الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صَحِيحِ مُسْلِمٍ صَرِيحٌ فِي رَدِّ كَلَامِ الطَّحَاوِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ لِأَنَّ الثَّمَانَ كَانَتْ نَفْلًا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ.
[الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ فِي نَفْلِ النَّهَارِ وَعَلَى ثَمَانٍ لَيْلًا]
(قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا الرُّبَاعُ) أَيْ الْأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا فِي اللَّيْلِ رَكْعَتَانِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ قَالَ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خِفْت الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «مَا كَانَ يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا» وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ عليه الصلاة والسلام يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ»
وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ وَغَيْرِهِ فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ ثُمَّ الْجَوَابُ عَنْ دَلِيلِهِمَا كَمَا أَفَادَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مُخْتَصِرًا أَنَّ مُقْتَضَى لَفْظِ الْحَدِيثِ إمَّا مَثْنَى فِي حَقِّ الْفَضِيلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَرْبَعِ أَوْ فِي حَقِّ الْإِبَاحَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْدِ وَتَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا بِمُرَجَّحٍ وَفِعْلُهُ صلى الله عليه وسلم وَرَدَ عَلَى كِلَا النَّحْوَيْنِ لَكِنْ عَقَلْنَا زِيَادَةَ فَضِيلَةِ الْأَرْبَعِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَشَقَّةً عَلَى النَّفْسِ بِسَبَبِ طُولِ تَقْيِيدِهَا فِي مَقَامِ الْخِدْمَةِ وَرَأَيْنَاهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «إنَّمَا أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك» فَحَكَمْنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ الثَّانِي لَا وَاحِدَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي زِيَادَاتِ الزِّيَادَاتِ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ فَصَلَّاهَا بِتَسْلِيمَتَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَتَيْنِ فَصَلَّاهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ عَنْ نَذْرِهِ وَفِي الْمُحِيطِ وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا فِي التَّرَاوِيحِ مَثْنَى مَثْنَى لِأَنَّهَا تُؤَدَّى بِالْجَمَاعَةِ وَأَدَاؤُهَا عَلَى النَّاسِ مَثْنَى مَثْنَى أَخَفُّ وَأَيْسَرُ.
ــ
[منحة الخالق]
اهـ.
وَالشَّأْنُ فِي بَيَانِ الْأَفْضَلِ انْتَهَى لَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ قَوْلَ الطَّحَاوِيِّ لَمْ نَجِدْ أَنَّهُ أَبَاحَ إلَخْ يُنَافِيهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّأْوِيلِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ
وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الِاخْتِيَارِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ إنْكَارَ كَوْنِهِ عليه الصلاة والسلام يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعِيدٌ جِدًّا وَلِذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا كَمَا كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَرِوَايَةُ بَعْضِ فِعْلِهِ أَعْنِي فِعْلَ الْأَرْبَعِ لَا يُوجِبُ الْمُعَارَضَةَ اهـ.
وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَا قَالَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَتَهَجَّدُ مِنْ اللَّيْلِ بَلْ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ وَالْكَلَامُ فِي نَسْخِ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا مَرَّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يُصَلِّي الْوِتْرَ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يُصَلِّي خَمْسَ رَكَعَاتٍ سَبْعَ رَكَعَاتٍ الْحَدِيثَ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى أَحَدَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ فَثَلَاثٌ مِنْهَا كَانَ وِتْرًا وَثَمَانِي رَكَعَاتٍ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى ثَلَاثَةَ عَشْرَ رَكْعَةً فَثَلَاثٌ مِنْهَا كَانَ وِتْرًا وَثَمَانِي رَكَعَاتٍ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَرَكْعَتَانِ لِلْفَجْرِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ التَّفْسِيرُ مَنْقُولٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ مُسْتَخْرَجٍ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِنَا.
