الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل ومن اشترى شيئا مما ينقل ويحول لم يجز له بيعه حتى يقبضه؛ لأنه عليه السلام نهى عن
بيع ما لم يقبض
؛ لأن فيه غرر انفساخ العقد على اعتبار الهلاك،
ــ
[البناية]
[بيع ما لم يقبض]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل في بيان مسائل غير المسائل التي ذكرت قبله، وإنما ذكرها هنا استطرادا باعتبار تقيدها بقيد زائد على البيع المجرد من الأوصاف كالمرابحة والتولية م:(ومن اشترى شيئا مما ينقل ويحول لم يجز له بيعه حتى يقبضه) ش: قيد بالبيع، ولم يقل لم يجز أن يتصرف فيه لتقع المسألة على الاتفاق.
وقال مالك رحمه الله: يجوز جميع التصرفات فيه قبل القبض في غير الطعام، لأنه عليه السلام خص الطعام بالذكر عند النهي بقوله:«من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يقبضه» فدل على تخصيص الحكم وإلا فليس لهذا التخصيص فائدة.
قلنا: التخصيص بالشيء لا يدخله على نفي الحكم فيما عداه، وقال أحمد رحمه الله: إن كان البيع مكيلا أو موزونا أو معدودا لم يجز بيعه قبل القبض وفي غيره يجوز م: (لأنه عليه السلام) ش: أي لأن النبي صلى الله عيه وسلم م: «نهى عن بيع ما لم يقبض» ش: روى النسائي في سننه الكبرى عن يعلى بن حكيم، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عصمة، «عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال:"قلت يا رسول الله، إني رجل أبتاع هذه البيوع وأبيعها، فما يحل لي منها وما يحرم، قال: لا تبيعن شيئا حتى تقبضه» ورواه أحمد رحمه الله في "مسنده" وابن حبان في "صحيحه".
وروى الطحاوي بإسناده إلى «حكيم بن حزام قال: كنت أشتري طعاما فأربح فيه قبل أن أقبضه فسألت النبي صلى الله عيه وسلم فقال: لا تبعه حتى تقبض» م: (لأن فيه) ش: أي في المنقول م: (غرر انفساخ العقد على اعتبار الهلاك) ش: أي هلاك المبيع قبل القبض فيتبين حينئذ أنه باع ملك الغير
ويجوز بيع العقار قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد رحمه الله: لا يجوز، رجوعا إلى إطلاق الحديث، واعتبارا بالمنقول، وصار كالإجارة، ولهما أن ركن البيع صدر من أهله في محله، ولا غرر فيه؛ لأن الهلاك في العقار نادر بخلاف المنقول،
ــ
[البناية]
بغير إذنه، وذلك مفسد للعقد.
وفي " الإيضاح " كل عرض ملك بعقد ينفسخ العقد فيه بهلاكه قبل القبض لم يجز التصرف فيه، كالمبيع والأجرة إذا كانت عينا، ويدل الصلح إذا كان معينا وما لا ينفسخ العقد بهلاكه فالتصرف فيه جائز قبل القبض كالمهر، وبدل الخلع والعتق على مال، وبدل الصلح عن دم العمد.
م: (ويجوز بيع العقار قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد رحمه الله: لا يجوز) ش: وبه قال زفر والشافعي رحمهما الله، وأحمد وأبو حنيفة رحمهم الله أولا م:(رجوعا) ش: أي راجعا أو لأجل الرجوع م: (إلى إطلاق الحديث) ش: المذكور، فإن كلمة ما في الحديث للتعميم فيما لا ينتقل ولم يلحقه خصوص فلا يجوز تخصيصه بالقياس م:(واعتبارا بالمنقول) ش: أي وبالقياس عليه، لأنه مبيع لم يقبض فلا يجوز بيعه كالمنقول م:(وصار كالإجارة) ش: فإنها في العقار لا يجوز قبل القبض، والجامع اشتمالهما على ربح لم يضمن.
فإن المقصود من البيع والربح، وربح ما لم يضمن نهي عنه شرعا، والنهي يقتضي الفساد فيكون البيع فاسدا قبل القبض لأنه لم يدخل في ضمانه كما في الإجارة م:(ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - م: (أن ركن البيع) ش: وهو الإيجاب والقبول م: (صدر من أهله) ش: أي من العاقل والبالغ م: (في محله) ش: وهو المال المملوك وهو يقتضي الجواز م: (ولا غرر فيه) ش: لأنه لا يتوهم انفساخ العقد فيه بالهلاك.
م: (لأن الهلاك في العقار نادر) ش: إما بغلبة الماء أو الرمل أو لجوار بيت الغال والنادر لا يعتد به م: (بخلاف المنقول) ش: فإن الهلاك من غيره نادر.
