الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمَقَامِ وَعَلَى الصَّفَا وَعَلَى الْمَرْوَةِ وَفِي السَّعْيِ وَفِي عَرَفَاتٍ وَفِي مُزْدَلِفَةَ وَفِي مِنًى وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ، وَزَادَ غَيْرُهُ وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ وَفِي الْحَطِيمِ لَكِنَّ الثَّانِيَ هُوَ تَحْتَ الْمِيزَابِ فَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ مَوْضِعًا.
(فَصْلٌ)(قَوْلُهُ وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ سَقَطَ عَنْهُ طَوَافُ الْقُدُومِ) مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ سُنِّيَّتِهِ فِي حَقِّهِ فَإِنَّ حَقِيقَةَ السُّقُوطِ لَا تَكُونُ إلَّا فِي اللَّازِمِ إمَّا لِأَنَّهُ مَا شُرِعَ إلَّا فِي ابْتِدَاءِ الْأَفْعَالِ فَلَا يَكُونُ سُنَّةً عِنْدَ التَّأَخُّرِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ، وَإِمَّا لِأَنَّ طَوَافَ الزِّيَارَةِ أَغْنَى عَنْهُ كَالْفَرْضِ يُغْنِي عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَلِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْعُمْرَةِ طَوَافُ قُدُومٍ؛ لِأَنَّ طَوَافَهَا أَغْنَى عَنْهُ قَيَّدَ بِطَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّ الْقَارِنَ إذَا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُ صَارَ رَافِضًا لِعُمْرَتِهِ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِرَفْضِهَا، وَقَضَاؤُهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْقِرَانِ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ الزَّوَالِ إلَى فَجْرِ النَّحْرِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَلَوْ جَاهِلًا أَوْ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ عليه السلام وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَقَالَ مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ فَكَانَ فِعْلُهُ بَيَانًا لِأَوَّلِ وَقْتِهِ، وَقَوْلُهُ بَيَانًا لِآخِرِهِ وَالْمُرَادُ بِالسَّاعَةِ السَّاعَةُ الْعُرْفِيَّةُ وَهُوَ الْيَسِيرُ مِنْ الزَّمَانِ وَهُوَ الْمُحْمَلُ عِنْدَ إطْلَاقِ الْفُقَهَاءِ لَا السَّاعَةَ عِنْدَ الْمُنَجِّمِينَ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْحَيْضِ وَالْمُرَادُ بِتَمَامِ الْحَجِّ بِالْوُقُوفِ فِي الْحَدِيثِ وَعِبَارَتُهُمْ الْأَمْنُ مِنْ الْبُطْلَانِ لَا حَقِيقَتَهُ إذْ بَقِيَ الرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ الطَّوَافُ، وَأَفَادَ أَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْوُقُوفِ وَقَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ النِّيَّةِ حَتَّى لَوْ طَافَ هَارِبًا مِنْ عَدُوٍّ، وَلَا يَصِحُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ وَلِهَذَا يُتَنَفَّلُ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ أَصْلِ النِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى تَعْيِينِهِ حَتَّى إنَّ الْمُحْرِمَ لَوْ طَافَ يَوْمَ النَّحْرِ وَنَوَى بِهِ النَّذْرَ يُجْزِيهِ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ لَا عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ فَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ، وَلِهَذَا لَا يُتَنَفَّلُ بِهِ فَوُجُودُ النِّيَّةِ فِي أَصْلِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ الْإِحْرَامُ يُغْنِي عَنْ اشْتِرَاطِهِ فِي الْوُقُوفِ مَعَ أَنَّ الْوُقُوفَ أَعْظَمُ الرُّكْنَيْنِ لَكِنْ بِاعْتِبَارِ الْأَمْنِ عَلَى الْبُطْلَانِ عِنْدَ فِعْلِهِ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ أَهَلَّ عَنْهُ رَفِيقُهُ بِإِغْمَائِهِ جَازَ) أَيْ أَحْرَمَ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ أَمَرَهُ بِأَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ عِنْدَ عَجْزِهِ أَوَّلًا، وَالْأَوَّلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي الثَّانِي خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَافَقَةَ أَمْرٌ بِهِ دَلَالَةٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا إنَّمَا تُرَادُ الْمُرَافَقَةُ لِأَمْرِ السَّفَرِ لَا غَيْرُ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ثُبُوتِ الْإِذْنِ دَلَالَةً مَسَائِلُ ذَكَرَهَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْحَجِّ وَمِنْهَا ذَبْحُ شَاةِ قَصَّابٍ شَدَّهَا لِلذَّبْحِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَا لَوْ لَمْ يَشُدَّهَا، وَمِنْهَا ذَبْحُ أُضْحِيَّةِ غَيْرِهِ مِنْ أَيَّامِهَا بِلَا إذْنِهِ ذَكَرَهَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ مُطْلَقَةً وَقُيِّدَتْ فِي بَعْضِهَا بِمَا إذَا أَضْجَعَهَا لِلذَّبْحِ وَمِنْهَا وَضَعَ الْقِدْرَ عَلَى كَانُونٍ وَفِيهِ اللَّحْمُ وَوَضَعَ الْحَطَبَ تَحْتَهَا فَوَقَدَ النَّارَ رَجُلٌ وَطَبَخَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا جَعَلَ بُرَّهُ فِي دَوْرَقٍ وَرَبَطَ الْحِمَارَ فَسَاقَهُ رَجُلٌ حَتَّى طَحَنَهُ، وَمِنْهَا سَقَطَ حِمْلٌ فِي الطَّرِيقِ فَحُمِلَ بِلَا إذْنِ رَبِّهِ فَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ وَمِنْهَا رَفَعَ جَرَّةَ نَفْسِهِ فَأَعَانَهُ آخَرُ عَلَى الرَّفْعِ فَانْكَسَرَتْ.
