الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
18 -
باب مَنْ لم يخَمِّس الأَسلابَ وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلا فَله سَلبه من غَير أن يخَمّسَ، وحكم الإمَامِ فيهِ
[حديث قتل إبي جهل]
170 -
[3141] حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ المَاجِشُونِ، عَنْ صالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عبد الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه (1) «قَالَ: بَيْنَا أَنا واقِف في الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنا بِغُلامَيْنِ من الأنصَارِ حدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُما، فَغَمَزَني أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ هلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنهُ يَسُبُّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا. فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزنَي الآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أنشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاس فَقُلْتُ: أَلَا إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلتُمَانِي، فَابْتَدَرَاه بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلاهُ. ثُمَّ انصَرَفَا إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَاهُ. فَقَالَ:"أَيُّكُمَا قتلَهُ؟ " قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنا قَتَلْتُهُ. فَقَالَ: "هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ " قَالَا: لَا. فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: "كِلاكُمَا قتلَهُ". سلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ (2).
وَكَانَا: مُعَاذَ ابْنَ
(1) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: 82.
(2)
معاذ بن عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاري الخزرجي السلمي المدني البدري، قاتِل أبي جهل، شهد العقبة، وبدرا، وهو أحد المشاركين في قتل أبي جهل، بل حكم له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلبه، وهذا يؤكد بأنه الذي قتله أولًا، وكان معه أخوه لأمه معاذ بن الحارث قد شد على أبي جهل، ثم جاء معوَذ بن الحارث بن عفراء فمر على أبي جهل فضربه حتى أثبته وتركه وبه رمق ثم قاتل معوذ حتى قتل وقتل أخوه عوف بن الحارث قبله، ثم مر ابن مسعود رضي الله عنه فوبخه وبه رمق ثم احتز رأسه؛ ولهذا جمع ابن حجر رحمه الله بين الأحاديث فقال:"فيحتمل أن يكون معاذ بن عفراء شد عليه مع معاذ بن عمرو كما في الصحيح، وضربه بعد ذلك معوذ حتى أثبته، ثم حز رأسه ابن مسعود، فتجتمع الأقوال كلها"[فتح الباري 7/ 296]، ومما يدل على شجاعة معاذ بن عمرو بن الجموح ما ذكره الذهبي رحمه الله: أن معاذ بن عمرو بن الجموح حمل على أبي جهل فضربه ضربة قطع نصف ساقه، وضرب عكرمة بن أبي جهل معاذ بن عمرو على عاتقه فطرح يده وبقيت معلقة بجلده بجنبه وأجهضه عنها القتال فقاتل عامة يومه وهو يسحبها فلما آذته وضع قدمه عليها ثم تمطأ عليها حتى طرحها. قال الحافظ الذهبي رحمه الله:"هذه والله الشجاعة، لا كآخر مِنْ خَدْشٍ بسهم ينقطع قلبه وتخور قواه" وعاش معاذ بن عمرو رضي الله عنه إلى زمن عثمان رضي الله عنه. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، 1/ 249 - 252، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، 3/ 429.
عفْراء (1) وَمُعَاذَ بْن عَمْرو بْنِ الجَمُوحِ» (2).
* شرح غريب الحديث: * "حديثة أسنانهما" أي أعمارهما: أي شباب حدث في العمر (4).
* "بين أَضْلَعَ مِنْهُمَا" أي بين رجلين أقوى منهما (5).
* "سوادي" أي شخصي، فقوله:"لا يفارق سوادي سواده" أي: لا يفارق شخصي شخصه (6).
* "فلم أنشب" أي لم ألبث، وحقيقته لم يتعلق بشيء غيره، ولا أشتغل بسواه، ويقال: نَشِبَ في الشيء إذا وقع فيما لا مخلص له منه (7).
(1) معاذ ابن عفراء: هو معاذ بن الحارث بن رفاعة، بن الحارث بن سواد بن مالك، بن غنم الأنصاري النجاري، شهد العقبتين جميعا، وشهد بدرا وشارك في قتل أبي جهل وهو يعرف بابن عفراء، مات رضي الله عنه بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وقيل: بل جرح في بدر فمات من جراحته. والله أعلم. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 2/ 358، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، 3/ 428.