وقال بعض مشايخنا: في موضع لا يخفى عليه أن يصير لجوار يغلب عليه الرمال، فأما في موضع لا يؤمن ذلك فلا يجوز، كذا ذكره الإمام المحبوبي رحمه الله فإن قيل: هذا التعليل معارض لمطلق النص، فإن مطلقه يتناول العقار كما بينا، قلنا الحديث مخصوص فإن بيع عقد المهر وبدل الخلع. والصلح عن دم العمد والميراث، والثمن قبل القبض يصح بالاتفاق، فحينئذ يجوز تخصيصه بالقياس، والدليل عليه ثبوت حق الشفعة قبل القبض والشفيع يتملك، فلو كان العقار قبل القبض لا يحتمل الملك ببدل لما جاز للشفيع الأخذ بالشفعة قبل القبض.
وللشافعي رحمه الله في الأخذ بالشفعة قبل القبض وجهان: في وجه لا يصح، وفي وجه يصح، وهو الأصح.
والغرر المنهي عنه غرر انفساخ العقد، والحديث معمول به، عملا بدلائل الجواز والإجارة. قيل على هذا الخلاف، ولو علم في المعقود عليه في الإجارة المنافع وهلاكها غير نادر. قال ومن
ــ
[البناية]
فإن قيل: يتوهم انفساخ العقد بالرد بالعيب، وذلك غير نادر، قلنا: لا يتوهم الانفساخ بالرد حتى جاز البيع فيه قبل القبض، لأنه على تقدير جواز البيع قبل القبض يصير ملكا للمشتري، وحينئذ لا يملك المشتري الأول الرد بالعيب فلا يتوهم الانفساخ فيه بالرد حينئذ، كذا في " الفوائد الظهيرية ".
م: (والغرر المنهي عنه غرر انفساخ العقد) ش: هذا جواب عما يقال: كيف قلت: ولا غرر فيه لأن الهلاك في العقار نادر، والغرر موجود أيضا بعقد القبض بظهور الاستحقاق فأجاب بقوله: والغرر المنهي عنه في الحديث غرر انفساخ العقد الأول م: (والحديث) ش: أي الحديث المذكور م: (معمول به) ش: أي بغرر انفساخ العقد فيما قبل القبض بهلاك المعقود عليه فيكون مخصوصا بالمنقول، ألا ترى أنه يجوز الإعتاق قبل القبض والوصية قبله م:(عملا بدلائل الجواز) ش: أي جواز البيع من الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275](البقرة: الآية 275)، وأما السنة فقوله عليه السلام:«يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة» هكذا ذكره الأترازي رحمه الله في شرحه، ثم قال: رواه في السنن قيس بن غرزة.
قلت: الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة، ولفظه فيما ذكره الترمذي:
حدثنا هناد، ثنا أبو بكر بن عباس، عن عاصم، عن أبي وائل، «عن قيس بن غرزة قال خرج علينا رسول الله صلى الله عيه وسلم ونحن نسمى السماسرة فقال: "يا معشر التجار إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصدقة» ثم قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقيس بن غرزة، بفتح الغين المعجمة، والراء ثم الزاي، غفاري نزل الكوفة ومات بها.
وأما الإجماع فإن النبي صلى الله عيه وسلم بعث والناس يتبايعون فلم ينكرهم على ذلك بل قررهم عليه، وقد انعقد إجماع الأمة على ذلك م:(والإجارة) ش: جواب عن قياس محمد رحمه الله صورة النزاع على الإجارة وتقريره أنها لا تصلح مقيسا عليها، لأنها على الاختلاف وهو معنى قوله: م: (قيل على هذا الخلاف ولو علم في المعقود عليه في الإجارة المنافع وهلاكها غير نادر) ش: يعني عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - إجارة العقار قبل القبض جائزة.
وقال في " الإيضاح ": ما لا يجوز بيعه قبل القبض لا يجوز إجارته، لأن صحة الإجارة
اشترى مكيلا مكايلة، أو موزونا موازنة فاكتاله أو اتزنه، ثم باعه مكايلة أو موازنة، لم يجز للمشتري منه أن يبيعه ولا أن يأكله حتى يعيد الكيل والوزن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان صاع البائع وصاع المشتري.
ــ
[البناية]
تملك الرقبة، فإذا ملك التصرف في الأصل وهو الرقبة ملك في المنافع، وقيل: لا يجوز بلا خلاف وهو الصحيح، لأن المنافع بمنزلة المنقول.
والإجارة تمليك المنافع فيمتنع جوازها لبيع المنقول.
م: (قال) ش: أي محمد رحمه الله في " الجامع الصغير " م: (ومن اشترى مكيلا مكائلة) ش: يعني رد الكيل م: (أو موزونا) ش: أي أو اشترى ما يوزن م: (موازنة) ش: يعني بالوزن قيد بالشراء لأنه إذا ملك مكيلا موزونا أو معدودا بهبة أو وصية أو ميراث جاز لمن ملك أن يتصرف فيه قبل القبض وقبل الكيل والوزن والعدد، قيد بقوله مكائلة أو موازنة، يعني بشرط الكيل والوزن بأن اشترى هذا الطعام على أنه عشرة أقفزة، أو هذا الحديد على أنه كذا كذا منا وقبضه لا يجوز له أن يتصرف فيه قبل الكيل والوزن وبعد المكائلة أيضا يخرج المجازفة، فإنه إذا اشتراه مجازفة وقبضه جاز التصرف فيه قبل الكيل والوزن على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى م:(فاكتاله أو اتزنه) ش: الاكتيال الأخذ بالكيل والاتزان الأخذ بالوزن، يقال: كال المعطي فاكتال الآخذ، ووزن المعطي فاتزن الآخذ.