وَمِنْهَا مُزَارِعٌ زَرَعَ الْأَرْضَ بِبَذْرِ رَبِّهَا وَلَمْ يُنْبِتْ حَتَّى سَقَاهَا رَبُّهَا بِلَا أَمْرِهِ فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا هُيِّئَتْ لِلسَّقْيِ
ــ
[منحة الخالق]
دُعَاءُ الْبَرَايَا يُسْتَجَابُ بِكَعْبَةٍ
…
وَمُلْتَزَمٍ وَالْمَوْقِفَيْنِ كَذَا الْحَجَرْ
طَوَافٌ وَسَعْيٌ مَرُوتَيْنِ وَزَمْزَمَ
…
مَقَامٌ وَمِيزَابٌ جِمَارُكَ تُعْتَبَرْ
وَمُرَادُهُ بِالْمَوْقِفَيْنِ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَبِالْمَرُوتَيْنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَغْلِيبًا وَمَا ذَكَرَهُ بِنَاءً عَلَى عَدِّ الْجِمَارِ ثَلَاثًا لَكِنْ نَقَصَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنًى، وَذَكَرَ بَدَلَهُ الْحَجَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا عَنْ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ وَالسِّدْرَةِ وَقَدْ زَادَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ اللُّبَابِ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مَعَ مَوْضِعَيْنِ آخَرَيْنِ فِي الْحَجَرِ وَعِنْدَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي وَنَظَمْت هَذِهِ الْخَمْسَةَ إلْحَاقًا لِمَا فِي النَّهْرِ بِقَوْلِي
وَرُؤْيَةُ بَيْتٍ ثُمَّ حَجَرٍ وَسِدْرَةٍ
…
وَرُكْنِ يَمَانٍ مَعَ مِنًى لَيْلَةَ الْقَمَرْ
وَقَوْلِي لَيْلَةَ الْقَمَرِ تَابَعْت فِيهِ قَوْلَهُ فِي الدُّرِّ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَمِثْلُهُ مَا مَرَّ فِي الْأُرْجُوزَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا لَيْلَةُ الثَّالِثَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ لَا يَمْكُثُ فِي مِنًى بَعْدَهَا تَأَمَّلْ.
