَمِ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ صَوْمَهُ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى جَوْفِ الْبَدَنِ مَا هُوَ مُصْلِحٌ لِلْبَدَنِ فَكَانَ أَكْلًا مَعْنًى لَكِنْ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِانْعِدَامِ الْأَكْلِ صُورَةً وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي السَّعُوطِ وَالْوَجُورِ الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ اسْتَعَطَ لَيْلًا فَخَرَجَ نَهَارًا لَا يُفْطِرُ، وَأَطْلَقَ الدَّوَاءَ فَشَمِلَ الرَّطْبَ وَالْيَابِسَ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْوُصُولِ لَا لِكَوْنِهِ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا وَإِنَّمَا شَرَطَهُ الْقُدُورِيُّ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَ هُوَ الَّذِي يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ عَادَةً حَتَّى لَوْ عَلِمَ أَنَّ الرَّطْبَ لَمْ يَصِلْ لَمْ يَفْسُدْ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الْيَابِسَ وَصَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ لَكِنْ بَقِيَ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ يَقِينًا أَحَدَهُمَا وَكَانَ رَطْبًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُفْطِرُ لِلْوُصُولِ عَادَةً وَقَالَا لَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، فَلَا يُفْطِرُ بِالشَّكِّ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَابِسًا، وَلَمْ يَعْلَمْ فَلَا فِطْرَ اتِّفَاقًا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَوْلُهُ: إلَى جَوْفِهِ عَائِدٌ إلَى الْجَائِفَةِ وَقَوْلُهُ إلَى دِمَاغِهِ عَائِدٌ إلَى الْآمَّةِ، وَفِي التَّحْقِيقِ أَنَّ بَيْنَ الْجَوْفَيْنِ مَنْفَذًا أَصْلِيًّا فَمَا وَصَلَ إلَى جَوْفِ الرَّأْسِ يَصِلُ إلَى جَوْفِ الْبَطْنِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْبَدَائِعِ وَلِهَذَا لَوْ اسْتَعَطَ لَيْلًا، وَوَصَلَ إلَى الرَّأْسِ ثُمَّ خَرَجَ نَهَارًا لَا يَفْسُدُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَعَلَّلَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى الْجَوْفِ أَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِيهِ.
(قَوْلُهُ، وَإِنْ أُقْطِرَ فِي إحْلِيلِهِ لَا) أَيْ لَا يُفْطِرُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمَاءَ وَالدُّهْنَ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ بَيْنَ الْمَثَانَةِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ أَمْ لَا، وَهُوَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ فِيهِ عَلَى التَّحْقِيقِ فَقَالَا: لَا، وَوُصُولُ الْبَوْلِ مِنْ الْمَعِدَةِ إلَى الْمَثَانَةِ
ــ
[منحة الخالق]
فِي النَّهْرِ قِيلَ: الصَّوَابُ قُطِّرَ؛ لِأَنَّ أَقْطَرَ لَمْ يَأْتِ مُتَعَدِّيًا يُقَالُ: أَقَطَرَ الشَّيْءَ حَانَ لَهُ أَنْ يُقْطِرَ بِخِلَافِ قَطَّرَ فَإِنَّهُ جَاءَ مُتَعَدِّيًا، وَلَازِمًا وَبِالتَّضْعِيفِ مُتَعَدٍّ لَا غَيْرُ وَأَمَّا الْإِقْطَارُ بِمَعْنَى التَّقْطِيرِ فَلَمْ يَأْتِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ فَسَادُ مَا قِيلَ إنَّ أَقَطَرَ عَلَى لَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى أَنْ يَجِيءَ الْإِقْطَارُ مُتَعَدِّيًا، وَلَا صِحَّةَ لَهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حَقَّهُ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى لَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ لِتَتَّفِقَ الْأَفْعَالُ وَتَنْتَظِمَ الضَّمَائِرُ فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ وَأَقُولُ: فِي الْمُغْرِبِ: قَطَّرَ الْمَاءَ صَبَّهُ تَقْطِيرًا أَوْ قَطَّرَهُ وَأَقْطَرَهُ لُغَةٌ، وَعَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ يَتَخَرَّجُ كَلَامُهُمْ، وَحِينَئِذٍ فَيَصِحُّ بِنَاؤُهُ لِلْفَاعِلِ، وَهُوَ الْأَوْلَى لِمَا مَرَّ وَلِلْمَفْعُولِ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ هُوَ قَوْلُهُ: فِي أُذُنِهِ أَيْ وَجَدَ إقْطَارًا فِي أُذُنِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ بَقِيَ الرُّمْحُ فِي جَوْفِهِ) عِبَارَةُ قَاضِي خَانْ، وَإِنْ بَقِيَ الزَّجُّ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا هُنَا تَحْرِيفٌ مِنْ النُّسَّاخِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْفِعْلُ) ذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الِاسْتِنْجَاءِ السَّابِقَةِ، وَمَسْأَلَةُ مَا إذَا أَدْخَلَ خَشَبَةً وَغَيَّبَهَا حَيْثُ يُفْطِرُ فِي الصُّورَتَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْفِعْلُ أَعْنِي صُورَةَ الْفِطْرِ، وَهُوَ الِابْتِلَاعُ، وَلَا مَعْنَاهُ، وَهُوَ مَا فِيهِ صَلَاحُهُ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ إيصَالَ الْمَاءِ إلَى الْمِحْقَنَةِ يُوجِبُ دَاءً عَظِيمًا، قَالَ: وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الصُّورَةِ بِالِابْتِلَاعِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهَا بِالْإِدْخَالِ بِصُنْعِهِ كَمَا عَلَّلَ بِهِ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ الْفَسَادَ بِإِدْخَالِ الْمَاءِ أُذُنَهُ بِأَنَّهُ مُوَصِّلٌ إلَيْهِ بِفِعْلِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ كَمَا لَوْ أَدْخَلَ خَشَبَةً وَغَيَّبَهَا إلَى آخِرِ كَلَامِهِ اهـ.
