الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
15 -
باب ومن الدّليل على أنّ الخمس لنوائب المسلمين
ما سأل هوازن النّبيّ صلى الله عليه وسلم برضاعه فيهم فتحلّل من المسلمين، وما كان النّبي صلى الله عليه وسلم يعد النّاس أن يعطيهم من الفيء، والأنفال من الخمس وما أعطي الأنصار، وما أعطي جابر بن عبد الله من تمر خيبر.
[حديث والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم]
163 -
[3133] حدّثنا عبد الله بن عبد الوهّاب: حدّثنا حمّاد: حدّثنا أيّوب، عن أبي قلابة. قال: وحدّثني القاسم بن عاصم الكلينيّ - وأنا لحديث القاسم أحفظ - عن زهدم قال: كنّا عند أبي موسى (1) فأتى ذكر دجاجة وعنده رجل من بني تيم الله أحمر كأنه من الموالي، فدعاه للطّعام فقال: إنّي رأيته يأكل شيئا فقذرته فحلفت لا آكل. فقال: هلمّ فلأحدّثكم عن ذلك: إنّي أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من الأشعريّين نستحمله، فقال:«والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم» . وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل فسأل عنّا فقال: «أين النّفر الأشعريّون؟» فأمر لنا بخمس ذود غرّ الذّرى، فلمّا انطلقنا قلنا: ما صنعنا؟ لا يبارك لنا. فرجعنا إليه فقلنا: إنّا سألناك أن تحملنا، فحلفت أن لا تحملنا، أفنسيت؟ قال:«لست أنا حملتكم، ولكنّ الله حملكم، وإنّي والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلّا أتيت الّذي هو خير وتحلّلتها» (2).
وفي رواية: لمّا قدم أبو موسى أكرم هذا الحيّ من جرم وإنّا لجلوس عنده، وهو يتغدّى دجاجا وفي القوم رجل جالس فدعاه إلى الغداء، فقال: إنّي رأيته
(1) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: 66.
(2)
[الحديث 3133] أطرافه في: كتاب المغازي، باب قدوم الأشعريبن وأهل اليمن، 5/ 142، برقم 4385. وكتاب المغازي، باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة، 5/ 150، برقم 4415. وكتاب الذبائح والصيد باب لحم الدجاج، 6/ 284، برقم 5517 و5518. وكتاب الإيمان والنذور، باب قول الله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ إلى قوله. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الآية، 7/ 275، برقم 6623. وكتاب الإيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم، 7/ 282، برقم 6649. وكتاب الإيمان والنذور، باب اليمين فيما لا يملك وفي المعصية وفي الغضب، 7/ 290، برقم 6678 و6680 وكتاب كفارات الأيمان، باب الاستثناء في الأيمان، 7/ 302، برقم 6718 و 6719. وكتاب كفارات الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث وبعده، 7/ 303، برقم 6721. وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، 8/ 271، برقم 7555. وأخرجه مسلم في كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها، أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، 3/ 1268، برقم 1649.
يأكل شيئا فقذرته، فقال: هلمّ فإنّي رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يأكله" فقال: إنّي حلفت لا آكل!، فقال: هلمّ أخبرك عن يمينك، إنّا أتينا النّبيّ صلى الله عليه وسلم نفر من الأشعريّين فاستحملناه فأبى أن يحملنا فاستحملناه فحلف أن لا يحملنا ثمّ لم يلبث النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن أتي بنهب إبل فأمر لنا بخمس ذود فلمّا قبضناهما قلنا تغفّلنا النّبي صلى الله عليه وسلم يمينه لا نفلح بعدها أبدا، فأتيته فقلت: يا رسول الله إنك حلفت أن لا تحملنا وقد حملتنا قال: «أجل ولكن لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلّا أتيت الّذي هو خير منها» . (1).