(2)
[الحديث 3141] طرفاه في كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، 5/ 8، برقم 3964. وكتاب المغازي، بَابٌ: 5/ 14، برقم 3988. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، 3/ 1372، برقم 1752.
(3)
من الطرف رقم 3988.
(4)
النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع النون، مادة:"سنن" 2/ 412.
(5)
انظر: المرجع السابق، باب الضاد مع اللام، مادة "ضلع" 3/ 97.
(6)
انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص 69.
(7)
النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الشين، مادة:"نشب" 5/ 52، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص 510.
"فغمزني" الغمز شبه النخس، يقال: غمزه بيده يغمزه: وهو كالنخس في الشيء بالشيء، ويقال: غمز بالعين والجفن والحاجب: أشار، ويقال غمز: إذا عاب وذكر بغير الجميل، والمغامز المعايب، ويقال: فيه مغمز أو غميزة: أي مطعن. والمقصود هنا: الغمز باليد (1).
* "يجول" أي يدور، يقال: جال واجتال: إذا ذهب وجاء ومنه الجوَلان في الحرب (2).
* "سلبه" السلب: الذي يُقضى به للقاتل في الحرب، وهو ما كان على المقتول: من لباسه، ومن آلة الحرب، والسلاح، والثياب، والدواب وغيرها (3).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من صفات الداعية: الحرص على تعليم الأقارب.
2 -
أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه.
3 -
من صفات الداعية: الشجاعة.
4 -
من أساليب الدعوة: القصص.
5 -
من تاريخ الدعوة: معرفة وقت غزوة بدر.
6 -
من وسائل الدعوة: إعطاء السلب للقاتل تشجيعا له.
7 -
من أساليب الدعوة: تطييب قلب المدعو.
8 -
أهمية الأخذ بالقرائن في إثبات الحقوق عند عدم البينة.
9 -
أهمية أسلوب التشبيه في الدعوة إلى الله عز وجل.
10 -
أهمية المسارعة إلى الخيرات.
11 -
أهمية الغضب لله ولرسوله في حدود الحكمة.
(1) انظر: معجم المقاييس في اللغة لابن فارس، باب الغين ص 814، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، باب الزاي فصل الغين، ص 668.
(2)
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الجيم مع الواو، مادة:"جول" 1/ 317.
(3)
انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص 438، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع اللام، مادة:"سلب" 2/ 387، وانظر: غريب الحديث رقم 134، ص 777.
12 -
أهمية عدم احتقار الصغار في الأمور المهمة.
13 -
من صفات الداعية: التزام الأدب والتلطف ولين الكلام مع الكبير والصغير.
14 -
من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من صفات الداعية: الحرص على تعليم الأقارب: الحرص على تعليم الأقارب، من الأولاد وغيرهم من صفات الداعية الصادق، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لأن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه علم ابنه إبراهيم هذا الحديث الذي يدل على شجاعة معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ثم علمه إبراهيم بن عبد الرحمن لابنه صالح، وهذا يؤكد أهمية الحرص على تعليم الأبناء والأقارب ما ينفعهم (1).
ثانيا: أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه: إن الداعية الحريص على العلم والفهم ينبغي له أن يسأل عن كل ما يشكل عليه؛ ليكون على بصيرة، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لأن معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح سألا عبد الرحمن بن عوف عن أبي جهل فقال كل منهما على انفراد:"يا عم هل تعرف أبا جهل؟ " وبعد السؤال أجابهما عبد الرحمن رضي الله عنه بعد أن رأى أبا جهل يجول في الناس بقوله: "ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه"، وهذا يؤكد أهمية السؤال عما أشكل؛ لتحصل البصيرة والعلم بما سُئل عنه (2).
ثالثا: من صفات الداعية: الشجاعة: الشجاعة صفة حميدة ينبغي أن يتصف بها الداعية عقليا وقلبيا، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث، وذلك أن معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، شدّا على أبي جهل مثل الصقرين حتى ضرباه فقتلاه. وهذا يثبت
(1) انظر: الحديث رقم 7، الدرس الأول، ورقم 36، الدرس الخامس، ورقم 101، الدرس الخامس.