[فَصْلٌ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ]
(فَصْلٌ)(قَوْلُهُ فَإِنَّ حَقِيقَةَ السُّقُوطِ إلَخْ) كَانَ هَذَا وَجْهَ قَوْلِهِ فِي النَّهْرِ وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ أَيْ الْوَافِي وَلَمْ يَطُفْ لِلْقُدُومِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى اهـ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِوَجْهِ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ تُشْعِرُ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ عَبَّرَ بِالسُّقُوطِ بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْوَافِي تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ إمَّا لِأَنَّهُ إلَخْ) بَيَانٌ لِوَجْهِ سُقُوطِهِ وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ مَذْكُورٌ فِي الْهِدَايَةِ وَالثَّانِي فِي التَّبْيِينِ قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَنْقُوضٌ بِالْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهَا فِي قُوَّةِ الْوَاجِبِ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ مُسِيءٌ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ لَا دَمَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِتَمَامِ الْحَجِّ) الْمُرَادُ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ بِتَمَامِ الْحَجِّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَقَوْلُهُ بِالْوُقُوفِ مُتَعَلِّقٌ بِتَمَامٍ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ حَالٌ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ وَعِبَارَتِهِمْ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ الْأَمْنُ بِالرَّفْعِ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّوَافَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ يَرِدُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتَنَفَّلُ بِهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّةُ، وَهَذَا لَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي عَنْهُ جَوَابٌ اهـ.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً لِمَا ذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ
وَالتَّرْبِيَةِ صَارَ مُسْتَعِينًا بِكُلِّ مَنْ قَامَ بِهِ دَلَالَةً، وَكَذَا لَوْ سَقَاهَا أَجْنَبِيٌّ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَمِنْهَا مَنْ أَحْضَرَ فَعْلَةً لِهَدْمِ دَارٍ فَهَدَمَ آخَرُ بِلَا إذْنٍ لَا يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا، وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِهَا أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَا يَتَفَاوَتُ فِيهِ النَّاسُ تَثْبُتُ الِاسْتِعَانَةُ فِيهِ بِكُلِّ أَحَدٍ دَلَالَةً وَكُلَّ عَمَلٍ يَتَفَاوَتُ فِيهِ النَّاسُ لَا تَثْبُتُ الِاسْتِعَانَةُ فِيهِ بِكُلِّ أَحَدٍ كَمَا لَوْ ذَبَحَ شَاةً وَعَلَّقَهَا لِلسَّلْخِ فَسَلَخَهَا رَجُلٌ بِلَا إذْنِهِ ضَمِنَ اهـ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْإِحْرَامَ هُوَ النِّيَّةُ مَعَ التَّلْبِيَةِ فَإِذَا نَوَى الرَّفِيقَ وَلَبَّى صَارَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مُحْرِمًا لَا الرَّفِيقُ وَلِذَا يَجُوزُ لِلرَّفِيقِ بَعْدَهُ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَصِحُّ مِنْهُ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مُحْرِمًا لِنَفْسِهِ وَلَا يَلْزَمُ النَّائِبَ التَّجَرُّدُ عَنْ الْمَخِيطِ لِأَجْلِ إحْرَامِهِ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَلَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ رَفِيقِهِ وَارْتَكَبَ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ الْقَارِنِ يَلْزَمُهُ جَزَاءَانِ؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامَيْنِ.
وَشَمِلَ مَا إذَا أَحْرَمَ عَنْهُ بِحِجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ بِمَكَّةَ، وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَالْمُرَادُ بِالرَّفِيقِ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْقَافِلَةِ سَوَاءٌ كَانَ مُخَالِطًا لَهُ أَوْ لَا كَمَا قَالُوا فِيمَا إذَا خَافَ عَطَشَ رَفِيقِهِ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ الْوَاحِدُ مِنْ الْقَافِلَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدَّادِيُّ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فَحِينَئِذٍ ذِكْرُ الرَّفِيقِ فِي عِبَارَتِهِمْ هُنَا لِبَيَانِ الْوَاقِعِ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ غَيْرُ رَفِيقِهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قِيلَ يَجُوزُ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ، وَلَمْ يُرَجِّحْ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ لَا الْوِلَايَةِ وَدَلَالَةُ الْإِعَانَةِ قَائِمَةٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ عُلِمَ قَصْدُهُ رَفِيقًا كَانَ أَوْ لَا، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْإِحْرَامَ شَرْطٌ عِنْدَنَا اتِّفَاقًا كَالْوُضُوءِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ شَبَهٌ بِالرُّكْنِ فَجَازَتْ النِّيَابَةُ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ نِيَّةِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَلَدِهِ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَافَقَةَ تَكُونُ أَمْرًا بِهِ دَلَالَةٌ عِنْدَ الْعَجْزِ أَوْ لَا اهـ.
وَيُرَجِّحُهُ أَيْضًا أَنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِذْنَ ثَابِتٌ فِيهَا دَلَالَةً لَمْ تَخْتَصَّ بِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ بَلْ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِيهَا عَلَى السَّوَاءِ.
وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَمَرَّ مُغْمًى عَلَيْهِ إلَى وَقْتِ أَدَاءِ الْأَفْعَالِ فَأَدَّى عَنْهُ رَفِيقُهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ الْمَشَاهِدَ وَلَمْ يَطُفْ بِهِ، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ مِمَّا تُجْزِئُ فِيهَا النِّيَابَةُ عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَا فِي اسْتِنَابَةِ الزَّمِنِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ أَفَاقَ قَبْلَ الْأَفْعَالِ تَبَيَّنَ أَنَّ عَجْزَهُ كَانَ فِي الْإِحْرَامِ فَقَطْ فَصَحَّتْ النِّيَابَةُ فِيهِ، ثُمَّ يَجْرِي هُوَ عَلَى مُوجِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يُفِقْ تَحَقَّقَ عَجْزُهُ عَنْ الْكُلِّ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الرَّفِيقَ بِفِعْلِ الْمَحْظُورِ شَيْءٌ بِخِلَافِ النَّائِبِ فِي الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّعُ إفَاقَتَهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ فَنَقَلْنَا الْإِحْرَامَ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ إذْ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ الرَّفِيقُ الْمَنَاسِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ.