وفي رواية: عن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك فقلت: يا نبيّ الله إنّ أصحابي أرسلوني اليك لتحملهم، فقال:«والله لا أحملكم على شيء» ، ووافقته وهو غضبان ولا أشعر ورجعت حزينا من منع النبي صلى الله عليه وسلم ومن مخافة أن يكون النّبيّ صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه عليّ فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الّذي قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلم ألبث إلّا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أي عبد الله بن قيس فأجبته فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فلمّا أتيته قال:«خذ هذين القرينين وهذين القرينين - لستّة أبعرة ابتاعهنّ حينئذ من سعد - فانطلق بهنّ إلى أصحابك فقل: إنّ الله - أو قال - إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء فاركبوهنّ» فانطلقت إليهم بهنّ فقلت: إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يحملكم على هولاء، ولكنّي والله لا أدعكم حتّى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تظنّوا أني حدّثتكم شيئا لم يقله رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لي: إنك عندنا لمصدق، ولنفعلنّ ما أحببت فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتّى أتوا الذين سمعوا قول رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم منعه إيّاهم ثمّ إعطاءهم بعد فحدّثوهم بمثل
(1) من الطرف رقم: 4385.
ما حدّثهم به أبو موسى (1).
وفي رواية: «رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يأكل دجاجا» .! (2).
وفي رواية: «والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه» قال: ثمّ لبثنا ما شاء الله أن نلبث، ثمّ أتي بثلاث ذود غرّ الذّرى فحملنا عليها".
وفي رواية: عن زهدم: "كان بين هذا الحيّ من جرم وبين الأشعريّين ودّ وإخاء، فكنّا عند أبي موسى الأشعريّ فقرّب إليه طعام فيه لحم دجاج. . . " الحديث (4).
وفي رواية: عن زهدم الجرميّ أيضا: "كنّا عند أبي موسى وكان بيننا وبين هذا الحيّ من جرم إخاء ومعروف. . . " الحديث. (5).
وفي رواية: "أخبرك أو أحدّثك إنّي أتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم في نفر من الأشعريّين فوافقته وهو غضبان، وهو يقسم نعما من نعم الصدقة"(6).
* شرح غريب الحديث: * " بنهب إبل " أي غنيمة إبل، والنهب الغارة والسّلب (7).
* " ذود " الذود من الإبل ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، واللفظة مؤنثة ولا واحد لها من لفظها: كالنعم (8).
(1) من الطرف رقم: 4415.
(2)
من الطرف رقم: 5517.
(3)
من الطرف رقم: 6623.
(4)
من الطرف رقم: 6649.
(5)
من الطرف رقم 6721.
(6)
من الطرف رقم: 5518.
(7)
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الهاء، مادة:"نهب"، 5/ 133.
(8)
المرجع السابق، باب الذال مع الواو، مادة:"ذود"، 2/ 171.
* " غر الذرى " جمع ذروة وهي سنام البعير وذروة كل شيء: أعلاه (1).
* " من جرم " نسبة إلى قبيلة "الجرمي" بفتح الجيم وسكون الراء، وهي نسبة إلى جرم بن ريان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وفي بجيلة: جرم بن علقمة بن أنمار، وفي عاملة: جرم بن شعل بن معاوية بن عاملة، وفي طي جرم وهو ثعلبة بن عمرو بن الغوث (2).
* " تغفلنا يمينه " أي جعلناه غافلا عن يمينه بسبب سؤالنا. (3).
* " وجد في نفسه عليّ " أي غضب (4).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية.
2 -
من صفات الداعية: إضافة النعم إلى الله عز وجل.
3 -
أهمية الحنث في اليمين والتكفير عنها للمصلحة الراجحة.
4 -
أهمية تحصيل العلم من مصادره الأصلية مباشرة والتثبت في ذلك.
5 -
حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث.
6 -
من صفات الداعية: الكرم.
7 -
أهمية الاستثناء في اليمين.
8 -
من أدب الداعية: إكرام الضيف.
9 -
من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة تبوك.
10 -
من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان.
11 -
حرص الصحابة على الجهاد والدعوة.
12 -
عظم محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الذال مع الراء، مادة. "ذرا"، 2/ 159، وانظر 3/ 353.
(2)
انظر: اللباب في تهذيب الأنساب، لابن الأثير، 1/ 273.
(3)
النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع الفاء، مادة:"كفل"، 4/ 375.
(4)
انظر: شرح غريب الحديث، رقم 147، 148.
13 -
من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.
14 -
من أساليب الدعوة: تأديب بعض المدعوين بالقول.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: الاستدلال بالأدلة الشرعية يزيد اليقين ويزيل اللبس؛ ولهذا استدل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه على جواز التكفير عن اليمين لمن حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فقال عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: «وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» ، وقال أبو موسى لمن استقذر أكل الدجاج:"هلم فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكله"، وهذا يؤكد أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية (1).