نَعَمْ يَرِدُ ذَلِكَ عَلَى تَعْلِيلِ الْوَلْوَالِجِيِّ لِعَدَمِ الْفَسَادِ بِإِدْخَالِ الْمَاءِ أُذُنَهُ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ الرَّمْلِيُّ الْإِفْطَارُ بِوُصُولِ الْمَاءِ إلَى الدِّمَاغِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ فَإِنَّهُ إذَا فَسَدَ مَعَ عَدَمِ الْقَصْدِ فَكَيْفَ لَا يَفْسُدُ فِي الْإِقْطَارِ وَالسَّعُوطِ مَعَ الْقَصْدِ ثُمَّ قَالَ لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا فِي الشُّرُوحِ، وَإِذَا عَارَضَ مَا فِي الْفَتَاوَى مَا فِي الشُّرُوحِ يُعْمَلُ بِمَا فِي الشُّرُوحِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ اخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ كَمَا مَرَّ وَالْهِدَايَةُ مَعْدُودَةٌ مِنْ الْمُتُونِ، وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الشُّرُوحِ فَأَيْنَ الْمُعَارَضَةُ.
بِالتَّرَشُّحِ، وَمَا يَخْرُجُ رَشْحًا لَا يَعُودُ رَشْحًا كَالْجَرَّةِ إذَا سُدَّ رَأْسُهَا وَأُلْقِيَ فِي الْحَوْضِ يَخْرُجُ مِنْهَا الْمَاءُ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ وَقَالَ: نَعَمْ قَالَ: هَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالطِّبِّ وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا وَصَلَ إلَى الْمَثَانَةِ أَمَّا مَا دَامَ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ فَلَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَعَارَضَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ لَوْ حَشَا ذَكَرَهُ بِقُطْنَةٍ فَغَيَّبَهَا أَنَّهُ يَفْسُدُ كَاحْتِشَائِهَا وَأَطَالَ فِيهِ وَصَحَّحَ فِي التُّحْفَةِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَكِنْ رَجَّحَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي تَصْحِيحِهِ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ وَقُيِّدَ بِالْإِحْلِيلِ الَّذِي هُوَ مَخْرَجُ الْبَوْلِ مِنْ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّ الْإِقْطَارَ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ يُفْسِدُ الصَّوْمَ بِلَا خِلَافٍ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ بِالْإِجْمَاعِ وَعَلَّلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْحُقْنَةِ، وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ فرشته الْإِحْلِيلُ مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَمَخْرَجُ اللَّبَنِ مِنْ الثَّدْيِ
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ ذَوْقُ شَيْءٍ، وَمَضْغُهُ بِلَا عُذْرٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الصَّوْمِ لِلْفَسَادِ، وَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ لِعَدَمِ الْفِطْرِ صُورَةً وَمَعْنًى قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: بِلَا عُذْرٍ؛ لِأَنَّ الذَّوْقَ بِعُذْرٍ لَا يُكْرَهُ كَمَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ فِيمَنْ كَانَ زَوْجُهَا سَيِّئَ الْخُلُقِ أَوْ سَيِّدُهَا لَا بَأْسَ بِأَنْ تَذُوقَ بِلِسَانِهَا وَلَيْسَ مِنْ الْأَعْذَارِ، وَالذَّوْقُ عِنْدَ الشِّرَاءِ لِيُعْرَفَ الْجَيِّدُ مِنْ الرَّدِيءِ بَلْ يُكْرَهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْوَلْوَالِجِيِّ وَتَبِعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
، وَفِي الْمُحِيطِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ كَيْ لَا يُغْبَنَ وَالْمَضْغُ بِعُذْرٍ بِأَنْ لَمْ تَجِدْ الْمَرْأَةُ مَنْ يَمْضُغَ لِصَبِيِّهَا الطَّعَامَ مِنْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَا يَصُومُ، وَلَمْ تَجِدْ طَبِيخًا، وَلَا لَبَنًا حَلِيبًا لَا بَأْسَ بِهِ لِلضَّرُورَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْإِفْطَارُ إذَا خَافَتْ عَلَى الْوَلَدِ فَالْمَضْغُ أَوْلَى وَأَطْلَقَ فِي الصَّوْمِ فَشَمِلَ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْفَرْضِ أَمَّا فِي الصَّوْمِ التَّطَوُّعِ فَلَا يُكْرَهُ الذَّوْقُ وَالْمَضْغُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ فِيهِ مُبَاحٌ لِلْعُذْرِ وَغَيْرِهِ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَتَبِعَهُ فِي النِّهَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْإِفْطَارَ فِي التَّطَوُّعِ لَا يَحِلُّ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَمَا كَانَ تَعْرِيضًا لَهُ عَلَيْهِ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَمُسَلَّمٌ وَسَيَأْتِي أَنَّهَا شَاذَّةٌ