وَقَدْ سَبَقَتْ النِّيَّةُ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ نِيَّتُهُمْ الطَّوَافَ إذَا حَمَلُوهُ كَمَا يُشْتَرَطُ نِيَّتُهُ، وَقَيَّدْنَا بِالْإِغْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الطَّوَافَ إذَا طَافَ بِهِ رَفِيقُهُ وَهُوَ نَائِمٌ إنْ كَانَ بِأَمْرِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ كَفِعْلِ الْآمِرِ وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ فَظَهَرَ أَنَّ النَّائِمَ يُشْتَرَطُ صَرِيحُ الْإِذْنِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْحَامِلِ لِلطَّوَافِ إنْ كَانَ الْمَحْمُولُ مُغْمًى عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ حَمَلَهُ وَطَافَ بِهِ طَالِبًا الْغَرِيمَ لَمْ يُجْزِهِ بِخِلَافِ النَّائِمِ لَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْحَامِلِ لَهُ
ــ
[منحة الخالق]
فِي الِاعْتِكَافِ مِنْ أَنَّ النَّذْرَ بِهَا لَا يَصِحُّ مُعَلَّلًا بِأَنَّهَا فُرِضَتْ تَبَعًا لِلصَّلَاةِ لَا لِعَيْنِهَا.
(قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ إطْلَاقُهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ اهـ وَفِي النَّهْرِ ظَاهِرُ مَا فِي الْفَتْحِ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي قَرِيبًا عَمَّنْ قَصَدَهُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِقَصْدِهِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ الْإِحْرَامُ بِهِمَا بَلْ إمَّا بِالْعُمْرَةِ أَوْ الْحَجِّ فَإِنْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَجِّ بِأَنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ دُخُولَ مَكَّةَ مِنْ الْمِيقَاتِ لَيْلَةَ الْوُقُوفِ مَثَلًا تَعَيَّنَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مِنْهُ وَإِلَّا بِأَنْ دَخَلُوا فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ فَبِالْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الْإِعَانَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِمَا يَنْفَعُ لَا بِغَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَالْوَقْتُ لِلْحَجِّ أَنْ لَا يَصِحَّ، وَهَذَا فِقْهٌ حَسَنٌ لَمْ أَرَ مَنْ أَفْصَحَ بِهِ اهـ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُؤَلِّفِ مَا فِي الشرنبلالية أَنَّ الْمُسَافِرَ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ الْفَرْضَ كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ بِعُمْرَةٍ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، وَقَدْ يَمْتَدُّ الْإِغْمَاءُ وَلَا يَحْصُلُ إحْرَامٌ عَنْهُ بِالْحَجِّ فَيَفُوتُ مَقْصِدُهُ ظَاهِرًا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ سَبَقَتْ النِّيَّةُ مِنْهُ) وَتَمَامُ كَلَامِهِ فَهُوَ كَمَنْ نَوَى الصَّلَاةَ فِي ابْتِدَائِهَا ثُمَّ أَدَّى الْأَفْعَالَ سَاهِيًا لَا يَدْرِي مَا يَفْعَلُ حَيْثُ يُجْزِئُهُ لِسَبْقِ النِّيَّةِ اهـ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ لِبَعْضِ أَرْكَانِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ الطَّوَافُ بِخِلَافِ سَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ هَذِهِ النِّيَّةُ اهـ.
قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ: مَا عَلَّلَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِلطَّوَافِ أَصْلًا، وَأَنَّ نِيَّةَ الْإِحْرَامِ مُغْنِيَةٌ عَنْهُ يُفْصِحُ عَنْ ذَلِكَ مَا فِي الْبَدَائِعِ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ أَنَّ الطَّوَافَ لَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الطَّوَافِ عِنْدَ الطَّوَافِ.
وَأَشَارَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ إلَى أَنَّ نِيَّةَ الطَّوَافِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ أَصْلًا، وَأَنَّ نِيَّةَ الْحَجِّ عِنْدَ الْإِحْرَامِ كَافِيَةٌ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ مُفْرَدَةٍ كَمَا فِي سَائِرِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ نَعَمْ فِي حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ مُؤَاخَذَةٌ لَا تَخْفَى وَعَلَى هَذَا تَفَرَّعَ مَا فِي الْمُحِيطِ لَوْ طَافَ بِنَائِمٍ إنْ كَانَ بِأَمْرِهِ جَازَ لَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْحَامِلِ الطَّوَافَ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِحْرَامِ كَافِيَةٌ وَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذَا فِي الْبَحْرِ فَزَعَمَ أَنَّ مَا فِي الْمُحِيطِ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ الْمُقَابِلِ. اهـ.
، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا سَيَأْتِي عَنْ
لِلطَّوَافِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِحْرَامِ مِنْهُ كَافِيَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَفِيهِ بَحْثٌ فَإِنَّ الطَّوَافَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلِ النِّيَّةِ وَلَا يَكْفِي نِيَّةُ الْإِحْرَامِ لَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْحَامِلِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّ نِيَّةَ الْإِحْرَامِ لَا تَكْفِي لِلطَّوَافِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا النَّائِمُ فَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ اسْتِئْجَارَ الْمَرِيضِ مَنْ يَحْمِلُهُ وَيَطُوفُ بِهِ صَحِيحٌ وَلَهُ الْأُجْرَةُ إذَا طَافَ بِهِ، وَأَنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الرَّمْيَ تُوضَعُ الْحَصَاةُ فِي كَفِّهِ لِيَرْمِيَ بِهِ أَوْ يَرْمِيَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ، وَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَيَقْضِيَ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا بِالْأَوْلَى، وَلَوْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ أَوْ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَمَنْ طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ الطَّوَافُ عَنْ الْحَامِلِ وَالْمَحْمُولِ جَمِيعًا، وَسَوَاءٌ نَوَى الْحَامِلُ الطَّوَافَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الْمَحْمُولِ أَوْ لَمْ يَنْوِ، أَوْ كَانَ لِلْحَامِلِ طَوَافُ الْعُمْرَةِ وَلِلْمَحْمُولِ طَوَافُ الْحَجِّ أَوْ لِلْحَامِلِ طَوَافُ الْحَجِّ وَلِلْمَحْمُولِ طَوَافُ الْعُمْرَةِ أَوْ يَكُونُ الْحَامِلُ لَيْسَ بِمُجَرَّدٍ وَالْمَحْمُولُ عَمَّا أَوْجَبَهُ إحْرَامُهُ وَإِنْ طِيفَ بِهِ لِغَيْرِ عِلَّةِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ أَوْ الزِّيَارَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ أَوْ الدَّمُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ غَيْرَ أَنَّهَا تَكْشِفُ وَجْهَهَا لَا رَأْسَهَا وَلَا تُلَبِّي جَهْرًا وَلَا تَرْمُلُ وَلَا تَسْعَى بَيْنَ الْمِيلَيْنِ وَلَا تَحْلِقُ رَأْسَهَا وَلَكِنْ تُقَصِّرُ وَتَلْبَسُ الْمَخِيطَ) ؛ لِأَنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ عَامَّةٌ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى الْخُصُوصِ، وَإِنَّمَا لَا تَكْشِفُ رَأْسَهَا لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ بِخِلَافِ وَجْهِهَا فَاشْتَرَكَا فِي كَشْفِ الْوَجْهِ وَانْفَرَدَتْ بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَلَمَّا كَانَ كَشْفُ وَجْهِهَا خَفِيًّا؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ إلَى الْفَهْمِ أَنَّهَا لَا تَكْشِفُهُ لِمَا أَنَّهُ مَحِلُّ الْفِتْنَةِ نَصَّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَا سَوَاءً فِيهِ وَلِمَا قَدَّمَ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ أَنَّ الرَّجُلَ يَكْشِفُ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ لَمْ يُتَوَهَّمْ هُنَا مِنْ عِبَارَتِهِ اخْتِصَاصُهَا بِكَشْفِ الْوَجْهِ، وَالْمُرَادُ بِكَشْفِ الْوَجْهِ عَدَمُ مُمَاسَّةِ شَيْءٍ لَهُ فَلِذَا يُكْرَهُ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ الْبُرْقُعَ لِأَنَّ ذَلِكَ يُمَاسُّ وَجْهَهَا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ أَرْخَتْ شَيْئًا عَلَى وَجْهِهَا وَجَافَتْهُ لَا بَأْسَ بِهِ كَذَا ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ لَكِنْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَقَدْ جَعَلُوا لِذَلِكَ أَعْوَادًا كَالْقُبَّةِ تُوضَعُ عَلَى الْوَجْهِ وَتَسْتَدِلُّ مِنْ فَوْقِهَا الثَّوْبَ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكْشِفُ وَجْهَهَا لِلْأَجَانِبِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ اهـ.