ثانيا: من صفات الداعية: إضافة النعم إلى الله عز وجل: النعم من فضل الله عز وجل وإحسانه على عباده، فينبغي أن تنسب إلى الله الكريم؛ ولهذا نسب النبي صلى الله عليه وسلم نعمة حمل المجاهدين على الذود إلى الله عز وجل؛ لأنه الذي يسّرها، فقال صلى الله عليه وسلم للأشعريين:«لست أنا حملتكم ولكن الله حملكم» ، وهذا يؤكد أهمية إضافة النعم لمسديها والمنعم بها سبحانه (2).
ثالثا: أهمية الحنث في اليمين والتكفير عنها للمصلحة الراجحة: إن من يسر الإسلام وسماحته أن المسلم إذا حلف على أمر من الأمور ثم رأى بأن غيره خير منه؛ فإنه يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير» ، قال الإمام النووي رحمه الله: "وفي هذه الأحاديث دلالة على أن من حلف على فعل شيء أو تركه، وكان الحنث خيرا من التمادي على اليمين استحب له الحنث وتلزمه الكفارة، وهذا متفق
(1) انظر: الحديث رقم 77، الدرس الحادي عشر، ورقم 94، الدرس الثامن.
(2)
انظر. الحديث رقم 46، الدرس السادس عشر، ورقم 106، الدرس الخامس، وفتح الباري، لابن حجر، 11/ 614.
عليه، وأجمعوا على أنه لا تجب عليه الكفارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها على اليمين" (1) وهذا يؤكد أهمية الحنث في اليمين إذا رأى الحالف ما هو خير، والحمد لله.
رابعا: أهمية تحصيل العلم من مصادره الأصلية مباشرة والتثبت في ذلك: العلم أعظم الكنوز التي ينعم الله بها على من يشاء من عباده، فينبغي أن يطلب من مصادره الأصلية، وسماعه من أهله مباشرة على قدر الاستطاعة، والتثبت في ذلك، وقد ثبت في هذا الحديث ما يؤكد ذلك، وذلك:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عبد الله بن قيس ستة أبعرة؛ ليحمل عليها أصحابه، فانطلق بها إلى قومه ثم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء ولكني والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: منعه إياهم ثم إعطاءهم بعد، فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى " وهذا يؤكد أهمية تلقي العلم عن أهله مباشرة إن أمكن ذلك (2).
خامسا: حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث: كان السلف الصالح يحرصون على الدقة في نقل الحديث كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:«وإني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير، أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني» ، قال الكرماني رحمه الله:"هذا شك من الراوي في تقديم: "أتيت" على "كفّرت" أو العكس، وإما تنويع من تنويع رسول الله صلى الله عليه وسلم إشارة إلى جواز تقديم الحنث وتأخيرها"(3) وهذا يدل على حرص السلف رحمهم الله على الدقة في نقل العلم (4).
(1) شرح النووي على صحيح مسلم، 11/ 119، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، 8/ 112.
(2)
انظر: الحديث رقم 77، الدرس الرابع.
(3)
شرح الكرماني على صحيح البخاري، 23/ 93.
(4)
انظر: الحديث رقم 21، الدرس العاشر.
سادسا: من صفات الداعية: الكرم: الكرم من الصفات الحميدة، ولهذا كان أكمل الخلق في الكرم هو إمامهم وخيرهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وقد دل هذا الحديث على شيء من كرمه؛ فإنه أعطى خمس ذود، وفي الرواية الأخرى:"ستة أبعرة"؛ ليحمل عليه عبد الله بن قيس الأشعري وأصحابه رضي الله عنهم، وهذا غيض من فيض من كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
سابعا: أهمية الاستثناء في اليمين: كرم الله على عباده وإحسانه لا يحصى، ومن ذلك الاستثناء في اليمين بقول الحالف في قسمه "إن شاء الله" فإذا قال ذلك لا يحنث ولا يحتاج إلى كفارة، وقد ثبت في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى فقال:"إني «والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن من حلف على يمين فاستثنى فيها فلا حنث عليه ولا كفارة، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن قصة سليمان صلى الله عليه وسلم حينما أقسم أن يطأ في ليلة واحدة مائة امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله عز وجل، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، فقال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته» (2) قال الإمام النووي رحمه الله في فوائد حديث قصة سليمان صلى الله عليه وسلم: "ومنها أنه إذا حلف وقال متصلا بيمينه: إن شاء الله تعالى، لم يحنث بفعل المحلوف عليه، وأن الاستثناء يمنع انعقاد اليمين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"لو «قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته»، ويشترط لصحة الاستثناء شرطان: أحدهما أن يقوله متصلا باليمين، والثاني أن يكون نوى قبل فراغ اليمين أن يقول: "إن شاء الله" (3) ونقل رحمه الله: إجماع المسلمين على أن قوله: "إن شاء الله" يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا وأن الإمام مالكا، والأوزاعي والشافعي، والجمهور، يرون أن يكون قوله:
(1) انظر: الحديث رقم 35، الدرس الرابع.