(قَوْلُهُ وَقَالَا فِي اللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ فِي الْعُيُونِ وَبِقَوْلِهِمَا يُفْتِي اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَرَدَّهُ الشَّيْخُ قَاسِمٌ بِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمَشَايِخُ لِلْإِمَامِ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ (قَوْلُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ إلَخْ) وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمٍ لَقَالَتْ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أَوْ كَانَ يُصَلِّي ثَمَانِيًا (قَوْلُهُ أَنَّ مُقْتَضَى لَفْظِ الْحَدِيثِ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ مُقْتَضَى لَفْظِ الْحَدِيثِ حَصْرُ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِ الْأَرْبَعِ أَيْضًا وَعَلَى كَرَاهَةِ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ وَإِذَا انْتَفَى كَوْنُ الْمُرَادِ لَا تُبَاحُ الِاثْنَتَيْنِ أَوْ لَا تَصِحُّ لَزِمَ كَوْنُ الْحُكْمِ بِمَثْنَى أَمَّا فِي حَقِّ الْفَضِيلَةِ إلَخْ مَا ذَكَرَهُ هُنَا وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ جَوَابًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ مَثْنَى مَثْنَى عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلِهِ أَرْبَعٌ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ أَرْبَعٌ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ لِأَنَّ مَثْنَى مَعْدُولٌ عَنْ الْعَدَدِ الْمُكَرَّرِ وَهُوَ اثْنَانِ اثْنَانِ فَمُرَادُهُ حِينَئِذٍ اثْنَانِ اثْنَانِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ ثُمَّ اثْنَانِ اثْنَانِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَهَلُمَّ جَرًّا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ لِأَنَّ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ الصَّلَاةُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَسَبَبُ الْعُدُولِ عَنْ أَرْبَعٍ أَرْبَعٍ مَعَ أَنَّهُ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا وَأَشْهُرُ لِإِفَادَةِ كَوْنِ الْأَرْبَعِ مَفْصُولَةً بِغَيْرِ السَّلَامِ وَهُوَ التَّشَهُّدُ فَقَطْ وَإِلَّا كَانَ كُلُّ صَلَاةٍ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَقَدْ كَانَتْ أَرْبَعًا قَالَ وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ مَا يَحْسُنُ تَفْسِيرًا عَلَى مَا قُلْنَا وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى بِتَشَهُّدٍ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» اهـ.
مُخْتَصَرًا وَكَأَنَّ الْمُؤَلِّفَ لَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ يُنَافِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي تَقَدَّمَ عَنْ الطَّحَاوِيِّ «أَنَّهُ عليه السلام كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ اثْنَيْنِ» وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مَثْنَى الثَّانِيَةُ تَأْكِيدًا لِلْأُولَى وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْحَمْلَ الْمَذْكُورَ إذْ لَا يُنْكَرُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يُصَلِّي كُلَّ رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ كَمَا مَرَّ وَظَاهِرُ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ عَامَّةُ أَحْوَالِهِ صَلَاةَ الْأَرْبَعِ بِتَسْلِيمَةٍ لِقَوْلِهِمَا مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ فَالْأَوْلَى حَمْلُ حَدِيثِ مَثْنَى مَثْنَى عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ أَخَفُّ وَأَيْسَرُ) قُلْت يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ أَيْضًا عَنْ السِّتِّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ بِثَلَاثِ تَسْلِيمَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ فَالْأَوْلَى التَّعْلِيلُ بِاتِّبَاعِ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي كُلٍّ
(قَوْلُهُ وَطُولُ الْقِيَامِ أَحَبُّ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ) أَيْ أَفْضَلُ مِنْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْآثَارِ كَمَا فِي الْكِتَابِ وَصَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَنَسَبَ مَا قَابَلَهُ إلَى الشَّافِعِيِّ وَوَجْهُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ» وَالْمُرَادُ بِالْقُنُوتِ الْقِيَامُ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا «أَيْ الصَّلَاةُ أَفْضَلُ قَالَ عليه الصلاة والسلام طُولُ الْقِيَامِ» وَلِأَنَّ ذِكْرَهُ الْقِرَاءَةُ وَذِكْرَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ التَّسْبِيحُ وَنُقِلَ عَنْهُ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّ كَثْرَةَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِلسَّائِلِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَلَيْك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ وَلِآخَرَ أَعِنِّي عَلَى نَفْسِك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» وَلِأَنَّ السُّجُودَ غَايَةُ التَّوَاضُعِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَلِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ تَوَقَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَحْكُمْ فِيهَا بِشَيْءٍ وَفَصَّلَ الْإِمَامُ أَبُو يُوسُفَ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَالْبَدَائِعِ فَقَالَ إذَا كَانَ لَهُ وِرْدٌ مِنْ اللَّيْلِ بِقِرَاءَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُكْثِرَ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ وَإِلَّا فَطُولُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِي الْأَوَّلِ لَا يَخْتَلِفُ وَيُضَمُّ إلَيْهِ زِيَادَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ انْتَهَى وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ كَثْرَةَ الرَّكَعَاتِ أَفْضَلُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ لِأَنَّ الْقِيَامَ إنَّمَا شُرِعَ وَسِيلَةً إلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ سَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ لِعَجْزِهِ عَمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ فَلَا تَكُونُ الْوَسِيلَةُ أَفْضَلَ مِنْ الْمَقْصُودِ وَأَمَّا لُزُومُهُ لِكَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ فَلَا يُفِيدُ الْأَفْضَلِيَّةَ أَيْضًا لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ زَائِدٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِ رُكْنِيَّتِهَا بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَجْمَعُوا عَلَى رُكْنِيَّتِهِمَا وَأَصَالَتِهِمَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ مَعَ تَخَلُّفِ الْقِيَامِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الْفَرْضِ فِيمَا زَادَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ فَتَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْلُ بِمَا ذَكَرْنَا بَعْدَ تَعَارُضِ الدَّلَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(قَوْلُهُ وَالْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْ الْفَرْضِ) أَيْ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يُقَيِّدْ الرَّكْعَتَيْنِ بِالْأُولَيَيْنِ لِأَنَّ تَعْيِينَهُمَا لِلْقِرَاءَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَإِنَّمَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي عَدِّ الْوَاجِبَاتِ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ مَحَلَّهَا الرَّكْعَتَانِ الْأُولَيَانِ عَيْنًا فِي الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ رَكْعَتَانِ مِنْهَا غَيْرُ عَيْنٍ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَقَطْ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ إنْ كَانَ سَاهِيًا عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ إنَّمَا هُوَ فِي سَبَبِ سُجُودِ السَّهْوِ فَعَلَى مَا صَحَّحَهُ سَبَبُهُ تَغْيِيرُ الْفَرْضِ عَنْ مَحَلِّهِ وَتَكُونُ قِرَاءَتُهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَضَاءً عَنْ قِرَاءَتِهِ فِي الْأَوَّلِيَّيْنِ وَعَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ سَبَبُهُ تَرْكُ
ــ
[منحة الخالق]
مِنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَصَلَاةِ الْأَوَّابِينَ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهَا مَثْنَى مَثْنَى
(قَوْلُهُ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْقِيَامَ وَإِنْ كَانَ وَسِيلَةً إلَّا أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ طُولِهِ إنَّمَا كَانَتْ بِكَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ فِيهِ وَهِيَ وَإِنْ بَلَغَتْ كُلَّ الْقُرْآنِ تَقَعُ فَرْضًا بِخِلَافِ التَّسْبِيحَاتِ فَإِنَّهَا وَإِنْ كَثُرَتْ لَا تَزِيدُ عَلَى السُّنَّةِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ كَوْنَ الْقِرَاءَةِ رُكْنًا زَائِدًا مِمَّا لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْفَضِيلَةِ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ كَوْنَ الْقِيَامِ يَتَخَلَّفُ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الْفَرْضِ لَيْسَ مِمَّا الْكَلَامُ فِيهِ إذْ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ فِي النَّقْلِ وَفِيهِ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي كُلِّهِ وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِهِمْ مَا لَوْ تَطَوَّعَ الْأَخْرَسُ هَلْ يَكُونُ طُولُ الْقِيَامِ فِي حَقِّهِ أَفْضَلَ كَالْقَارِئِ أَمْ لَا فَتَدَبَّرْ اهـ.
وَأَقُولُ: عَلَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْقِيَامِ نَصٌّ فِي الْمَطْلُوبِ لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمُرَادِ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ كَثْرَةَ الِاشْتِغَالِ بِالصَّلَاةِ مِنْ إطْلَاقِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ فَإِنَّ السُّجُودَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] وقَوْله تَعَالَى {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219] وَبِهِ تَأَيَّدَ مَا فِي الْمُتُونِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ وَصَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ فِي الْبَدَائِعِ وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْغَزِّيِّ حَيْثُ تَبِعَ شَيْخَهُ وَخَالَفَ الْمُتُونَ وَمَشَى فِي مَتْنِ التَّنْوِيرِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ شَيْخُهُ هُنَا مَعَ أَنَّ الْمُتُونَ مَوْضُوعَةٌ لِنَقْلِ الْمَذْهَبِ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) يُوهِمُ أَنَّهُ قَوْلٌ آخَرُ غَيْرُ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ مَعَ أَنَّهُ عَيْنُ الْأَوَّلِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْمَشْهُورِ (قَوْلُهُ فَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنْ سَيَأْتِي فِي السَّهْوِ أَنَّ تَأْخِيرَ الْفَرْضِ فِيهِ تَرْكُ وَاجِبٍ أَيْضًا وَيُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ فِي اخْتِلَافِ مَرَاتِبِ الْإِثْمِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَأْثَمُ إثْمَ تَارِكِ الْوَاجِبِ وَعَلَى الثَّانِي إثْمَ تَارِكِ الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى نَوْعَيْ الْوَاجِبِ عَلَى مَا مَرَّ تَحْقِيقُهُ اهـ.
قُلْت: لِي هُنَا شُبْهَةٌ أَشْكَلَتْ عَلَيَّ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَعْيِينِ مَحَلِّهَا وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى الْقَوْلِ الَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ وَكَوْنُهَا فِي الْأُولَيَيْنِ فَرْضًا آخَرَ وَمُقْتَضَى هَذَا بُطْلَانُ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهَا فِي الْأُولَيَيْنِ وَعَدَمُ اعْتِبَارِ كَوْنِهَا قَضَاءً فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِأَنَّهُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَقَدْ أَتَى بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَأَمَّا فَرْضُ كَوْنِهَا فِي الْأُولَيَيْنِ فَقَدْ فَاتَ وَلَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