(2)
انظر: الحديث رقم 94، الدرس الرابع، ورقم 144، الدرس الثاني.
شجاعتهما، وقوة عزيمتيهما رضي الله عنهما (1).
رابعا: من أساليب الدعوة: القصص: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة القصص؛ ولهذا قص عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه على ابنه إبراهيم ما حصل يوم بدر من خبر هذين الشابين وقتلهما لأبي جهل، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بين المعاذين رضي الله عنهما، وهذا يؤكد أهمية القصص الصحيح وما فيه من الفوائد والعبر (2).
خامسا: من تاريخ الدعوة: معرفة وقت غزوة بدر: ظهر في هذا الحديث ذكر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لغزوة بدر الكبرى، وأن أبا جهل قُتِلَ فيها، وقد كانت غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة في رمضان المبارك، وجملة من حضر بدرا من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، معهم فرسان وسبعون بعيرا، أما المشركون فكانوا ألفا، والتحم القتال بين حزب الله وحزب الشيطان، وأمد الله حزبه بألف من الملائكة مردفين، فنصر الله المسلمين فقتلوا سبعين من المشركين، وأسروا سبعين، وانهزم الباقون، والحمد لله على نصره وتوفيقه (3).
سادسا: من وسائل الدعوة: إعطاء السلب للقاتل تشجيعا له: إن إعطاء السلب للقاتل من وسائل الدعوة التي تشجع المقاتل، وتزيد في قوته ونشاطه، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى معاذ بن عمرو بن الجموح سلب أبي جهل؛ لكونه الذي قتله قتلا شرعيا يستحق به أخذ السلب (4).
سابعا: من أساليب الدعوة: تطييب قلب المدعو: تطييب القلوب من أعظم وسائل الدعوة؛ لما في ذلك من المصالح الدينية
(1) انظر: الحديث رقم 35 الدرس الخامس، ورقم 61، الدرس الثاني.
(2)
انظر: الحديث رقم 17، الدرس الثالث، ورقم 28، الدرس الثامن.
(3)
انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، 3/ 171 - 189.
(4)
انظر: الحديث رقم 134، الدرس الرابع.
والدنيوية، وقد ثبت في هذا الحديث ما يدل على تطييب قلوب المدعوين، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح عن قتل أبي جهل، فقال:"أيكما قتله؟ "، قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال:"هل مسحتما سيفيكما؟ " قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال:"كلاكما قتله" سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. وقد اشترك هذان الشابان في جراحة أبي جهل، لكن معاذ بن عمرو بن الجموح أثخنه أولا فاستحق السلب، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"كلاكما قتله، تطييبا لقلب الآخر، من حيث إنَّ له مشاركة في قتله، وإلا فالقتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب، وهو الإِثخان وإخراجه عن كونه ممتنعا إنما وجد من معاذ بن عمرو بن الجموح، فلهذا قضى له بالسلب، وإنما أخذ السيفين؛ ليستدل بهما على حقيقة كيفية قتلهما، فعلم أن ابن الجموح أثخنه، ثم شاركه الثاني بعد ذلك وبعد استحقاقه السلب، فلم يكن له حق في السلب (1) وقد قيل: إن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حز رأسه، وقتله، وقيل: قتله معوّذ، قال ابن حجر رحمه الله: "فيحتمل أن يكون معاذ ابن عفراء شد عليه مع معاذ بن عمرو، وضربه بعد ذلك معوذ حتى أثبته، ثم حز رأسه ابن مسعود، فتجتمع الأقوال كلها" (2) والمقصود هنا هو تطييب النبي صلى الله عليه وسلم لقلب معاذ ابن عفراء رضي الله عنه (3).