(2)
متفق عليه: البخاري، برقم 5242، ومسلم، برقم 1654، وتقدم تخريجه في الحديث رقم 34، ص 239.
(3)
شرح النووي على صحيح مسلم، 11/ 129.
إن شاء الله متصلا باليمين من غير سكوت بينهما، ولا تضر سكتة النفس (1) فينبغي للداعية أن يحفظ يمينه، وإذا كان لا بد من القسم استثنى في ذلك، والله المستعان.
ثامنا: من أدب الداعية: إكرام الضيف: لا شك أن من الآداب السامية إكرام الضيف، واستقباله بالسرور، والبشاشة، والاستقبال الحسن، والتبسم، وقد ظهر في هذا الحديث حسن الأدب مع الضيف؛ لأن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه دعا ضيفه؛ ليأكل معه ومع أصحابه الغداء فامتنع الضيف؛ لأنه قد حلف أن لا يأكل الدجاج؛ ولحرص أبي موسى رضي الله عنه على إكرامه أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه أتى الذي هو خير وكفر عن يمينه، وهذا يدل على حسن أدب أبي موسى رضي الله عنه؛ فإنه يطلب من الضيف أن يتغدّى معه ويكفر عن يمينه؛ ولهذا قال " الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وفي الحديث دخول المرء على صديقه في حال أكله، واستدناء صاحب الطعام الداخل، وعرضه الطعام عليه، ولو كان قليلا؛ لأن اجتماع الجماعة على الطعام سبب للبركة فيه"(2) وقد ذكر الله عز وجل قصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم وإكرامه لأضيافه فقال عز وجل: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ - إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ - فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ - فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ} [الذاريات: 24 - 27](3) وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على إكرام الضيف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» (4) وهذا يؤكد العناية بالضيف والآداب
(1) شرح النووي على صحيح مسلم، 11/ 129، وانظر: مختصر اختلاف العلماء، لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، اختصار أحمد بن علي الجصاص الرازي 3/ 235، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد للإمام محمد بن أحمد بن رشد، 1/ 301، والمغني لابن قدامة المقدسي، 13/ 484، المسألة رقم 1797، والكافي له، 6/ 7، والمقنع، لعبد الله بن أحمد ابن محمد بن قدامة، 27/ 488، والشرح الكببر، لعبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة، 27/ 488، مسألة رقم 4697، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، لعلي بن سليمان بن أحمد المرداوي 7/ 488.
(2)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 9/ 648.
(3)
سورة الذاريات، الآيات: 24 - 27.
(4)
متفق علبه: البخاري، كتاب الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه، 7/ 135، برقم 6136، ومسلم كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الضيف والجار ولزوم الصمت إلا عن الخير، 1/ 68، برقم 47.
التي ينبغي للداعية أن يعتني بها (1).
تاسعا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة تبوك: دل هذا الحديث على أن من تاريخ الدعوة ذكر غزوة تبوك، وما وقع فيها من الشدة والابتلاء، لقول أبي موسى رضي الله عنه:"أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك"، وقد كانت هذه الغزوة في السنة التاسعة للهجرة، وأظهر الله فيها كثيرا من المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضحهم الله. أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (2).