م: (ثم باعه مكائلة أو موازنة) ش: أي باعه المشتري بشرط الكيل م: (لم يجز للمشتري منه) ش: أي لم يجز للمشتري الثاني من المشتري الأول الذي اشتراه مكائلة أو موازنة م: (أن يبيعه ولا أن يأكله حتى يعيد الكيل والوزن، لأن «النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان، صاع البائع وصاع المشتري» ش: هذا الحديث رواه ابن ماجه في "سننه" عن جابر رضي الله عنه، رواه أبو الزبير عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عيه وسلم نحوه، ورواه أبو هريرة رضي الله عنه أيضا. أخرجه عنه البزار من طريق محمد بن سيرين رحمه الله أن النبي صلى الله عيه وسلم: نحوه. وزاد فيه، فيكون لصاحبه فيه الزيادة وعليه النقصان، انتهى.
وأراد بصاع البائع صاعه لنفسه حتى يشتريه وبصاع المشتري، صاعه لنفسه حتى يبيعه لإجماعهم أن البيع الواحد له يحتاج إلى الكيل مرتين، وبقولنا قال الشافعي رضي الله عنه -
ولأنه يحتمل أن يزيد على المشروط وذلك للبائع، والتصرف في مال الغير حرام فيجب التحرز عنه، وبخلاف ما إذا باعه مجازفة لأن الزيادة له،
ــ
[البناية]
ومالك وأحمد - رحمهما الله - وكما لا يملك سائر التصرفات المختصة بالملك كالهبة والوصية ونحو ذلك كذا في " المبسوط "، وفي " الجامع الصغير " المحبوبي ولو قبضه بغير كيل وأكله لا يقال إنه حرام لأنه أكل ملك نفسه إلا أنه يأثم لرد ما أمر به من الكيل.
وفي الفوائد الظهيرية: المكيلان على أقسام:
الأول: ما يحتاج إلى الكيل مرتين وهو السلم على ما يجيء في بابه، وبيع العين المكيل مكايلة بعدما اشتراه مكائلة.
والثاني: ما يحتاج إلى كيل واحد، وهو ما إذا اشترى المسلم إليه حنطة مجازفة أو استفادها زراعة أو أرشا، أو استقرض حنطة على أنها كر ثم أدناها رب السلم أو باعها مكايلة احتج فيه إلى كل واحد وكذا فيما استفاد أرشا أو زراعة وكذا فيما استفاده قرضا بشرط الكيل.
والثالث: هو ما لا يحتاج فيه إلى الكيل وهو ما إذا اشترى حنطة مجازفة ثم باعها مجازفة في "نوادره" أنه يجوز، واعلم أن الأموال ثلاثة مقدارات كالكيلي والوزني، فإن اشتراه مجازفة وقبضه جاز تصرفه قبل الكيل والوزن على ما يجيء، وإن اشتراه بشرط الكيل والوزن فلا يجوز وقد مر.
وعدديات الجوز والبيض، فإن اشتراه بشرط العد فقبضه فهل يجوز له التصرف قبل العد ثانيا؟ لم يذكر جوابه في الكتاب فقد ذكروا في " شرح الجامع الصغير " عند أبي حنيفة رحمه الله أنه أبطل البيع قبل العد ثانيا كما في الكيل والوزن لأن العدد لمعرفة المقدار، ألا ترى أنه لو اشترى جوازا على أنه مائة فزاد فالزيادة للبائع ولا يدخل في البيع.
وروي عنهما أنهما أجازا العقد قبل العد لأن العد يخالف الكيل والوزن، ألا ترى أنه يجري فيه الربا، ولهذا لو باع جوزة بجوزتين جاز. ومذروعات كالثوب والعقار، ونحو ذلك، فإن اشترى مجازفة أو بشرط الذرع بأن اشترى على أنه عشرة أذرع مثلا فقبضه لا يجوز له التصرف فيه لأنه مال الغير وهو حرام فيجب التحرز عنه قبل الذرع، وقد مر في أول كتاب البيوع.
م: (ولأنه يحتمل أن يزيد على المشروط وذلك للبائع، والتصرف في مال الغير حرام فيجب التحرز عنه) ش: وهو بترك التصرف م: (بخلاف ما إذا باعه مجازفة لأن الزيادة) ش: يعني الكل م: (له) ش: واعترض بأن الزيادة لا تتصور في المجازفة وأجيب بأن من الجائز أنه اشترى مكيلا مكايلة واكتاله على أنه عشرة أقفزة مثلا، ثم باعه مجازفة فإذا هو اثنا عشر في الواقع فيكون زيادة على