ثامنا: أهمية الأخذ بالقرائن في إثبات الحقوق عند عدم البينة: لا شك أن الأخذ بالقرائن في إثبات الحقوق عند عدم البينة من الأمور المهمة، فقد ثبت الحكم بذلك في هذا الحديث حينما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين معاذ ابن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح فيمن قتل أبا جهل فقال صلى الله عليه وسلم:"هل مسحتما سيفيكما؟ " قالا: لا، فنظر في السيفين فقال:"كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح "، فقد ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم أن معاذ بن عمرو بن الجموح هو الذي أثخنه أولا؛ وهذا فيه إثبات الحقوق المالية بالقرائن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استدل بالدم الذي في السيف على
(1) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 12/ 307، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، 13/ 113.
(2)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري 7/ 296، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري 13/ 113.
(3)
انظر: الحديث رقم 22، الدرس الثالث.
مَنْ قَتَلَ أبا جهل وحكم له بالسلب. (1) وللحكم بالقرائن والاستدلال بالأمارات والفراسة أصل في القرآن الكريم، قال الله عز وجل:{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ - وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ - فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: 26 - 28](2) وهذا يؤكد أهمية الأخذ بالقرائن والله عز وجل أعلم (3).
تاسعا: أهمية أسلوب التشبيه في الدعوة إلى الله عز وجل: التشبيه له أهمية في الأساليب الدعوية؛ لما له من تقريب المعاني، وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث؛ لقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في شأن معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح رضي الله عنه حينما قتلا أبا جهل:"فشدا عليه مثل الصقرين"، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"شبههما به لما اشتهر عنه من الشجاعة، والشهامة، والإِقدام على الصيد؛ ولأنه إذا تشبث بشيء لم يفارقه حتى يأخذه"(4) وهذا يبين أهمية أسلوب التشبيه في الدعوة إلى الله عز وجل (5).
عاشرا: أهمية المسارعة إلي الخيرات: المسارعة إلى الخيرات من الصفات الحميدة التي ينبغي لكل مسلم أن يتصف بها، وخاصة الداعية إلى الله عز وجل، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن معاذ ابن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح بادرا إلى السؤال عن أبي جهل؛ ليسرعا إلى قتله، ولهذا عندما أشير إليه شدّا عليه مثل الصقرين حتى قتلاه رضي الله عنهما (6).
الحادي عشر: أهمية الغضب لله ولرسوله في حدود الحكمة: لقد دل هذا الحديث على أهمية الغضب لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم؛ لقول كل
(1) انظر: منار القاري، شرح مختصر البخاري، لحمزة محمد قاسم، 4/ 134.
(2)
سورة يوسف، الآيات: 26 - 28.
(3)
انظر: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم ص 3 - 13.
(4)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 7/ 308.
(5)
انظر: الحديث رقم 18، الدرس الرابع، ورقم 9، الدرس الخامس.
(6)
انظر: الحديث رقم 16، الدرس الثاني، ورقم30، الدرس الثاني.
واحد من: معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح في أبي جهل:"أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منَّا" وشدا عليه مثل الصقرين فقتلاه غضبا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
ولا شك أن الغضبَ نوعان: غضب مذموم وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (1) وهو الذي أوصى بالابتعاد عنه لمن قال: «أوصني يا رسول الله"، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب» وردد مرارا «لا تغضب» (2) أما النوع الثاني من أنواع الغضب فهو الغضب المحمود، الذي يكون من أجل الله عندما ترتكب حرماته أو تترك أوامره ويستهان بها، وهذا من علامات قوة الإِيمان، ولكن بشرط أن لا يخرج هذا الغضب عن حدود الحكمة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب لله إذا انتهكت محارمه، وكان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء، ولم يضرب خادما، ولا امرأة، إلا أن يجاهد في سبيل الله صلى الله عليه وسلم، وقد خدمه أنس بن مالك رضي الله عنه عشر سنوات، «فما قال له: أفٍّ قط، ولا قال له لشيء فعله: لمَ فعلت كذا؟ ولا لشيء لم يفعله: ألا فعلت كذا؟» (3) وهذا في الحقيقة هو عين الحكمة؛ لأن هذا الغضب لم يخرج عن حدود الحكمة التي هي في الحقيقة: الإِصابة في القول والفعل، كما قال مجاهد رحمه الله:"الحكمة: الإصابة"(4) كما رجح ذلك الإِمام ابن جرير رحمه الله في قوله عز وجل: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] قال: "تأويل الكلام: يؤتي الله إصابة الصواب في القول والفعل من يشاء، ومن يؤته الله
(1) متفق عليه: البخاري، 7/ 129، برقم 6114، ومسلم، 4/ 2014، برقم 2606، وتقدم تخريجه في الحديث رقم 35، الدرس الأول، ص 247.