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِرْخَاءَ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَوُجُودِ الْأَجَانِبِ وَاجِبٌ عَلَيْهَا إنْ كَانَ الْمُرَادُ لَا يَحِلُّ أَنْ تَكْشِفَ فَمَحْمَلُ الِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ عَدَمِهِمْ وَعَلَى أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ فَالْوَاجِبُ مِنْ الْأَجَانِبِ غَضُّ الْبَصَرِ، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَبِيلَ كِتَابِ السَّلَامِ فِي قَوْلِهِ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ نَظَرِ الْفَجْأَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي» .
قَالَ الْعُلَمَاءُ وَفِي هَذَا حُجَّةٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتُرَ وَجْهَهَا فِي طَرِيقِهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لَهَا، وَيَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهَا إلَّا لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ اهـ.
وَظَاهِرُهُ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ مَعْنَى مَا فِي الْفَتَاوَى
ــ
[منحة الخالق]
الْإِسْبِيجَابِيِّ مُفَرَّعٌ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَدَلَّ كَلَامُهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَمْ أَرَ مَا لَوْ جُنَّ فَأَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ أَوْ رَفِيقُهُ وَشَهِدَ بِهِ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا هَلْ يَصِحُّ وَيَسْقُطُ عَنْهُ حِجَّةُ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا ثُمَّ رَأَيْته فِي الْفَتْحِ نَقَلَ عَنْ الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ أَحْرَمَ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ أَصَابَهُ عَنْهُ فَقَضَى بِهِ أَصْحَابُهُ الْمَنَاسِكَ، وَوَقَفُوا بِهِ فَمَكَثَ كَذَلِكَ سِنِينَ ثُمَّ أَفَاقَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ اهـ.
، وَهَذَا رُبَّمَا يُؤْمِنُ إلَى الْجَوَازِ فَتَدَبَّرْ اهـ. وَلَا تَنْسَ مَا قَدَّمْنَاهُ قَبِيلَ الْمَوَاقِيتِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَلَمَّا كَانَ كَشْفُ وَجْهِهَا خَفِيًّا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا جَوَابٌ عَمَّا اعْتَرَضَ الزَّيْلَعِيُّ وَتَبِعَهُ الْعَيْنِيُّ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ تَكْشِفُ وَجْهَهَا تَكْرَارٌ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَكْشِفُ رَأْسَهَا كَانَ أَوْلَى. (قَوْلُهُ لَمْ يُتَوَهَّمْ هُنَا مِنْ عِبَارَتِهِ اخْتِصَاصُهَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَهُ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ يُوهِمُ الِاخْتِصَاصَ، وَكَانَ يُمْكِنُهُ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الْخَفَاءِ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَكْشِفُ رَأْسَهَا وَتَكْشِفُ وَجْهَهَا. (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِكَشْفِ الْوَجْهِ إلَخْ) لَوْ عَطَفَهُ بِأَوْ لَكَانَ جَوَابًا آخَرَ أَحْسَنَ مِنْ الْأَوَّلِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا إلَخْ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى مَا فِي الْفَتَاوَى وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ شَرْطَ جَوَابِهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ أَيْ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا تَكْشِفُ لَا يَحِلُّ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِرْخَاءَ إلَخْ وَقَوْلُهُ فَمَحْمَلُ الِاسْتِحْبَابِ أَيْ الْوَاقِعُ فِي كَلَامِ الْفَتْحِ تَفْرِيعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَيَجُوزُ جَعْلُهُ جَوَابَ الشَّرْطِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَقَوْلُهُ أَوْ عَلَى أَنَّهُ أَيْ الشَّأْنُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَاجِبِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْفَاءُ فِيهِ زَائِدَةٌ وَغَضٌّ خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ الثَّانِيَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَدُلُّ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ لَا يَحِلُّ عَلَى أَنَّ الْإِرْخَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا إنْ أَمْكَنَهَا، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ عَلَى الْأَجَانِبِ الْغَضُّ. (قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَمْنُوعٌ بَلْ الْمُرَادُ عُلَمَاءُ مَذْهَبِهِ وَقَوْلُ الْفَتَاوَى لَا تَكْشِفُ أَيْ لَا يَحِلُّ اهـ.
فَلْيُتَأَمَّلْ نَعَمْ يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ الْحِلِّ مَا فِي الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ وَفِي الْأَصْلِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ تُرْخِي عَلَى وَجْهِهَا بِخِرْقَةٍ وَتُجَافِي عَنْ وَجْهِهَا قَالُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مَنْهِيَّةٌ عَنْ إظْهَارِ وَجْهِهَا لِلرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ لِأَجْلِ النُّسُكِ.