عاشرا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: الله عز وجل يبتلي عباده بالسراء والضراء؛ ليختبرهم ويمتحنهم، فينبغي أن يقابل ذلك بالشكر في السراء، والصبر في الضراء، وقد ظهر في هذا الحديث الابتلاء بالضراء والصبر على ذلك، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجد ما يحمل الأشعريين عليه؛ لقلة ما في اليد وشدة الحال، وهو سيد الخلق ويريد الغزو في جيش العسرة، ومع ذلك حصل له من الابتلاء ما جاء في هذا الحديث، فيقول لأبي موسى ومن معه:«والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه» ، ثم يسر الله له صلى الله عليه وسلم ما يحملهم عليه فحملهم بفضل الله عز وجل بعد الصبر على هذه الشدة (3).
الحادي عشر: حرص الصحابة على الجهاد والدعوة: إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أحرص الناس على الجهاد والدعوة إلى الله عز وجل، ومما يدل على حرصهم ما ثبت في هذا الحديث أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه أرسله أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليحملهم معه في الجهاد، فلم يجد لهم رسول
(1) انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح 2/ 22، وغذاء الألباب، للسفاريني 2/ 157.
(2)
انظر: البداية والنهاية لابن كثير، 5/ 3 - 18، وانظر: الحديث رقم 187، الدرس الأول.
(3)
انظر: الحديث رقم 9، الدرس الثامن، ورقم 66، الدرس الأول.
الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم عليه، ثم يسر الله له صلى الله عليه وسلم بعض الإبل فأعطاهم ستة أبعرة، وفي رواية "خمس ذود" فحملهم صلى الله عليه وسلم، وهذا يؤكد حرص الصحابة على الجهاد؛ ولهذا جاء بعض الفقراء ليغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجد لهم ما يحملهم عليه فنفى عنهم الحرج، قال عز وجل:{لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 91 - 92](1) وهذا والله يدل على أعظم الحرص على الجهاد والدعوة فرضي الله عنهم (2).
الثاني عشر: عظم محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: الصحابة رضي الله عنهم يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم حّبا عظيما، يفوق محبة النفس، والولد، والوالد، والناس أجمعين، ويشفقون عليه صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا ثبت في هذا الحديث أن أبا موسى وأصحابه سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملهم، فقال صلى الله عليه وسلم:«والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه» ، ثم بعد أن يسر الله له وأعطاهم خمس ذود، أو ستة أبعرة، فلما أخذوها وذهبوا قالوا: تغفلنا النبي صلى الله عليه وسلم يمينه، لا نفلح، لا يبارك لنا، فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا سألناك أن تحملنا فحلفت أن لا تحملنا أفنسيت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لست أنا حملتكم، ولكن الله حملكم، وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» ، وهذا يؤكد محبة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وشفقتهم وعدم غشهم له صلى الله عليه وسلم (3).
الثالث عشر: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: التأكيد بالقسم من أساليب الدعوة؛ ولهذا استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ظهر في هذا الحديث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها
(1) سورة التوبة، الآيتان: 91 - 92، وانظر: تفسير الإمام الطبري "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" 14/ 421.
(2)
انظر: الحديث رقم: 102، الدرس الرابع.
(3)
انظر: الحديث رقم 62، الدرس الثامن، ورقم 63، الدرس الثامن.
خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وهذا فيه تأكيد بالقسم (1).
الرابع عشر: من أساليب الدعوة: تأديب بعض المدعوين بالقول: من الأساليب في الدعوة تأديب بعض المدعوين بالقول القوي، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم:«والله لا أحملكم» ، قال ذلك للأشعريين عندما سألوه أن يحملهم، قال الإمام القرطبي رحمه الله:"وفيه من الفقه ما يدل على جواز اليمين عند التبرّم (2) وجواز رد السائل المثقل عند تعذر الإسعاف، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول، وذلك أنهم سألوه في حال تحقق فيها أنه لم يكن عنده شيء، فأدبهم بذلك القول، ثم إنه صلى الله عليه وسلم بقي مترقبا لما يسعف به طلبتهم ويجبر به انكسارهم، فلما يسر الله تعالى ذلك عليه أعطاهم وجبرهم على مقتضى كرم خلقه"(3).
(1) انظر: الحديث رقم 10، الدرس الخامس، ورقم 14، الدرس الخامس.
(2)
التبرم: السامة والضجر. انظر: القاموس المحيط، للفيروزآبادي، باب الميم، فصل الباء، ص 1394.
(3)
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 4/ 629.