(2)
البخاري في كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، 7/ 130، برقم 6116.
(3)
انظر: عدة حالات غضب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لله عز وجل، في البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب ما جوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى، 10/ 517 - 518، وجامع العلوم والحكم لابن رجب 1/ 361 - 371، ومختصر منهاج القاصدين، لأحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي، ص 78 - 182، وأدب الدنيا والدين، لأبي الحسن الماوردي ص 214.
(4)
أخرجه سعيد بن منصور في سننه، 3/ 979، برقم 448، وابن جرير في التفسير "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، 5/ 577، برقم 6183.
ذلك فقد آتاه خيرا كثيرا" (1) فالغضب لله عز وجل هو الذي يكون في موضعه، صوابا في القول والفعل. والله أعلم.
الثاني عشر: أهمية عدم احتقار الصغار في الأمور المهمة: لا شك أن الصغار يختلفون في قدراتهم العقلية والجسدية على حسب ما منَّ الله به على كل واحد منهم، فينبغي أن ينزلوا منازلهم على حسب أحوالهم، وقد ثبت في هذا الحديث ما فعله معاذ ابن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح رضي الله عنهما من قتل عمرو بن هشام - أبي جهل - فدل ذلك على أن الصغار لا يحتقرون فقد يكون الصغير خيرا من كثير من الكبار؛ قال الإِمام الكرماني رحمه الله في فوائد هذا الحديث:"وفي هذا الحديث المبادرة إلى الخيرات، والغضب لله ولرسوله، وأنه لا ينبغي أن يحتقر الصغار في الأمور الكبار"(2) ومن أهم العبادات بعد الشهادتين الصلاة وقد قدَّم بعض الصحابة من يؤمهم فيها وهو عمرو بن سلمة وكان أكثرهم قرآنا، وهو ابن سبع سنين أو ثمان سنين (3).
الثالث عشر: من صفات الداعية: التزام الأدب والتلطف ولين الكلام مع الكبير والصغير: إن التزام الأدب، والتلطف، ولين الكلام من الصفات المهمة التي ينبغي للداعية أن يلتزم بها، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لأن كلا من معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح رضي الله عنهما قال لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه:"يا عمِّ هل تعرف أبا جهل؟ "، فرد على كل واحد منهما:"نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي"، وهذا فيه أدب الصغير مع الكبير بإنزاله منزلة العم، وأدب الكبير مع الصغير بإنزاله منزلة ابن الأخ، احتراما، وإكراما وتلطفا (4).
(1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 5/ 579.
(2)
شرح الكرماني على صحيح البخاري 13/ 113.
(3)
انظر: سنن النسائي، كتاب الإِمامة، باب إمامة الغلام قبل أن يحتلم، 2/ 80، برقم 789، وسنن أبي داود كتاب الصلاة باب من أحق بالإِمامة، 1/ 159، برقم 585، وصححه الألباني في إرواء الغليل 1/ 127، وعزاه ابن حجر في بلوغ المرام إلى صحيح البخاري، فاطلعت على صحيح البخاري فلم أجده في نسختي ولعله في نسخة أخرى.
(4)
انظر: الحديث رقم 51، الدرس الثاني.
الرابع عشر: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: دل هذا الحديث على أن من الأساليب المهمة التأكيد بالقسم عند الحاجة إليه؛ ولهذا قال كل من معاذ بن عمرو، ومعاذ ابن عفراء رضي الله عنهما في أبي جهل:"والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا"، وهذا يؤكد أهمية التأكيد بالقسم (1).
(1) انظر: الحديث رقم 10، الدرس الخامس، ورقم 14، الدرس الخامس.