لَا يَنْبَغِي كَشْفُهَا، وَإِنَّمَا لَا تَجْهَرُ بِالتَّلْبِيَةِ لِمَا أَنَّ صَوْتَهَا يُؤَدِّي إلَى الْفِتْنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ أَوْ عَوْرَةٌ عَلَى مَا قِيلَ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا لَا رَمَلَ وَلَا سَعْيَ لَهَا لِمَا أَنَّهُ يُخِلُّ بِالسَّتْرِ أَوْ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَشْرُوعِيَّةِ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ وَهُوَ لِلرِّجَالِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهَا لَا تَضْطَبِعُ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةُ الرَّمَلِ، وَإِنَّمَا لَا تَحْلِقُ لِكَوْنِهِ مُثْلَةً كَحَلْقِ اللِّحْيَةِ وَأَطْلَقَ فِي التَّقْصِيرِ فَأَفَادَ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ فِيهِ خِلَافًا لِمَا قِيلَ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ فِي حَقِّهَا بِالرُّبْعِ بِخِلَافِ الرَّجُلِ، وَإِنَّمَا تَلْبَسُ الْمَخِيطَ لِمَا أَنَّهَا عَوْرَةٌ.
وَأَشَارَ بِعَدَمِ الرَّمَلِ إلَّا أَنَّهَا لَا تَسْتَلِمُ الْحَجَرَ إذَا كَانَ هُنَاكَ جَمْعٌ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ عَنْ مُمَاسَّةِ الرِّجَالِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
وَأَشَارَ بِلُبْسِ الْمَخِيطِ إلَى لُبْسِ الْخُفَّيْنِ وَالْقُفَّازَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهَا لَا تَحُجُّ إلَّا بِمَحْرَمٍ بِخِلَافِ الرَّجُلِ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْحَجِّ بَلْ هُوَ حُكْمُ كُلِّ سَفَرٍ، وَمِنْ أَنَّهَا تَتْرُكُ طَوَافَ الصَّدْرِ بِعُذْرِ الْحَيْضِ فَلَيْسَ مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ غَيْرُ مُمْكِنٍ مِنْ الرَّجُلِ حَتَّى تُخَالِفَهُ فِي أَحْكَامِهِ، وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهَا بِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ شَيْءٌ. قَالُوا: وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا كَالْمَرْأَةِ احْتِيَاطًا وَلَا يَخْلُو بِامْرَأَةٍ وَلَا بِرَجُلٍ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُنْثَى.
(قَوْلُهُ وَمَنْ قَلَّدَ بَدَنَةَ تَطَوُّعٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ نَحْوِهِ فَتَوَجَّهَ مَعَهَا يُرِيدُ الْحَجَّ فَقَدْ أَحْرَمَ) بَيَانٌ لِمَا يَقُومُ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّلْبِيَةِ إظْهَارُ الْإِجَابَةِ لِلدَّعْوَةِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ قَيَّدَ بِكَوْنِهِ مُحْرِمًا بِثَلَاثَةٍ التَّقْلِيدُ وَالتَّوَجُّهُ وَإِرَادَةُ النُّسُكِ فَأَفَادَ أَنَّ التَّقْلِيدَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي، وَكَذَا أَخَوَاهُ وَكَذَا لَوْ تَقَلَّدَ وَسَاقَ وَلَمْ يَنْوِ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا فَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَلَّدَهَا وَسَاقَهَا قَاصِدًا إلَى مَكَّةَ صَارَ مُحْرِمًا بِالسَّوْقِ نَوَى الْإِحْرَامَ أَوْ لَمْ يَنْوِ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ قَصْدَ مَكَّةَ مِنْهُ نِيَّةٌ فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى فَلَا مُخَالَفَةَ مِنْهُ لِمَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ، وَأَرَادَ بِجَزَاءِ الصَّيْدِ جَزَاءَ صَيْدٍ عَلَيْهِ فِي حِجَّةٍ سَابِقَةٍ فَقَلَّدَهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ جَزَاءَ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ أَوْ نَحْوِهِ إلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ بِشَيْءٍ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ قَلَّدَ بَدَنَةً مُطْلَقَةً، وَالتَّقْلِيدُ أَنْ يُعَلِّقَ عَلَى عُنُقِ بَدَنَتِهِ قِطْعَةَ نَعْلٍ أَوْ شِرَاكَ نَعْلٍ أَوْ عُرْوَةً مَزَادَةً أَوْ لِحَاءَ شَجَرٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ هَدْيٌ، وَالْمَعْنَى بِالتَّقْلِيدِ إفَادَةُ أَنَّهُ عَنْ قَرِيبٍ يَصِيرُ جِلْدَهُ كَذَا اللِّحَاءُ وَالنَّعْلُ فِي الْيُبُوسَةِ لِإِرَاقَةِ دَمِهِ، وَكَانَ فِي الْأَصْلِ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَيْ لَا تُهَاجُ عَنْ الْوُرُودِ وَالْكَلَإِ وَلِتَرُدَّ إذَا ضَلَّتْ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ هَدْيٌ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي بَدَنَةٍ فَقَلَّدَهَا أَحَدُهُمْ صَارُوا مُحْرِمِينَ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْبَقِيَّةِ وَسَارُوا مَعَهَا.