(قَوْلُهُ: وَمَضْغُ الْعَلْكِ) أَيْ وَيُكْرَهُ مَضْغُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الصَّوْمِ عَلَى الْفَسَادِ وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِالْإِفْطَارِ أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عِلْكٍ وَعِلْكٍ فِي أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي الْبَيَانِ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ قَيَّدُوهُ بِأَنْ يَكُونَ أَبْيَضَ، وَقَدْ مَضَغَهُ غَيْرُهُ أَمَّا إذَا لَمْ يَمْضُغْهُ غَيْرُهُ، أَوْ كَانَ أَسْوَدَ مُطْلَقًا يُفْطِرُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْضُغْهُ غَيْرُهُ يَتَفَتَّتُ فَيَتَجَاوَزُ شَيْءٌ مِنْهُ حَلْقَهُ، وَإِذَا مَضَغَهُ غَيْرُهُ لَا يَتَفَتَّتُ إلَّا أَنَّ الْأَسْوَدَ يَذُوبُ بِالْمَضْغِ فَأَمَّا الْأَبْيَضُ لَا يَذُوبُ وَإِطْلَاقُ مُحَمَّدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ كَذَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُ كَلَامَ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ مُحَمَّدٍ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِعَدَمِ الْوُصُولِ فَإِذَا فَرَضَ فِي بَعْضِ الْعِلْكِ مَعْرِفَةَ الْوُصُولِ مِنْهُ عَادَةً وَجَبَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَيَقِّنِ اهـ.
وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَعُمُومُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْعِلْكُ لِغَيْرِ الصَّائِمِ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ تَرْكُهُ إلَّا لِعُذْرٍ مِثْلِ أَنْ يَكُونَ فِي فَمِهِ بَخَرٌ اهـ.
وَأَمَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُنَّ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّهُ سِوَاكُهُنَّ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَوْلَى الْكَرَاهَةُ لِلرِّجَالِ إلَّا لِحَاجَةٍ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ أَعْنِي التَّشَبُّهَ يَقْتَضِيهَا فِي حَقِّهِمْ خَالِيًا عَنْ الْمُعَارِضِ، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ صَائِمٌ عَمِلَ عَمَلَ الْإِبْرَيْسَمِ فَأَدْخَلَ الْإِبْرَيْسَمَ فِي فِيهِ فَخَرَجَتْ خُضْرَةُ الصَّبْغِ أَوْ صُفْرَتُهُ أَوْ حُمْرَتُهُ، وَاخْتَلَطَتْ بِالرِّيقِ فَاخْضَرَّ الرِّيقُ أَوْ اصْفَرَّ أَوْ احْمَرَّ فَابْتَلَعَهُ، وَهُوَ ذَاكِرٌ صَوْمَهُ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَفِي الْمُحِيطِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ لِغَيْرِ الْوُضُوءِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ لِلْوُضُوءِ وَكُرِهَ الِاغْتِسَالُ وَصَبُّ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ وَالِاسْتِنْقَاعُ فِي الْمَاءِ وَالتَّلَفُّفُ بِالثَّوْبِ الْمَبْلُولِ؛ لِأَنَّهُ إظْهَارُ الضَّجَرِ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ مَاءً مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَهُوَ صَائِمٌ» وَلِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ فِي التُّحْفَةِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: تَقَدَّمَ أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي يُوسُفَ لَكِنْ قَالَ: وَمُحَمَّدٌ تَوَقَّفَ فِيهِ، وَقِيلَ هُوَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ هُوَ الْأَظْهَرُ وَمَا تَأَخَّرَ عَلَى خِلَافِ الْأَظْهَرِ.
(قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ فِي الصَّوْمِ إلَخْ) قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: كَذَا أَطْلَقَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَنْزِ وَشَرْحِ الْمُخْتَارِ فَشَمِلَ النَّفَلَ لِمَا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ فِيهِ الْفِطْرُ بِلَا عُذْرٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَمَنْ قَيَّدَهُ بِالْفَرْضِ كَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَنَفْيُ كَرَاهَةِ الذَّوْقِ فِي النَّفْلِ إنَّمَا هُوَ عَلَى رِوَايَةِ جَوَازِ الْإِفْطَارِ فِي النَّفْلِ بِلَا عُذْرٍ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ بَحْثٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ فِي النَّفْلِ وَكُرِهَ فِي الْفَرْضِ إظْهَارًا لِتَفَاوُتِ الْمَرْتَبَتَيْنِ.