(قَوْلُهُ فَإِنْ بَعَثَ بِهَا ثُمَّ تَوَجَّهَ إلَيْهَا لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا حَتَّى يَلْحَقَهَا إلَّا فِي بَدَنَةِ الْمُتْعَةِ) لِفَقْدِ أَحَدِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ السَّوْقُ فِي الِابْتِدَاءِ فَإِذَا أَدْرَكَهَا اقْتَرَنَتْ نِيَّتُهُ بِفِعْلِ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهَا إلَّا فِي هَدْيٍ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْحَجِّ وَضْعًا، وَهُوَ هَدْيُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَإِنَّهُ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْإِدْرَاكِ، وَالْمُتْعَةُ تَشْمَلُ التَّمَتُّعَ الْعُرْفِيَّ وَالْقِرَانَ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ التَّمَتُّعُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] إلَى آخِرِهِ فَهُوَ دَلِيلُهُمَا فَلِذَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُتْعَةِ، وَلَمَّا كَانَ التَّمَتُّعُ لَا يَكُونُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يُقَيِّدْ الْبَعْثَ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ فَاسْتَغْنَى عَنْ تَقْيِيدِ النِّهَايَةِ ثُمَّ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ شَرَطَ اللُّحُوقَ فَقَطْ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ السَّوْقَ مَعَهُ وَشَرَطَهُمَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَكِيلِ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ كَفِعْلِ الْمُوَكِّلِ كَذَا عَلَّلَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِاللُّحُوقِ، وَإِنْ لَمْ يَسُقْهَا أَحَدٌ وَهَذَا التَّعْلِيلُ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَقَدْ يُقَالُ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْمُعْتَبَرُ فِي الْإِحْرَامِ إنَّمَا هُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ قَصْدَ مَكَّةَ لَا يَسْتَلْزِمُهُ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ مَنْ قَصَدَ مَكَّةَ مِنْ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ لَا يَقْصِدُهَا إعَادَةً إلَّا لِلنُّسُكِ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فَصَارَ مُحْرِمًا سَوَاءٌ سَاقَهَا أَوْ لَا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ وَفِي الْأَصْلِ وَيَسُوقُهُ وَيَتَوَجَّهُ مَعَهُ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ هَذَا أَعْنِي ذِكْرَ السَّوْقِ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ إنَّمَا الشَّرْطُ أَنْ يَلْحَقَهُ وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا التَّأْوِيلِ وَلِذَا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ مَنْ أَثْبَتَ الْخِلَافَ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ عَلِمْت أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْفَتْحِ فِي قَوْلِ الْهِدَايَةِ فَإِنْ أَدْرَكَهَا وَسَاقَهَا أَوْ أَدْرَكَهَا رَدَّدَ بَيْنَ السَّوْقِ وَعَدَمِهِ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ الْأَصْلِ قَالَ وَهُوَ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ فِيهِ مُؤَاخَذَةٌ ظَاهِرَةٌ إذْ كَوْنُهُ أَمْرًا اتِّفَاقِيًّا بِرَفْعِ الْخِلَافِ الَّذِي حَكَاهُ أَوَّلًا (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا سَهْوٌ ظَاهِرٌ إذْ لَيْسَ مَوْضُوعُ عِبَارَةِ الْجَامِعِ أَنَّ غَيْرَهُ سَاقَ بَلْ لَوْ لَمْ يَسُقْهَا أَحَدٌ بَعْدَمَا لَحِقَهَا صَارَ مُحْرِمًا عَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ، وَلَيْسَ فِي الْفَتْحِ تَعْلِيلُ مَا فِي الْجَامِعِ بِهَذَا إنَّمَا ذَكَرَ مَسْأَلَةً مُبْتَدَأَةً بَعْدَمَا حَكَى الْخِلَافَ وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَهَا وَلَمْ يَسُقْ وَسَاقَ غَيْرُهُ فَهُوَ كَسَوْقِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَكِيلِ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ كَفِعْلِ الْمُوَكِّلِ اهـ. نَعَمْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُفَرَّعًا عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ.